منذ أن تخبر زميلك النجفي بأنك عازمٌ على زيارة بغداد، يصمت قليلا، ثم يحذّرك ليضعك في الصورة، ثم يترك لك القرار الذهاب، متمنيا لك السلامة وخوض التجربة بنفسك، فليس من رأى كمن سمع، فبغداد عاصمةٌ تستحق المغامرة على كل حال.
في الطريق من كربلاء أو النجف، لا تخطئ العين المظاهر العسكرية المنتشرة فى الشوارع وعلى مفترق الطرقات. حواجز، ونقاط سيطرة، وسيارات شرطة ومدرّعات، فالبلد الذي تسلمت قواته مؤخرا مسئوليته الأمنية مازال يعاني من خروقات وعمليات إرهابية تودي بحياة المدنيين والأبرياء.
توقفت السيارة عند إحدى القرى، نصح المرافق بعدم النزول، لكن الركاب تسللوا واحدا بعد آخر بالنزول، فبعضهم أغراه الشاي العراقي المتميز بالسكر الزائد كالدبس، وبعضهم أخذ يتفرّج على طريقة إعداد الخبز في فرن حديد يراه لأول مرة، وبعضهم أغرته مناظر السوق البسيطة بالتصوير.
لما عاد الجميع إلى السيارة حذّرهم المرافق مما حصل، فقد كان ممكنا أن يرصد سيارة المسافرين أحد الإرهابيين فيلصق عبوة ناسفة بالسيارة على حين غفلة من أهلها، كما حدث كثيرا في حالات مشابهة. ولم ينسَ أن يزوّدهم بغلةٍ من المنتجات الزراعية الطازجة، من تين وخوخ وغوج وعنب.
كان الوقت ضيقا، فلم يتمكن الوفد من زيارة عددٍ من الأماكن والمساجد التاريخية، فاقتصر على الكاظمية، التي وصلناها ضحى، عبر طرق جانبية ضيقة، بالكاد تعبر منها السيارة. وقبل بضع مئات من الأمتار، عليك أن تترجل لتصل إلى مرقد الإمام الكاظم حفيد الرسول الأعظم (ص) سجين بغداد.
حوانيت صغيرة، تباع فيها الحاجيات اليومية من أطعمة وفواكه وما يحتاجه أيُّ مجتمع قروي صغير يعيش على أطراف العاصمة. وربما تُلفتُ نظرك دكاكين للحجامة، يجتمع على أبوابها أعداد من الناس. إلى جانب مطاعم صغيرة متواضعة جدا، تبيع الوجبات الشعبية الرخيصة.
بعد الزيارة، تأخذك السيارة في جولة في أنحاء بغداد. عاصمةٌ يبدو على محياها التعب والإنهاك. لا شوارعها ولا محلاتها التجارية تليق بعاصمةٍ إقليميةٍ كبيرة. عليك فقط أن تنظر من نافذة السيارة لترصد بنفسك المباني المدمرة أو التي لعب بها إطلاق القذائف والرصاص. مررنا بعدد من الوزارات والفنادق كفندق فلسطين الشهير. قطعنا عددا من الشوارع والميادين الرئيسية، حيث كانت تنتصب تماثيل الرئيس السابق، وهنا ساحة الفردوس التي شهدت اللقطة الأخيرة لإسقاط التمثال مع دخول الأميركي العاصمة دون قتال.
عند وقت صلاة الظهر، نزل الركب في مسجد للسيد إدريس، أحد أحفاد الكاظم. كان الجو حارا، وتحتاج إلى شرب الماء باستمرار. بعد الصلاة، بحث القوم عن مطعم للغداء. أخذنا السائق النجفي إلى بعض الأماكن التي كان يعرفها، لكن تبيّن أن الديار غير الديار، فتحول إلى أماكن أخرى. اقترح البعض أن يتذوق الجماعة المسقوف»، تلك الوجبة التي يحسن العراقيون تقديمها. سمك كبير يشقه البائع نصفين، ثم ينظفه ويضعه على نار هادئة حتى ينضج في الهواء الطلق.
عليك أن تنتظر أكثر من نصف ساعة، يمدك النادل خلالها بالخبز واللبن، فهذه هي المشهيات العراقية في بلدٍ نفطي أفقرته الدكتاتورية كما أنهكه حكم الاحتلال. على أن الوجبة اللذيذة تستحق كل هذا الانتظار، فأمامك طبقٌ كبيرٌ من لحم السمك الطازج، وربما لم يخطئ من قال إنه من زار العراق ولم يذق المسقوف فكأنه لم يزر العراق!
في أثناء تناول الغذاء، كانت هناك أصوات إطلاق نار، بعدها بقليل مرقت سيارتان مسرعتان محملتان برجال الشرطة. وسمعنا بعد قليل صوت سيارة إسعاف تطلق صوت النفير تقترب منا ثم تغيب عن أنظارنا بعيدا... ربما لتذكّرك بأنك ما زلت في العراق.
العدد 2556 - الجمعة 04 سبتمبر 2009م الموافق 14 رمضان 1430هـ