أدى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى خلق حالة من البؤس واليأس في نصف طاجكستان الشرقي الذي عرفت جباله الشاهقة باسم «سقف العالم»، حيث يضطر الأهالي إلى العودة إلى العيش مجددا كبدو رحل.
فقد تحولت طاجكستان، المتاخمة لقرغيزستان وأوزبكستان والصين وأفغانستان والبالغ تعدادها سبعة ملايين نسمة، تحولت بعد استقلالها في العام 1919 من كونها أفقر دول الاتحاد السوفياتي لتصبح الآن أحد أفقر بلدان العالم أجمع.
فقد أنهى هذا الاستقلال نظام المزارع والمناجم وقنوات الري وشبكات النقل ومحطات توليد الكهرباء التي كانت كلها تابعة للدولة، ما يرغم الأهالي على العودة إلى حياة الترحل.
ويهلل بعض المحللين الغربيين لعودة أهالي طاجكستان إلى ما يسمونه «التقاليد العريقة»، لكن الغالبية ترى مرحلة التأقلم الحالية على اقتصادات الأسواق من زاوية مختلفة تماما.
فيقول عالم اللغات المتقاعد، تيمو بك، الذي يعمل الآن في تربية الماشية، في حديث مع وكالة «انتر بريس سيرفس»: «ما كنت لأعيش هنا لولا الحاجة. ثم إن الترحل كان في الماضي خيارا لجماعات من الأهالي، أما الآن فقد أصبح ضرورة مفروضة عليهم».
ونصب تيمو بك خيمته المصنوعة من نسيج الصوف والمزينة في داخلها بالكليم والسجاد، في أرض ترتفع 4,100 متر عن سطح البحر، وسط واحدة من المناطق القليلة المغطاة بالأعشاب في جبال باميرز الشاهقة.
وتمتد سلسلة جبال بايمرز في غالبيتها على طول محافظة غومو باداخسان التي تأوي مجرد 3 في المئة من سكان البلاد، أي نحو 210,000 نسمة، وإن كانت تمثل نحو نصف مساحة طاجكستان بأكملها. وتعتبر ضمن أكثر جبال العالم ارتفاعا، بما يتراوح بين 3000 و7,500 متر.
وتقاسي المنطقة من أحوال مناخية شديدة التطرف، تجعل منها أقل أراضي العالم كثافة سكانية. وفي القرن الثالث عشر كتب عنها الرحالة ماركو بولو: «لا يوجد فيها شيء سوى صحراء دون من يسكنها أو أي شيء أخضر» حتى «انك لا ترى طيرا واحدا يطير».
كما عرفت المنطقة منذ القرن التاسع عشر باسم «سقف العالم»، وكانت معبرا لقوافل التجار فيما عرف بـ «طريق الحرير»، ثم للجواسيس خلال فترة التنافس الجيو-سياسي بين الامبراطورتين الروسية والبريطانية.
ومازال الطريق السريع الذي بناه الجيش السوفياتي في بداية الثلاثينيات، هو أعلى طريق في العالم بل والوحيد الذي يعبر سلسلة جبال باميرز. والآن، يعاني الطريق من سوء الصيانة، ويستخدم أساسا لتهريب الأفيون من الجارة أفغانستان، فيما أطلق على هذا الشطر من طريق الحرير، تسمية طريق الأفيون.
يشرح عزيز، المزارع وشبه الرحل بحسب الموسم، للوكالة، أنه «في عهد السوفيات، كانت المحلات مليئة بكل أنواع الطعام، وكان الوقود رخيصا، والحافلات والطرق في حالة جيدة».
ويستطرد عزيز، بينما تشغل زوجته آلة بدائية لصنع الزبد واللبن من حليب الياك، «هذا ليس معناه أننا كنا نحب ستالين، لكن الحقيقة هي أننا كلنا نشعر بالحنين لأيام الاتحاد السوفياتي». ويضيف عزيز المسلم السني «صحيح أننا لم نستطع أن نمارس ديننا، لكن الطعام والعمل وغيرهما كانوا متوافرين».
وبالإضافة إلى الطاجيكيين، المقريبين عرقيا من الإيرانيين والذين يمثلون 80 في المئة من تعداد البلاد، هناك جماعات الباميرزيين الذي يتحدثون بضع لغات ولهجات متصلة باللغة الفارسية شأنهم في هذا شأن الطاجيكيين، ثم جماعات القرغيزيين الذي توافدوا عليها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والذين يتحدثون التركية.
ويعيش الأهالي هنا على بيع الماشية ومنتجات الألبان، وزراعة بعض البساتين المنزلية، ثم على المساعدات الإنسانية التي أنقذت المنطقة من المجاعة بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرض عليها أثناء الحرب الأهلية.
فقد أشهر الباميرزيون من محافظة غومو باداخسان محافظة غومو باداخسان، الاستقلال عن طاجكستان في العام 1992، ما أشعل فتيل الحرب الأهلية التي راح ضحيتها 100,000 شخصا حتي نهايتها في العام 1997.
ومنذ ذلك الحين، مارست السلطات الطاجيكية المركزية سياسة التشدد والقسوة تجاه المحافظة، على رغم أن أهاليها يعيشون على دولار واحد في اليوم في المتوسط.
ومن الجدير بالذكر أن الفقر يؤثر على التعليم أيضا، حيث يحرم العديد من الأطفال من الالتحاق بالمدارس نظرا إلى عجز أولياء الأمور عن دفع الرسوم وشراء المواد الدراسية.
كذلك، يعاني الأهالي من قلة الوقود، ويضطرون إلى البحث عن الحطب النادر، للطبخ والتدفئة، إذ تهبط درجات الحرارة في الشتاء إلى 50 درجة تحت الصفر، ما يساعد علي تفاقم ظاهرة التصحر.
العدد 2555 - الخميس 03 سبتمبر 2009م الموافق 13 رمضان 1430هـ