رأى المرجع الديني آية الله السيد محمد حسين فضل الله، أن العقل هو السيد الذي يقود الإنسان، وهو الذي يحدد له مسيرته وحركته وعلمه، وعلى الإنسان، ذكرا أو أنثى، أن يبني عقله بالتأمل والتدبر والتفكير والقراءة والتجربة والممارسة وسلوك الأفعال لا الأقوال، حتى إذا دخل في عالم الفكر انطلق ليصنع فكر الحياة وفكر الحق.
وقال فضل الله، في حفل الإفطار النسائي الذي أقامته جمعية المبرات الخيرية في مبرة السيدة خديجة الكبرى: إذا لم يبنِ الإنسان عقله وينميه، فإن العقل يتجمد، وبجماد العقل تتجمد الحياة حول الإنسان والمجتمع إلى ذلك. وواصل:
ولذلك، لا بد للناس من أن يكونوا المستقلين في عقولهم، ليعقلوا ويفكروا بأنفسهم، لأننا نعيش في عالم ينطلق بالأمية الثقافية والفكر التقليدي، حتى اننا نسقط أمام إرث الفكر، وذلك من خلال التبعية العمياء لما وجدنا عليه آباءنا في السياسة والدين والاقتصاد والاجتماع، وقد حدثنا الله تعالى عن تبعية الأجيال السالفة لآبائهم، وما آل إليه مصيرهم... وقال: إن عاداتنا الدينية والمذهبية والسياسية والاجتماعية - في كثير من الأحيان - تنطلق من التقليد لا الإبداع، ونحن نعتقد أن الحرية الإنسانية هي الفكر الحر والإرادة الحرة، أي أن تملك حرية فكرك وقولك وفعلك، أما الفكر الساقط أمام التقليد والبيئة والتبعية، فهو ليس بفكر ولا بتصميم أو عزيمة، لأنه يكون على هامش فكر الآخرين، وسطحيا وتقليديا لما يتداوله الآخرون.
واعتبر أنه بالإطلالة على المجتمع الشرقي أو العالم الثالث، نرى - في كثير من النماذج - كيف يصنع الشرقيون زعماءهم وقياداتهم، حتى بتنا ندرك كيفية صناعة الزعامة والقيادة المرتبطة برحم الموروث الإقطاعي الذي لايزال ممتدا حتى اليوم، مع بعض الشكليات و «العَصْرَنة»، فالشرق، عموما، يعمل على قاعدة «مات الزعيم عاشَ الزعيم»، وهي قاعدة تكرس خدمة العصبية للزعامة والقيادة لا الكفاءة...
فالزعامة الدينية والسياسية والحزبية شخصية بامتياز، وإرث متوارث، وتسليط لشخص على الأمة كلها، وهي قضية خطيرة تكاد تسقط الأمة في مهاوي الهلاك... بينما يجب أن تكون القيادة مسئولية، لا فرضا لحزب أو جماعة أو تيار أو تنظيم على الناس وواقعهم وإن المسئولية في إنتاج هكذا زعامات أو قيادات، تقع على عاتق الشعب الذي ينتخب القيادات ويأتي بها ويؤيدها ويقاتل في سبيلها، ويموت لأجلها. ولهذا فإننا، حتى الآن، لم نصنع عالما عربيا متقدما وحضاريا ومنفتحا على قضايا العصر إلى جانب الأمم التي صنعت حضارتها... فنحن نرث في عالمنا العربي ثروات يستهلكها المستعمرون ويعيدون إنتاجها ويفرضونها علينا بشروطهم، ويقايضونها بسلطات الزعامات الذين حولوا الأوطان إلى كرات يتقاذفونها بالأرجل من خلال مصالحهم الشخصية والذاتية. ولهذا، على الشعب أن يرفض هذا الواقع، وأن يكون الصوت لا الصدى لهذه الموجات، وأن يستلهم القوة والفعل والإرادة.
وأردف أن تخلف المرأة هو مشكلة الشرق الأولى التي تجعله ينحدر بشكل مريع إلى مهاوي الجهل والتخلف والضياع... لهذا على المرأة أن تتعلم وتتثقف وتأخذ بأسباب العلم، حتى يكون عقلها صانعا للفكر، ومتحركا بطريقة حضارية ومنفتحة على العصر، ويعيش حوار الفكر الآخر، لأن المرأة إذا أخذت بأسباب العلم، تحملت كل المسئولية عن الإنسان والمجتمع والكون.
وأضاف: لقد كنتُ أقول فيما لايزال بحثا بين الفقهاء، إن المرأة شريكة الرجل في المسئولية والتكليف الشرعي، ولهذا، فإنها إذا ملكت ثقافة الفقه وتميزت بها، فيمكن للناس أن يعودوا إليها بالفتوى، لأن في ذلك رجوعا من الجاهل إلى العالم، ولقد رأينا في الفترة الأخيرة، أن الرئيس الإيراني قد قدم أسماء ثلاث نساء ليكن في موقع الوزارة، ما استدعى نقل المسألة إلى المراجع ليفتوا في توزير المرأة. ورأينا أنه ليس هناك مانع في أن تكون المرأة وزيرة تتحمل المسئولية إذا ملكت الكفاءة التي نرى أحيانا أنها تفوق كفاءة الرجل...
لهذا، نحن نتحدث عن المرأة والرجل في حركة المسئوليات والالتزام بالثوابت الروحية والقيمية، ليكونا في مستوى المسئولية أمام الله تعالى والمجتمع والناس، فالقضية هي كيف نكون في أعلى مستويات العلم وأعمق حركات العقل، حتى نعيش في مجتمع تتكامل فيه المرأة مع الرجل تكاملا يبني الحياة على قاعدة العمل المسئول: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» (التوبة: 105).
العدد 2555 - الخميس 03 سبتمبر 2009م الموافق 13 رمضان 1430هـ