على وقع الجدل الدائر في أروقة الأوساط المختلفة في البحرين بشأن استصدار قانون للأحوال الشخصية، ومع تموج التجاذبات هنا وهناك بشأن الدعوة إلى القانون أو رفضه أو التحفظ عليه، يلقي «منتدى الوسط» الضوء على المسألة من نافذة الوسط الإسلامي إذ تتقاطع الآراء بشأن الموقف من تقنين الأحوال الشخصية، في ظل تصاعد المطالبة بالتقنين أو رفضه عبر تحرك لعلماء الدين وعرائض متعددة تنتشر في الأوساط الشعبية.
بشأن إمكان موافقة الوسط الإسلامي على تقنين الأحوال الشخصية وتبريرات رفض ذلك، حاورت «الوسط» كلا من عضو المجلس النيابي جاسم السعيدي، والمحامي عبدالله الشملاوي، ومن الحوزة العلمية كلا من عبدالجليل المقداد وعلي الصددي، ومحضر رسالة الدكتوراه في قانون الأحوال الشخصية ياسر المحميد.
لاشك أنكم تتفقون بشأن أن الله سبحانه هو المشرّع الوحيد، لكن السؤال المطروح هو من له الحق في تشريع قانون الأحوال الشخصية؟ وما الحاجة إلى مثل هذا القانون؟
- السعيدي: إذا كانت القوانين الوضعية الموضوعة من البشر لا تستند إلى أدلة من القرآن والسنة فهي مرفوضة، أمّا إذا كانت مستندة إليهما بنص قطعي الدلالة وبوضوح تام فتقبل.
إنّ الهدف من القوانين تنظيم الحياة، والقانون الإلهي والسنة النبوية واضحان في ذلك، كما تأتي ضرورة التقنين لما سار عليه التاريخ من تطور، فعلى سبيل المثال كان الرجل يأتي لولي المرأة فيزوجها منه بحضرة شاهدين من دون أن يكتبوا ذلك، ولحفظ الحقوق والأمانة كتبت العقود فيما بعد، وهكذا فإنني أرى ضرورة وجود القانون أمام القضاة اليوم فلاشك أنهم مختلفون في درجة الخوف من الله والزهد والورع، وبسبب ما يعاني منه الكثير من الرجال والنساء في البحرين من مشكلات كثيرة في حل قضاياهم إمّا لضعف في القاضي لعدم تأهيله أو لضعف في تقواه.
وهناك الكثير من القضايا تمّ إصدار الأحكام فيها، ولو تمّ إرجاعها إلى العلماء الربانيين لأنكروها، وأعطيك مثالا لامرأة متزوجة طلقها زوجها الأول من خمس سنوات ثمّ يقول لها الآن (أرجعتك بنيّتي!)، فالآن هل هي زوجة للأول أم الثاني؟... من يفصل في هذه القضية؟ إن القضاة اختلفوا في تحديد ذلك...
لذلك نحن بحاجة إلى قانون يستند إلى الكتاب والسنة ليفصل في مثل هذه القضايا، وتبقى هنالك مساحة للاجتهاد تترك للقاضي...
ليس هناك خلاف سني أو شيعي
إذا... أنت تدعو إلى حل إشكال الاختلاف في الأحكام الشرعية بين المذاهب والفقهاء بإيجاد مساحة للاجتهاد في القانون؟
- السعيدي: هذه المسألة مهمة وحساسة جدا، فأولا ليس هناك خلاف شيعي أو خلاف سني، فالمسألة مسألة فقهية ولا نريد أن نميز بين أبناء شعبنا البحريني بشكل طائفي، فأمامنا القرآن الكريم والسنة النبوية والاجتهاد الذي من خلاله يمكن للقضاة أن يختلفوا في مسألة ويتفقوا على أخرى.
إنني أدعو من لديه الدليل والبرهان فليقدمه وهو الذي سيحكم، فالقرآن الكريم والسنة النبوية واضحان في ذلك، وأمّا إذا ما نظرنا إلى التحيز لكل فئة على حدة، فكم هي فئات السنة وكم هي فئات الشيعة؟ لذلك فإنني لا أريد قانونا أصوليا ولا حنبليا ولا إخباريا... إنني أريد قانونا قائما على الدليل والبرهان فمن يمتلك الدليل والحجة هو من يفصل في الأمر، أما قضية الاجتهاد فهي قضية معروفة ومثبتة.
(الشيخ المقداد) هل ترفضون استصدار قانون للأحوال الشخصية من حيث المبدأ؟
- المقداد: بداية لديّ ثلاث نقاط للتعليق على ما تفضل به الشيخ آنفا، فأولا إن البحث في مسألة استصدار قانون للأحوال الشخصية هو بحث مستقل تماما بمعزل عن مسألة تبرئة الوضع القضائي في البحرين أو نقده أو توجيه الإشكالات إليه، وبذلك يمكننا أن نرفض استصدار هذا القانون وفي الوقت نفسه تكون لدينا تحفظات ونقد تجاه الوضع القاضي، فهما قضيتان لا ربط لإحداهما بالأخرى.
كما أننا لا نتحدث عن توثيق الزواج والطلاق - كما فهمت من كلام السعيدي - إنما نتحدث عن تقنين الأحوال الشخصية، أمّا النقطة الثالثة فهي عدم إجابة الشيخ على سؤالكم وهو أن المادة التي ستدرج على هذا القانون هل هي على وفق هذا المذهب أو ذاك، كما أنني فهمت من كلام الشيخ إعطاء القاضي الاجتهاد بنفسه في القضايا ليستنبط الحكم من الكتاب والسنة ولعل ذلك ما لم يقصده الشيخ إذ إن فتح باب الاجتهاد على هذا النحو يؤدي إلى التعددية في الحكم وليس استصدار قانون موحد.
أمّا أصل الموضوع وهو استصدار هذا القانون والإشكال الموجه إليه هو في إيصال تشريع القانون إلى أروقة المجلس التشريعي ما يجعله قانونا تترتب عليه الآثار القانونية، بمعنى أن القانون يمكن أن يقبل أو يرفض، وإذا ما قبل في دورة قد يرفض في دورة أخرى، كما يمكن أن يعدل مستقبلا، وإنه إذا ما كان المجلس الآن ذو غالبية إسلامية ساحقة فما الضمانة من عدم وصول غالبية لا تؤمن بشريعة السماء لتفرض تغيير هذا القانون وإحلال قانون وضعيّ محله؟ كما أن دستور البلاد يعتبر الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع وليس مصدرا وحيدا لذلك، ما يعطي المجال لإعمال مصادر أخرى في هذا الأمر التشريعي الخطير.
لذلك أرجو التركيز على هذه المسألة فنحن نتفق على أن الوضع القضائي بحاجة إلى إصلاح، وقد لا نختلف على أن المرأة تهضم في بعض حقوقها القضائية وهي الطرف الأضعف في هذه القضية إلا أن ذلك يعد إصلاحا لأمرٍ فاسد بأمر أكثر خطورة وفسادا.
الشريعة والتقنين
الأحوال الشخصية إذا ما تحولت إلى قانون يشرعه المجلس التشريعي فإنه قد يقبل أو يرفض وربما يعدل في دورة أو أخرى - الشملاوي - ألا ترى أن ذلك قد يتعارض والشريعة الإسلامية، وما رأيك في ذلك من الناحية القانونية؟
- الشملاوي: لقد طرح السعيدي مقدمة جيدة للموضوع، والله سبحانه يقول «ألا لهُ الخَلْقُ والأمْرُ» (الأعراف: 54)، فالتشريع لله تعالى هو أمر مفروغ منه، ودستور البلاد ينص على أن أحكام الأحوال الشخصية يجب أن تنظم من أحكام الشريعة الإسلامية، فالشريعة هي المصدر الأوحد لقانون الأحوال الشخصية وهذا ينفي الإشكال الذي طرحه الشيخ المقداد.
أمّا وصول غالبية غير إسلامية إلى المجلس فهذا الإشكال أيضا مردود باعتبار أن الدستور اقتصر في مسألة تشريع القانون على الشريعة الإسلامية فقط، كما نستطيع تضمين قانون الأحوال الشخصية نصا يمنع من تغييره إلا ضمن دائرة الشريعة الإسلامية، كما أن التقنين يعني صب الأحكام التي توصل إليها الفقهاء في مواد قانون، فنحن لن نبتدع شيئا جديدا.
ولكن مع وجود الآراء والاجتهادات المختلفة بين فقهاء الأمة، على أي أساس سيغلِّب القانون رأيا على آخر؟
- الشملاوي: يجوز لولي الأمر أن يغلب رأي فقيه على رأي فقيه آخر بحسب مدرسة المذاهب الأربعة، أما المدرسة الأخرى ففي إيران هنالك قانون للأحوال الشخصية أعده فقهاء منذ 75 عاما وحتى بعد أن جاءت الجمهورية الإسلامية لم يعدلوا القانون ولم يخرجوا عن الملة، وفي الكويت صيغ القانون وفقا للمذهب المالكي باعتبار الغالبية هناك تتبع هذا المذهب، فيمكننا أن نأتي بهذا القانون باعتبار الكويت هي الأقرب إلى واقعنا ونعدل عليه.
وإذا ما أردنا صوغ قانون موحد بعيدا عن الطائفية كما قال السعيدي لاشك ان هناك الكثير من الاختلاف في الأحكام بين المدرستين، ولن أستطيع أن أقنع السني بأن يقبل بأن يتنازل عن إرثه من أخيه إذا ترك ابنة واحدة فله النصف عملا برواية طاووس، ولن أستطيع أن أقنع الشيعي بعدم أخذ كامل الميراث عملا بالقاعدة الأولية، وغيرها من المسائل، لهذا يمكننا أن نقسم القانون إلى باب يتضمن المسائل المتفق عليها بين المدرستين وباب آخر يشتمل على فصلين فصل يتضمن مسائل خاصة بهذه المدرسة وفصل يتضمن مسائل المدرسة الأخرى.
تسمية خاطئة
- ياسر المحميد: أولا عندما نعرض تسمية الأحوال الشخصية على المعقول والمنقول نجدها غير صحيحة لأن الطلاق والزواج والإرث وغيرها من المسائل التي يعنى بها القانون ليست حقا آدميا فحسب بل هي حق يتجاذبه حقان حق إلهي وحق آخر للمخلوق، فهي تسمية غربية أكثر منها شرعية.
كما ينبغي للناس أن يعلموا أن الشريعة الإسلامية تحتوي على مجموعة من الصفات لا يحتوي عليها أي قانون وضعي هنا أو هناك، ومنها الشمولية والصلاحية الزمنية، وملاءمتها لكل شخص، ومن أهم البحوث الإسلامية في ذلك المقاصد القضائية من وراء الأحكام والمرافعات وغيرها، ولابد لنا من مقارنة بين القانون الوضعي والإسلامي لرد من يريدون إسقاط آخر معاقل الشريعة الإسلامية، فحين تقارن بين المجتمعات الغربية والمجتمعات الإسلامية على رغم قلة التدين والتطبيق تجد تدني مستوى الأسرة الغربية وارتقاء مستوى الأسرة المسلمة، فإذا ما كانوا يريدون أخذ قانون الأسرة من فرنسا وغيرها فنحن في غنى عن ذلك وعاداتنا ترفضه رفضا تاما.
كما أنني أجد أن قانون الأحوال الشخصية له ثلاثة بواعث، الأول هو باعث عاطفي إذ يحكم للمرأة في المحكمة بخلاف ما تريد وكذلك بالنسبة إلى الرجل، أو يتم تأييد القانون بسبب قلة الدراية بالقانون وتغليب العاطفة لجانب دون آخر، أو يصوتون لهذا القانون بغية في مناصب من الدولة وما عند الله خير وأبقى.
كما أنني أعتقد أن من بواعث الدعوة إلى استصدار قانون للأحوال الشخصية سن القانون الأوروبي، وإن لم يستطيعوا ذلك فقد أصدروا قانون الأحوال الشخصية التونسي، ثمّ اللبناني فالبحريني، أما الباعث الثالث فهو إصلاحي من أهل الدين والخير والصلاح ونرجو أن يكون الأخوة منهم، والإشكال لديهم ذو قسمين إشكال في المنهج وإشكال في المضمون، فهل يمكن التقنين والإلزام؟ بمعنى تقنين الشريعة الإسلامية؟ إنني أجد أن مسألة التقنين هي مسألة نظرية أكثر منها واقعية علمية، إذ إن القضاة الذين قالوا بالتقنين تجدهم يخرجون كثيرا عن القول المقنن.
أما إشكالات المضمون في القانون فهي كثيرة منها أن القانون إما أن يلتزم مذهبا ما أو خليطا من عدة مذاهب، فإذا التزم مذهبا واحدا فهو يحتوي على الراجح والمرجوح وإن أخذ بمذاهب عدة فقد أخذ الأقوال الشاذة والباطلة منها، كما أن القانون يراعي المجتمع والعاطفة دون الشريعة، وقد يأخذ من يسن القانون من النساء الأحكام التي تلائم النساء ومن يسنه من الرجال الأحكام التي تلائمه أيضا، والأهم من كل ذلك أن القانون يضعف المادة الاجتهادية لدى القاضي، إذ لا يمكن إلزام القاضي بكل شيء فهو قد يُلزم في الأحكام ولكن ماذا عن القرائن وشواهد الحال واعتبار الصادق من الكاذب والمرافعات والتقديم والتأخير واعتبار المصالح وما إلى ذلك.
القانون ليس حلا
إنني أتساءل: هل قانون الأحوال الشخصية سيحل الإشكال الموجود في البحرين أو غيرها؟ إنني أرى - كما قال المقداد - أن هذا القانون لا يحل المشكلة بل إن المشكلة لها بواعث أخرى كضعف السلك القضائي وعدم وجود المجتهدين بين القضاة بل هناك من لا يعمل بقول راجح أو مرجوح بينهم، وأيضا دخول «الواسطة» والمحسوبية في تعيين القضاة، وقد كان الناس يهربون من مهنة القضاء، أما اليوم فهم يندفعون إليها باسم العائلة وما إلى ذلك على حساب أعراض الناس ودمائهم، وهذه مشكلتنا في البحرين.
كما أنني أرى أن صوغ الشريعة صوغا قانونيا بشريا في حد ذاته مشكلة، إذ يعرّض الشريعة للنقد، فلا يمكن للإنسان تغيير حديث من السنة سواء كان قطعي أو ظني الدلالة، لكن القانون يمكن أن ينقض ويتلاعب به بينما لا يمكن التلاعب بالنصوص الربانية، لذلك فإن واضعي قوانين الأحوال الشخصية يقولون إنهم استطاعوا صوغ قانون تشمله الروح الإسلامي لا الفقه الإسلامي، ومنها القانون التونسي الذي يرى أن الدين يسر وما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، فإذا طلق الرجل زوجته استحقت نصف المعاش! وإذا أراد الرجل أن يعدد فيستأذن زوجته ولا يتزوج إلا بعد موافقة القاضي بشروط معينة.
أخيرا أقول إنني لست مع أو ضد تقنين الأحوال الشخصية، فإذا أردنا أن نقنن فليقنن العلماء وأهل الاختصاص، أما عرضه على البرلمان فليس صحيحا باعتبار اشتماله على غير أهل الاختصاص وغير الإسلاميين.
ما موقفكم من عرض مسألة تقنين الأحوال الشخصية على المجلس الوطني؟ وإن كنتم تعارضون عرض المسألة على المجلس فهل ترون إمكان تكوين لجنة علمائية لصوغ القانون أم أنكم ترفضون استصدار القانون من حيث المبدأ أصلا؟
- علي الصددي: بداية أود الرد على ما قاله الشملاوي من أن القانون لن تحكم فيه غير الشريعة الإسلامية، فأقول إن دستور البلاد والميثاق يقولان إن الدين الرسمي للدولة «الإسلام» و«الشريعة الإسلامية» مصدر رئيسي للتشريع والشعب البحرين شعب «مسلم»، وكل ذلك لم يحمِ الكثير من التجاوزات الظاهرة والمآسي من شرب للخمور ودعارة وسياحة مبتذلة.
أمّا أن يتم صوغ القانون عبر لجنة خارج البرلمان، فهل سيتم بعدها إرجاع القانون ليمضيه المجلس أم لا؟ فإن أمضاه ليعطيه الصبغة اليوم فبإمكانه أن يسحبها عنه غدا، وأمّا إذا كان إرجاع القانون الى المجلس ليبت أعضاؤه في القانون فهم غير متخصصين في ذلك قطعا، وأما إن افترضنا أنهم متخصصون في ذلك فهل أوكلهم الشعب للتدخل في هذه الشئون؟ فكل هذه الحقوق لا يتمتع بها أعضاء المجلس.
كما أنك تقول إن الشريعة الإسلامية ستكون المصدر الوحيد للقانون، فمن هو الذي يفسر لنا هذه الشريعة في ضوء اختلاف الفقهاء وتعدد الاجتهادات، فمن الغريب جدا أن نتحدث بعبارات فضفاضة وهي لا تتلاءم وهذا القانون.
الشعب فوّض النواب!
في تصريحكم لـ «الوسط» قلتم إن المجلس النيابي هو المكان الأنسب لمناقشة القانون، بينما يرى آخرون ضرورة أن تكون مناقشة القانون محصورة بيد العلماء والمتخصصين، ما تعليقك على ذلك؟
- السعيدي: لاشك أن المجلس النيابي منتخب من الشعب لتمثيله في كل قضاياهم، وذلك مثبت في كل من الدستور والميثاق...
إذا هل تقول إن من حق النواب أن يستصدروا قانونا للأحوال الشخصية وأن يغلّبوا رأيا على آخر في أحكامه ومسائله؟
- السعيدي: نعم، ما داموا يمثلون الشعب فيحق لهم مناقشة كل القضايا المعروضة عليهم، فهم أمام الله تعالى إن حكموا شرعه نجوا وإن لم يحكموه لم ينجوا، فمثلا أن نتحدث عن استئذان الرجل المرأة قبل زواجه بأخرى فإن المجلس سيرفض ذلك باعتباره مخالفا لشرع الله.
إن الشعب صوت للميثاق وألزم نفسه به وهو يعلم يقينا أن الخمر حرام والشرك حرام والربا حرام وأن اليهودية والنصرانية يطالبون بإنشاء معابدهم وعلينا أن نحترمهم، لكنما نحن لا نحترم كل ذلك، لذلك أؤكد أننا في المجلس لن نصوت على باطل، وعندما يأتينا هذا القانون سنفصل في القانون لنقبل ما وافق الشريعة منه ونرفض ما خالفها...
- الصددي: سواء كنتم الآن أقلية في المجلس أم لا، فالدورات القادمة للمجلس قد تأتي بأقلية إسلامية...
- الشملاوي: لو قدرنا أنه في دورة لاحقة جاء من يرغب في تعديل القانون، يستطيع من يرى عدم موافقته مع الشريعة الإسلامية أن يرفع دعوى في هذا الخصوص والطعن في عدم دستورية القانون.
كما أن المجلس النيابي لن يناقش الأحاديث والأحكام بل سيشكل لجنة علمائية متخصصة لتصوغ المشروع في بنود، وبعد ذلك فإن المجلس سيجيز القانون فقط.
- ياسر المحميد: إن فتح المجال أمام التصويت على شرع الله لهو أمر عظيم، وإن الدين لهو الذي يدينون به الناس...
- الشملاوي: إنني أعتقد بصحة إصدار قانون يلزم الناس بأحكام تتمتع بجزاء يعاقب مخالفيه، أمّا القواعد الدينية فتكاد تكون من قواعد الأخلاق، كأن تقول (هذا يأثم دينا)، لكن أمر السلطان إذا ما اقترن بالقاعدة الشرعية يعطيها صفة الجزاء...
عودا على بدء... (السعيدي) على أي أساس سيغلب مجلس النواب آراء فقهاء مجتهدين على آخرين في المادة القانونية ويلزم جميع الناس بكل ما في القانون على اختلاف اتباعهم لمختلف الفقهاء؟
- السعيدي: نحن أمة فرقنا أنفسنا فاختلفنا، فالفقهاء إذا ما اختلفوا في مسألة يختلفون دون «تعنيف» بينهم، ومن الطبيعي وجود اختلاف في المسائل الفقهية بينهم، إلا أن القاضي ستكون له مساحة اجتهادية بالتعزير وغير ذلك.
وإنني أدعو وأطالب من خلال «منتدى الوسط» العلماء وطلاب العلم للاجتماع والتباحث بشأن القانون، لكي نوحد المجتمع على عبادة واحدة، وأن يفتح باب الحوار بشأن القانون.
- المقداد: إن الشيخ لم يجب على السؤال، فوجود تعدد في الآراء الفقهية هو واقع لا مفر منه، فعلى أي أساس يحكم رأي لهذا المذهب على رأي مذهب آخر؟!
- السعيدي: ليس هناك اعتبار للـمذهب، بل هناك قول راجح، فليجلس العلماء ويحررون الأدلة ليصلوا إليه...
- ياسر المحميد: إن القول الراجح قضية نسبية، لا يمكن الجزم بها.
- الصددي: العلماء قد يختلفون في الحكم على مادة أو عشر أو أكثر...
- المقداد: إن الحديث منذ البداية دار حول استصدار قانون للأحوال الشخصية من خلال المجلس النيابي، إلا أن السعيدي والشملاوي يحاولان استدراك الإشكالات الموجودة الآن ورفعها بطرق غير مضمونة، فتارة يتحدث الشملاوي عن إمضاء ولي الأمر وهذا يخرجنا عن موضوع استصدار قانون للأحوال الشخصية من مجلس يحتوي على الكثير من غير المتخصصين، وتارة يتحدث عن هيئة علمائية تجتمع لمناقشة القانون، وأخرى بشأن أن المادة القانونية لا تتغير، وكل ذلك لا يرفع إشكال تعدد الآراء الفقهية والمذهبية وأن القانون سيكون من أي مذهب أو رأي فقهي منها.
نحتاج إلى ضمان
أمّا أن تقول إن القانون سيكون وفقا للشريعة الإسلامية فذلك يحتاج إلى ضمانة بأن تكون المادة القانونية لا تمس لكي لا تعدل.
- الشملاوي: إن دستور البلاد نفسه لم يضمن ذلك، وقد تحدثت عن ذلك على سبيل الافتراض...
- المقداد: إذا ما الضمان؟ ولماذا تفتح لك بابا يجر عليك التلاعب بالأحكام الشرعية؟ وأمّا فيما ذكره الشيخ من أن الشعب فوض ووكـّل النواب بأن يبحثوا في كل القضايا، فهذا كلام غريب إذ من المعروف أن المجالس النيابية هي للخدمات والتشريعات غير المتعلقة بالدين، وهو أيضا مقام عظيم، كما أنني لا أتحدث عن حق المناقشة إذ يمكن للنواب مناقشة القضايا لكن هل يمكنهم إقرار شيء على خلاف شريعة الله؟ فالمجلس التشريعي في الجمهورية الإسلامية بإيران يستطيع مناقشة الكثير من القضايا الشرعية لكنه لا يستطيع إقرارها إلا بإمضاء أهل الاختصاص.
- الصددي: إنني أؤكد أنه حتى مع وجود مسودة للقانون يقرها العلماء نرفض عرضها على المجلس النيابي لإعطائها الصبغة الشرعية، لأن ذلك يفتح المجال ليلغيها في أي وقت آخر، لذلك أؤكد أن المشكلة الرئيسية هي في إدخال القانون ليمضي عليه المجلس النيابي...
- الشملاوي: يمكننا أن نستفتي عليه الشعب لا لكي يعطيه الصفة الشرعية، ولكن لكي يمنع تغييره فيما بعد.
- الصددي: هذا مجرد افتراض، ونحن نتحدث عن شريعة لا يمكن أن يحكم فيها غير أهلها، وأمّا القول بإنشاء لجنة علمائية فيدعونا إلى التساؤل عن من هؤلاء العلماء؟ إن أفضل الحالات ستكون في أنهم من الفقهاء، فهل هؤلاء الفقهاء هم مراجع للشعب أم لا؟
- الشملاوي: إذا أنت تتحدث عن استحالة استصدار القانون بهذه الطريقة؟
- الصددي: نعم، ذلك ليس ممكنا، وإن كنتم تنكرون على العلماء تدخلهم في كل شيء، فهاهم النواب يتدخلون في كل شيء!
(المحميد) هل توافق على أن تكون هناك لجنة علمائية لاستصدار هذا القانون؟
- ياسر المحميد: إنني أنصح من يريد التقنين ومن يرفضه بتقوى الله، فإن قلت بالتقنين فلا بد من صوغ الشريعة صياغة علمية موزونة تفي بالنصوص الشرعية وتصلح الشعب ويصوغها أهل العلم، ثمّ تعاد إلى البرلمان أو فلا أختلف بشأن ذلك، وأما الذين لا يقولون بالتقنين فجهدهم مبارك إن شاء الله ومع ذلك ينبغي ألا يخفى عليهم أمر مهم وهو أن فتح باب الاجتهاد بمصراعيه للقضاة يفتح بابا للمفسدة، فقد يقع القضاة في أحكام خاطئة.
هل يمكن من ناحية قانونية أن تكون هناك مساحة اجتهادية كما ذكر السعيدي؟
- الشملاوي: إن إطلاق الأمر لاجتهاد القاضي أكثر مفسدة من تقنين الأحوال الشخصية، لأن التقنين سيضيق الدائرة أمام القاضي الذي هو ليس أهلا للاجتهاد، فهو سيتحرك فيما يملي عليه النص وستكون عليه رقابة من المحكمة العليا.
(المقداد) الآن هل ترى وجود صيغة يمكن من خلالها استصدار قانون للأحوال الشخصية أم أنكم ترفضون ذلك إطلاقا؟
- المقداد: إن الأمر ليس محصورا في هذا الأمر الخطير، بل هناك بدائل عدة لحل المشكلة، فليس صحيحا ترك مزاجية وانتقائية ومنافع القاضي مبسوطة اليد بل لابد من الحد منها.
إنني أجد أن المشكلة ليست في عدم وجود تقنين للأحوال الشخصية فالمذاهب الإسلامية واضحة وكل يرجع إلى مذهبه، إلا أن المشكلة هي أننا نجد ضعفا في الحال التقوائية والأمانة وقلة الكفاءة في الكثير من القضاة، وينبغي أن تبنى مسألة تعيين القضاة على الأمانة والتقوى والكفاءة.
لكن الكثير من العلماء يرفضون الدخول في سلك القضاء، وأنتم شخصيا لو طرح عليكم منصب القضاء هل ستوافقون؟
- المقداد: أقول وبكل صراحة، لاشك أنه حين يعترض أحد على شيء فلابد له من إيجاد البديل وإذا ما دعي إلى الأمر فعليه الموافقة، إلا أن المشكلة تبقى في ظل كون مهنة القضاء مهنة خطيرة جدا وسط محاذير كثيرة منها ألا يكون القاضي تبعا لجهة ما أو يمثل حاشية لها وما شابه من هذه المحاذير التي إذا ما ارتفعت فسيدخل السلك القضائي علماء آخرون
العدد 260 - الجمعة 23 مايو 2003م الموافق 21 ربيع الاول 1424هـ