مما لا شك فيه ولا ريب أن من يقوم بالأعمال الخيرية التطوعية يأخذ من وقته الخاص الشيء الكثير ويبذل جهودا كبيرة ومضنية لا حدود لها، ويحتاج منه أن يروض نفسه برياضات قاسية جدا من أجل أن يستطيع التعامل مع كل الأطراف المعنية بالعمل الخيرية من دون أن يحدث ما يسيء بقصد أو من غير قصد للعمل الخيري التطوعي ولو بنسبة متدنية.
فالعمل الخيري التطوعي يحتاج إلى الحزم والمرونة في وقت واحد، وعندما نقول الحزم نعني به عدم الاستبداد بالرأي في مختلف القضايا المتعلقة بالعمل الخيري التطوعي.
وعندما نقول المرونة لا نعني بها تلك التي تؤدي إلى التسيب والفوضى في جوانب العمل الخيري، نعي بالحزم والمرونة القلائية التي تزيد العمل رفعة ومكانة في قلوب ونفوس المعنيين بالعمل الخيري في كل اتجاهاته المتعددة، ومساحة التشاور واسعة في العمل التطوعي؛ مجلس الأمناء جهة أولى في التشاور، والموظفين جهة ثانية، والمشتركين من الأفراد شهريا أو سنويا أو فصليا لدعم العمل الخيري ماديا أو عينا جهة ثالثة، والأسر التي تقدم لها الخدمات جهة رابعة.
إن العمل الخيري ليس حكرا على عدد معين وأقصد بهم أعضاء مجلس الأمناء، ولهذا بعض الصناديق الخيرية تقوم بتنظيم لقاءات دورية مع الناس للتشاور معهم ولعرض ما تم إنجازه وما سيتم إنجازه في المستقبل، وللاستماع إلى وجهات نظرهم في مختلف القضايا المتعلقة بجمع التبرعات وكيفية إيصالها إلى مستحقيها مع مراعاة توافقها مع الجوانب الشرعية والقانونية والحقوقية والأخلاقية والزمانية والمكانية.
لا بد للذي يريد أن يعمل في العمل الخيري الذي مع الكثير من الفروع التي تتطلب منه الإطلاع بصورة تفصيلية عن الجوانب الشرعية أولا وقبل كل شيء، حتى لا يكون العمل الذي يقوم به يذهب سدى إذا لم يكن فيه أثم كبير، على سبيل المثال لا الحصر، إذا ما دفع شخص معين مبلغ من المال بعنوان الصدقة أو بعنوان النذر لا يجوز شرعا صرفه إلى إلا للعنوان الذي دفع من أجله، وإذا تصرف في المبلغ متعمدا أو غافلا أو جاهلا بمثل هذه المسائل الدقيقة عليه أن يتحمل تبعات تصرفه الخاطىء، وليس للقائم على العمل الخيري أن يغير مكان أو زمان التبرع أوالتصدق بأي مبرر، بأن يقول إن التبرع الذي دفع للإفطار الجماعي أحوله إلى مشروع الحقيبة المدرسية على سبيل المثال أو العكس، أو تبرع لكسوة العيد يدفع لعنوان آخر، لا بد أن تدفع المبالغ حسب العناوين التي تحدد من قبل المتبرعين وليس لأحد الحق في التصرف بعيدا عن العناوين التي يطلبها المتبرع، إلا بعد أخذ الإذن للتغيير من المتبرع، وإذا لم يأذن لا يجوز شرعا لأحد مهما كان ذلك الأحد التصرف فيه وصرفه في عمل خيري آخر.
إن مسألة حبس الصدقات والتبرعات وتكديسها في المصارف والبنوك للتباهي بحجمها أمام المؤسسات الخيرية الأخرى أو لأي غرض آخر مع وجود أسر هي في أمس الحاجة للعون والمساعدة وتعيش فقرا مدقعا هو أسلوب يخالف أخلاقيات وأدبيات العمل الخيري، ليس الهدف في العمل الخيري جمع الأموال وتكديسها بقدر ما هو جمعها وصرفها إلى مستحقيها.
إن المتبرع والمتصدق يرجوان الثواب والأجر من وراء عملهما، وهذان لا يحصلان عليه إلا إذا ما وصلا إلى مستحقيهما في أسرع وقت ممكن، وإلا سيبقى ذلك الأمر متعلقا في رقاب من تسلموا تلك المبالغ، تغيير زمان التبرع أو الصدقة فيه إشكالات شرعية كبيرة.
شخص يدفع صدقة شهر رمضان المبارك، لا يحق لي تأخيرها لدفعها في شهر آخر من دون رجوع في هذا التغيير إلى صاحب الشأن وأقصد به المتبرع أو المتصدق أو الفقير، ليس معنى ذلك أن كل ما يصل إلى الصندوق الخيري من مبالغ تصرف مباشرة إلى الفقراء، فلا بد من وجود ضوابط شرعية محكمة لصرفها، حتى لا يكون في توزيعها وصرفها ظلم لأحد من الفقراء.
هذه المحذورات الشرعية إذا لم يلتفت إليها جيدا قد تؤدي إلى جهة لا يحمد عقباها في اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، لا تنفع في ذلك الوقت العصيب كل المبررات التي كنا نسوقها في هذه الدنيا.
لا نستطيع في ذلك اليوم أن نقول إن الصدقة التي دفعت إلى شخص اجتهد ودفعها إلى شخص آخر من دون الرجوع إلى المتصدق، حتى لا يعرض نفسه للإحراج الذي قد يسببه ذلك الشخص في حال رفضه القبول بتصرفه غير الشرعي.
ما ذكرته قليل من كثير من الأمور التي لا بد من الالتفات إليها جيدا حتى لا نسير بأنفسنا إلى التهلكة والعياذ بالله، فلا أقصد من وراء هذا الكلام إلا التنبيه، وليس التخويف من العمل الخيري، وليس علينا إلا التذكير وليس لنا غير ذلك، ونسأل المولى أن يوفق كل من يعمل لوجه الله في الأعمال الخيرية بصدق ووفاء، وأن يجزيه الثواب الجزيل... آمين رب العالمين.
سلمان سالم
العدد 2549 - الجمعة 28 أغسطس 2009م الموافق 07 رمضان 1430هـ