العدد 2556 - الجمعة 04 سبتمبر 2009م الموافق 14 رمضان 1430هـ

الصين مقبرة النفايات الإلكترونية

إدوارد إيكلبرغال تنقل مرهق في بيجينغ، خصوصا للذين لم يعتادوا الحشود الكبيرة. محطات المترو ومواقف الحافلات والممرات الموصلة إليها تفيض بالناس المتنقلين في أنحاء العاصمة الصينية. لكن هذه الجموع تكاد لا تترك أثرا في الشوارع النظيفة بشكل لافت، مقارنة بسمعة بيجينغ في العالم الموصومة بالوساخة، فهي خالية من القمامة المتناثرة.

والسبب ليس أن سكانها هم أكثر وعيا بيئيا، وإنما وجود جهاز رسمي فعال جدا لجمع النفايات، صمد بفضل وفرة اليد العاملة الرخيصة. ويعاون هذا الجهاز ألوف من الجامعين «غير الرسميين»، معظمهم رجال مسنّون يجوبون الشوارع على دراجات ثلاثية العجلات بحثا عن نفايات تصلح للتدوير. فيجمعون كل ما تقع عليه أيديهم، من علب المرطبات الفارغة إلى الصحف اليومية، وينقلونها إلى نقاط تجميع حيث يقايضونها بحفنة نقود.

ولكن ثمة أهمية خاصة لجمع النفايات الإلكترونية، التي تدر مدفوعات أعلى لاحتوائها على مواد ثمينة مثل الذهب والنحاس. إلا أن تدويرها ينطوي على تحديات، لأن الأجزاء المختلفة للأجهزة الإلكترونية تحوي تشكيلة من المواد السامة كالرصاص والزئبق. وعندما يعاد تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة غير مأمونة، فقد تلحق أضرارا بالغة بالبيئة وصحة الإنسان. والمؤسف أن التدوير المأمون لهذه النفايات هو أكثر كلفة، مما أدى إلى ازدهار صناعة تدوير غير مشروعة لا تكترث بالمعايير البيئية.


تصدير الأذى

غويو بلدة صغيرة في إقليم غوانغدونغ الشرقي، اكتسبت سمعة عالمية سيئة بصفتها أكبر مركز على الأرض لتدوير النفايات الإلكترونية بشكل غير مشروع. وقد تم توثيق الظروف المقلقة لهذا التدوير في غويو للمرة الأولى العام 2001 في تقرير وفيلم وثائقي بعنوان «تصدير الأذى»، أنتجتهما شبكة عمل بازل (BAN) وهي منظمة تعنى بتجارة المواد السامة. ونشرت جامعة شانتو المجاورة للبلدة مجموعة من التقارير تشير إلى محتوى رصاصي عال في دماء المواليد الجدد في غويو، وارتفاع معدلات الإجهاض، ووجود ديوكسينات مسببة للسرطان في الهواء.

قد يبدو للوهلة الأولى أن المجتمع الصيني والسلطات الصينية مسئولة عن فوضى النفايات الإلكترونية، لكن الوضع هو أكثر تعقيدا. والواقع أن عدة عوامل مهمة تدحض فكرة أن الملامة كلها تقع على الصين.

أولا، الصين تتفوق على كثير من الدول المتقدمة بنظامها الفعال - وإنما غير الرسمي - لجمع النفايات، وبكثافة إعادة استعمال المواد. النفايات الإلكترونية في البلدان الغربية غالبا ما تنتهي في المطامر، ما يشكل ضغطا على البيئة لاحتمال ارتشاح السوائل السامة وازدياد استخراج المواد الأولية. وتفيد إحصاءات وكالة حماية البيئة الأميركية أن 18 في المئة فقط من أجهزة التلفزيون والكمبيوتر المهملة العام 2007 في الولايات المتحدة تم جمعها لإعادة تدويرها. وكانت النسبة أقل للهواتف الخلوية إذ لم تتجاوز 10 في المئة.

ثانيا، تصدت السلطات الصينية لمشكلة النفايات الإلكترونية بانشاء مرافق تدوير وإقامة نقاط تجميع رسمية. لكن هذه المبادرات لم تحقق نجاحا كبيرا. وقد أفاد مدير المكتب الرسمي لجمع النفايات الإلكترونية في منطقة هايديان، وهي أهم مركز لشراء السلع الإلكترونية في بيجينغ، بأن مرافق التدوير الرسمية تعمل أقل من قدرتها بكثير. فهذا المكتب، على سبيل المثال، يجمع فقط نحو ألف جهاز كومبيوتر سنويا، معظمها من مدارس ومؤسسات رسمية. ويظهر تباين حاد في منطقة باجيا كون، المحطة الأولى لقطاع التدوير غير الرسمي في بيجينغ. منطقة الأكواخ هذه هي بمثابة مدينة نفايات مفعمة بالنشاط، فهناك حي الكرتون، وميدان القناني البلاستيكية، وزقاق أجهزة التلفزيون، وساحة شاشات الكومبيوتر. إن وجود صناعة تدوير غير رسمية حسنة التنظيم يقوّض جهود السلطات الصينية، التي لا يمكنها تقديم أسعار تنافسية للنفايات الإلكترونية بسبب ارتفاع كلف التدوير المأمون.

ثالثا، والأكثر دلالة، أن الجزء الأكبر من النفايات الإلكترونية يأتي من خارج الصين، على رغم حظر استيرادها منذ العام 2000. فالمخلفات الإلكترونية هي المصدر الأسرع نموا للنفايات في البلدان المتقدمة، والنزعة إلى حياة أقصر للمنتجات الإلكترونية لا تبشر بأي تحسن. وحين لا تنتهي النفايات الإلكترونية في المطامر، تميل البلدان الغربية لتصديرها إلى البلدان النامية، حيث يتم تفكيكها بنفقات زهيدة مع اهتمام لا يذكر بالبيئة وصحة الإنسان. وقدر تقرير صدر العام 2002 عن شبكة عمل بازل والتحالف ضد السموم في سيليكون فالي بولاية كاليفورنيا الأميركية أن 80 في المئة من نفايات التكنولوجيا المتقدمة في العالم تصدر إلى آسيا، يذهب 90 في المئة منها إلى الصين. وهذه الكميات الكبيرة غير المشروعة تعزز ازدهار قطاع التدوير غير الرسمي وتشكل تحديات رئيسية للسطات الصينية.

طبعا، بالإضافة إلى هذه العوامل، هناك بعض العيوب في طريقة تعامل الصينيين مع النفايات الإلكترونية. فتطبيق القانون مشكلة رئيسية للسلطة المركزية، والفساد ما زال مستشريا على نطاق واسع. وتشير مصادر مختلفة إلى عرف يقضي بإلصاق أوراق نقدية من فئة 100 دولار داخل مؤخرة مستوعبات الشحن المملوءة بالنفايات الإلكترونية لرشوة عناصر الجمارك الصينيين.


تدوير مسئول؟

على رغم البعد العالمي للمشكلة، فإن المجتمع الدولي ما زال متقاعسا. والاتفاقية الدولية الأكثر مقاربة لتنظيم النفايات الإلكترونية هي اتفاقية بازل، التي يديرها برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمختصة بحركة النفايات الخطرة ونفايات أخرى عبر الحدود. ولكن ينقص هذه الاتفاقية تفويض بالتصدي الجدي والحازم لمشكلة النفايات الإلكترونية. وثمة التباس بشأن ما إذا كانت هذه النفايات مشمولة في اتفاقية بازل أم لا، وهذا ناتج جزئيا من عدم وجود تعريف متفق عليه دوليا للنفايات الإلكترونية.

إضافة إلى ذلك، فإن المنتج الأكبر للنفايات الإلكترونية، أي الولايات المتحدة، لم يصادق على اتفاقية بازل، ما يجعلها ضعيفة النفوذ. وكبديل من ذلك، وضعت الولايات المتحدة مجموعة خطوط توجيهية ونظام ترخيص لحث مدوِّري الإلكترونيات على ممارسات التدوير المسئول. وبموجب هذه الممارسات، يخضع مدوِّر الالكترونيات في الصين للأنظمة الأميركية، وعليه أن يتقيد بمعاييرها للحصول على ترخيص بأنه مدور مسئول.

ومع أن الخطوط التوجيهية للتدوير المسئول هي حتى الآن طوعية، فهناك ضغط على شركات التدوير، باعتبار أن الشركات التي تحوز رخصة التدوير المسئول تتفوق على منافساتها من حيث السمعة في قطاع الأعمال. ولكن هل يشكل ذلك قوة دفع كافية تغني عن سن القوانين؟ ذلك مرهون إلى حد كبير بسلوك منتج الإلكترونيات، وفي النهاية بسلوك المستهلك. فعندما يهتم المستهلكون بمنتج إلكتروني «أخضر»، يحذو المنتجون حذوهم ويصنعون منتجات تحوي كمية أقل من المواد السامة، ويسهل تدويرها، وتستعمل فيها مواد أعيد تدويرها بطريقة مسئولة.

عندها تكون الغلبة لنظم التسويق والتقييم البيئي للمنتجات الإلكترونية. ففي العام 1992، استحدثت الحكومة الأميركية برنامج «نجمة الطاقة» الذي بات الآن مقياسا دوليا للمنتجات الإلكترونية المقتصدة بالطاقة. وطورت برنامجا مماثلا يدعى«أداة التقييم البيئي للمنتجات الإلكترونية» يستخدم مقاربة أكثر شمولية «من المهد إلى اللحد»ويقيِّم ما مجموعه 23 معيارا بيئيا لترخيص المنتجات الإلكترونية. وهو يضم معايير مكثفة لـ «نهاية الحياة»، لكنه لا يتمتع حتى الآن بميزات التسويق والقبول التي يتميز بها برنامج «نجمة الطاقة». والعالم ما زال يفتقر إلى برنامج دولي لتقييم البيئي يشمل تقييم النفايات الإلكترونية وكامل دورة حياة المنتجات الإلكترونية.

العدد 2556 - الجمعة 04 سبتمبر 2009م الموافق 14 رمضان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً