برعاية رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة نظمت إدارة الشئون الدينية بوزارة العدل والشئون الإسلامية مؤتمر الأئمة والخطباء والدعاة تحت شعار «معالم التنمية الوطنية في الخطاب الإسلامي» في الفترة 16-17 يونيو/ حزيران لتحقيق الأهداف الآتية:
بيان العلاقة الوثيقة بين قواعد التنمية ومقاصد الشريعة الإسلامية، إحياء دور الخطاب الإسلامي المتوازن في تحقيق التنمية الوطنية، تأسيس نهج تربوي لغرس مفهوم حب الوطن في نفوس الناشئة، تعزيز دور الخطب والداعية في تحقيق التنمية الوطنية.
وعلى مدى يومين وخلال خمس جلسات عمل ناقش المشاركون في المؤتمر المحاور الآتية:
قواعد التنمية الوطنية وعلاقتها بمقاصد الشريعة، دور الخطاب الإسلامي التجديدي والتعايش السلمي في التنمية الوطنية، الأنماط السلبية للخطاب وأثرها على التنمية، دور الخطيب والداعية في التنمية الوطنية وتعزيز ثقافة الحوار، المواطنة الصالحة ودورها في التنمية الوطنية.
وبعد البحث والنقاش توصل المشاركون إلى التوصيات الآتية:
يقدر المؤتمر خطة التحديث والتطوير للخطاب الإسلامي التي وضعتها وزارة العدل والشئون الإسلامية، كما يؤكد على ضرورة الاستمرار فيها، يوصي المؤتمر بتكثيف الدورات التكميلية للأئمة والخطباء والدعاة، يؤكد المؤتمر على تعزيز دور المنابر في تحقيق الانتماء لمسيرة التنمية الوطنية، يدعو المشاركون في المؤتمر إلى تعزيز الدور المحوري للأئمة والخطباء والدعاة في دعم مسيرة التنمية الوطنية، يطالب المشاركون في المؤتمر بتكثيف الحملات الدعوية الهادفة إلى إحياء روح التنافس في خدمة تنمية المجتمع، تأكيد دور المؤسسة الدعوية والتربوية في تنشئة الأجيال على حب الوطن العمل لرقيه وتقدمه وتسامك وحدته، إعداد محاور تعين الأئمة والخطباء والدعاة على حسن توجيه الجمهور للتفاعل مع هموم المجتمع ونمائه، التأصيل لمفهوم التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة وركائزها من منظور شرعي وفق معيات الواقع ومكوناته، إشاعة ثقافة التنمية الوطنية عبر الوسائط المتعددة لتنتقل من ثقافة النخبة إلى مستوى الجمهور، ضرورة ترتيب أولويات الخطب المنبرية والاستفادة منها في التركيز على كليات القضايا التي تمثل محور ارتكاز لوحدة الوطن وتعميق الولاء له، تخصيص جائزة لأفضل خطيب وأفضل داعية وفق معايير يتم وضعها بهذا الخصوص.
موسى: صفات المواطن الصالح تدعم التنمية
ذكر المدير العام لمركز ابن النفيس للخدمات الفنية والتقنية نظمي خليل أبو العطا موسى في ورقته التي كانت بعنوان «المواطنة الصالحة ودروها في التنمية الوطنية»، أن من صفات المواطن الصالح الداعمة للتنمية كف أذاه عن الناس إذ وضعت السنة النبوية المطهرة مبدأ عاما سلميا وحضاريا،وأن الإسلام لم يكتف بتحريم الإيذاء وإنما حض على فعل الخير والمعروف والتعاون على البر والتقوى، وإذا توافر الإسلام والإيمان بحق كما في الحديث، وانضم إليه العمل الصالح النافع (للفرد) والأمة والمجتمع، وتعامل الناس على مستوى كريم من الآداب والأخلاق الاجتماعية الكريمة، تحققت السعادة والأمان للجميع.
ونوه بأن «المؤمن طهر الإيمان قلبه ودفعه قبله ودفعه إلى الخير وسما به عن الدنايا، عف اللسان فلا يقول إلا جميلا، طاهر السريرة فلا يعمل إلا عملا حسنا فإذا رأينا في المتسمين بالإسلام من ينطق لسانه بالشتائم، ويخوض في الأعراض وينطق بالهجر، فهذا ناقص الإيمان لم تملأ عقيدة التوحيد قلبه»، وقال ان «المسلم يتميز بمراقبة الله تعالى في السر والعلانية وفي كل مكان، بالليل والنهار، في وجود الناس وغيابهم، فهو لا يحتاج إلى حراسة خارجية لحراسته وفقا للهدى النبوي في ذلك».
ولفت موسى إلى أن «الأساس الأول للمواطن الصالح، ولبناء المجتمع الصالح هو الأخلاق الحسنة، وقد عمل الإسلام على ترتيبها بالعبادات أولا، ثم بمنع ظهور الشرور وكتمانها ثانيا، ثم بتكوين رأي عام فاضل والتضحية، والإيثار والتعاون، ونشر الفضيلة»، كما أن «الصفة التي تتوافر فيه هو حبه للناس ما يحبه لنفسه فآية الإيمان الحق أن يرى الفرد الصالح نفسه عضوا صالحا في المجتمع، نفعه نفع لنفسه وضره إضرار بها، فإذا أحس هذا الإحساس الصادق، وانطبع في نفسه رأى غيره كنفسه
«، وشدد على أنه «يحب العمل ويتقنه المواطن الصالح، والعبد المؤمن يحب العمل ويتقنه، طرق كسب المال كثيرة كالوراثة، والهبة، والصدقة، والوظيفة، والتجارة، والزراعة، والصناعة، وقد بين الرسول (ص) أن خير طعام يأكله المرء ما كان من عمل يده»، مشيرا إلى أنه «يجب أن يبغض العصبية والجاهلية، إذ جاء الإسلام والعرب متفرقون متناحرون متقاتلون، تجمعهم العصبية الجاهلية، وتفرقهم المصالح القبلية الضيقة، تقام الحروب بينهم لأسباب تافهة على أساس المنهاج الجاهلي»، ونبه إلى أنه «يحب الاخوة الإسلامية فلقد كان مبدأ التآخي العام بين المسلمين قائما منذ بداية الدعوة في عهدها الملكي، ونهى الرسول (ص) عن كل ما يؤدي إلى التباغض والتحاسد بين المسلمين، وساهم نظام المؤاخاة الإسلامية في ربط الأمة بعضها ببعض(...) والسبب الذي أدى إلى تقوية هذه الإخوة بين المهاجرين والأنصار هو أن أهل هذا المجتمع ممن التقوا على دين الله وحده نشأهم دينهم الذي اعتنقوه على أن يقولوا، وعلمهم الإيمان العمل الجماعي فهم أبعد ما يكونوه عن الشعارات التي لا تتجاوز أطراف الألسنة».
وبين موسى أن «المجتمع المسلم مجتمع العمل والإنتاج فما دام الفرد المسلم يحب العمل والإنتاج كما سبق أن بينا في صفات المواطن الصالح، فإن المجتمع المسلم بالتبعية مجتمع منتج يحب إتقان العمل والإنتاج والتنمية كما، لذلك فالمتجمع المسلم مجتمع يقدر العمل وإتقانه والإنتاج والتنمية»، مؤكدا أن «الكل في المجتمع المسلم يجتهد أن يكسب الكسب الحلال، ولا يضيع وقته وعمره وماله في غير الصالح والمفيد، وبذلك تتحقق الوطنية الصالحة المنتجة في ضل المواطنة الصالحة للأفراد في المجتمع المسلم».
المهتدي: الكلمة الطيبة تنطلق من القلب إلى القلب
قال عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الشيخ عبدالعظيم المهتدي في ورقته التي كانت تحت عنوان «بحث في التأسيس للمواطنة الصالحة» إن «المرتكز الأول للخطاب هو أن الكلمة كلمتان كلمة طيبة تبني حياة طيبة، ولكنها متى ما انطلقت من قلب طيب الله حاله بالإيمان الصادق والخشية من ربّ يأخذ بالوتين كل من يتقول عليه الأقاويل باسم، وكلمة أخرى تقف على الطرف النقيض، وهي الخبيثة التي تبني حياة خبيثة، تخرج من قلب أنساه حبّ الدنيا تلك الدار الآخرة التي جعلها الله للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا».
وبيّن أن من «هنا جاء في الحديث الشريف عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر (ع) أنه قال: (من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدي عن الله عز وجل فقد عبدالله، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان)».
وأضاف المهتدي «هكذا شأن الكلمة وأثرها سواء بطرف الخير منها أو طرف الشر تشحذ الهمم على الجبهتين، وبها تتحرك الجهود وتنتشر لتحقيق ما تفرزه على واقع الفرد والأسرة والمجتمع وعلى سطح الحياة عموما»، مشيرا إلى أن «الكلمة أساس في صراع الإرادات وتوجه سنة التدافع البشري التي تقف وراءها النفس، إذ كان على الإنسان أن يختار موقعه من الخير والتقوى فقد برزت مسئولية الكلمة بصفتها أول مرتكز للخطاب الإسلامي في التأسيس للمواطنة الصالحة وهي المحور الأول والأخير للوطن الصالح».
وأردف «تأسيسا على المرتكز الأول فإن الخطاب الديني يتخذ لدى الخطيب المسئول صفة التمثيل عمن يخطب عنه، فلا ترى حينئذ خطيبا يحسب نفسه في موقع التمثيل لله قدر المستطاع إلا ويكون ملتزما بحدود الله، ومنه يرتقي الخطاب إلى مستوى رضا الله الذي ينمي المواطن على خط الصلاح ويقود الوطن على مسار التنمية الصحيحة (...) فالخطيب - أو أي صاحب كلمة في المجتمع - يلقي كلمته وهو يعتقد وجوب ارتقائه درجة المسئولية في التمثيل لدين الله الحق سيتورع عن خطاب الشخصنة باذلا تمام وسعه لوعي الرسالة الإلهية أولا والدقة في أدائها ثانيا وتنقية أجوائه من الآفات ثالثا».
وتابع «وهذا الاتجاه هو ما يصنع المواطنة الصالحة التي تنشط في مسيرة التنمية لموارد الوطن وثرواته ومؤسسات المجتمع المدني ومسئولياته»، كما نوه إلى أن «عنوان التمثيل هذا يرتكز عليه جميع مقومات الخطاب السديد وأهمها ثقافة الموازين؛ ذلك لأن الخطيب إذا فقه من يمثل ومن الذي وكله للتحدث إلى العباد باسمه فسيلتزم بشروط التمثيل ويتحرر من الأهواء الشخصية حتما، وحينئذ يتذكر نفسه في التمثيل لجهة ربانية فيجعل خطابه ربانيا لا محالة، مربيا ذلك الإنسان الصالح الذي يبني أسرة صالحة ووطنا مزدهرا».
وذكر أن «التقارب الخطابي مع القرآن هو المرتكز الثالث. فلكي يقترب الخطاب إلى جهة التمثيل الإلهي، ولكي يغدو الخطيب إلهيا وحتى يكون ناطقا أقرب إلى الله منه إلى هواه ولبلوغ الهدف في بناء الفرد الصالح والوطن الآمن فلابد من أخذ الخطيب القرآن الكريم»، معتبرا إياه «خير مرجعية لهذه الغاية وخير منطلق للأداء المرضي عند الله سبحانه في سياق التربية والتنمية، على أن نجعل الرسول (ص) وأهل بيته (ع) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا الميزان التطبيقي لمعرفة البصائر القرآنية ومعرفة قيم القرآن وروحه السامية».
وبيّن «هكذا يصان دين الحق وخطابه المسئول من أي تحريف ودس وانزلاق مع الأهواء وسقوط في الميول الذاتية كما حصل لبقية الأديان السابقة التي انفصلت عن كتابها بانفصالها عن قدواتها الحقيقية، فكانت مآسي البشرية تلاحق مضاجعها بالفتن وتدك معاقلها بالحروب والدمار ثم الاستعداد لها بالكرات والمرات».
العدد 2112 - الثلثاء 17 يونيو 2008م الموافق 12 جمادى الآخرة 1429هـ