العدد 2561 - الأربعاء 09 سبتمبر 2009م الموافق 19 رمضان 1430هـ

الوطنية الفلسطينية والقومية العربية

داوود كتّاب - صحافي فلسطيني وأستاذ سابق بمنصب فيرس في الصحافة بجامعة برنستون، والمقال يُنشر بالتعاون 

09 سبتمبر 2009

طالما كانت الوطنية الفلسطينية نعمة ونقمة.

من ناحية، لا يستطيع المرء التقليل من قيمة الدور المهم الذي تلعبه في جمع شمل شعب فلسطين العربي تحت هدف موحد وواضح. ولكن في الوقت الذي تقلل فيه الدول الرئيسية في العالم من دور الوطنية لصالح الإقليمية، تبدو الوطنية شوفينية ذات عقلية ضيقة نتج عنها تضحية العديد من الأجيال بأنفسها باسم هذه الوطنية.

تعود جذور الوطنية الفلسطينية إلى بدايات القرن العشرين، عندما اعتبرت وبشكل واسع شكلا من أشكال القومية العربية. انضم الفلسطينيون الذين كانوا يترنحون من 400 سنة من الحكم العثماني الرجعي، إلى ركب الهدف العربي في التحرر من العثمانيين وتخلفهم. لذا لم يكن من غير الشائع خلال الحرب العالمية الأولى أن يتحالف القوميون العرب مع البريطانيين الذين كانوا يحاربون العثمانيين.

كانوا وقتها يؤمنون بالوعود التي قطعتها الاتصالات المتبادلة بين مكماهون والشريف حسين حول دعم الاستقلال العربي إذا تمت هزيمة العثمانيين. إلا أن البريطانيين قطعوا وعدا سريا بديلا كذلك للجالية اليهودية، سُمّي فيما بعد بوعد بلفور، يساند إنشاء دولة يهودية في فلسطين.

لم يفعل اكتشاف هذه الوعود المتناقضة، مضافا إليها اتفاقية سايكس بيكو في العام 1916، والتي قسّمت الشرق الأوسط إلى مناطق تأثير بين فرنسا وبريطانيا العظمى، سوى القليل لإثباط القومية العربية. لم يكن التركيز على القومية العربية واضحا في أي مكان مثلما كان في فلسطين. وقد كان شعار «فلسطين عربية» هو الشعار الذي تكرّر بصورة أوسع وهتف به القوميون العرب في جميع أرجاء المنطقة.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين، عبّر العرب المقيمون في فلسطين عن قوميتهم من خلال معارضة الهجرة اليهودية وبيع الأراضي العربية إلى الوكالة اليهودية (التي كان مبدأها الذي لا تراجُع عنه الحصول على أراضٍ في فلسطين لليهود). لذا أصبحت القومية الفلسطينية تناصر الفلاحين وتعارض أصحاب الأراضي، وتم استبدال الطربوش، وهو غطاء رأس أصحاب الأراضي بكوفية الفلاحين.

وفي العام 1948، أتت النكبة الفلسطينية بمجموعة جديدة من الصور. أصبحت خيمة اللاجئ، وبعدها المفتاح الذي يرمز إلى حق العودة، أبرز رموز القومية الفلسطينية.

إلا أنه بسبب توجه الفلسطينيين نحو العالم العربي لإيجاد خلاصهم، بقيت القومية العربية أقوى بين الفلسطينيين من مجرّد شكل محلي من القومية الفلسطينية. وقد تغير ذلك كله بعد العام 1967. أدخلت خسارة بقية فلسطين والظهور السريع لمنظمة التحرير الفلسطينية وكفاحها المسلح قومية محدودة أكثر رفضت تصوير الفلسطينيين بالضحية لصالح كبرياء الفدائيين واعتزازهم. حصل الكفاح المسلح على دفعة قوية بعد معركة في قرية الكرامة الأردنية على الضفة الشرقية من نهر الأردن، حين دَحَر الجنود الأردنيون ومقاتلو فتح تغلغلا إسرائيليا.

رغم أن الكفاح المسلّح في سبعينيات القرن الماضي كان سبب وجود منظمة التحرير الفلسطينية، واجهت القومية الفلسطينية داخل المناطق المحتلة تحديا أساسيا أكبر. ساعدت محاولات الإسرائيليين إنكار وجود القومية الفلسطينية، وأشهرها ما عبرت عنه رئيسة الوزراء السابقة غولدا مئير التي تساءلت بشأن وجود الفلسطينيين كمجموعة قومية، على ظهور حملة على مستوى الجذور لإعادة إحياء الرموز الوطنية وإعطائها صوتا يعبر عنها من خلال الموسيقى والفنون المرئية والمسرح.

وفي ثمانينيات القرن الماضي جرى التعبير عن القومية الفلسطينية عبر حركات على مستوى الجذور واتحادات الطلبة والمجالس البلدية الوطنية واللجان الطبية إضافة إلى الكليات والجامعات الخاصة. رفضت هذه المجموعات التي كانت مسئولة عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى، الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة وشجعت في الوقت نفسه منظمة التحرير الفلسطينية على الاعتراف بـ «إسرائيل» ضمن حل الدولتين.

ساعد فشل الانتفاضة في تحقيق الدولة المرجوّة على ظهور قطاع في المجتمع الفلسطيني، الذي دعمته «إسرائيل» في البداية بسبب طرحه المعادي لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان ينادي بالعقيدة الإسلامية الدينية بدلا من طراز القومية الفلسطينية العلمانية الذي تدعو إليه المنظمة.

ورغم أن العقيدة الإسلامية وأهداف الوطنيين الفلسطينيين تشترك في الكثير من الأمور، إلا أنها اختلفت بشكل مثير حول طبيعة النزاع مع «إسرائيل» وحول تحديد نوع الدولة التي يتوجب على الفلسطينيين أن يرنوا إليها. ففي الوقت الذي يؤمن فيه العلمانيون بدولة شمولية يمكن للأيديولوجيات المختلفة أن تتواجد فيها، قنع الإسلاميون باستخدام آليات ديمقراطية للوصول إلى السلطة ليحرموا الآخرين من الاستمرار في الوجود تحت عقيدتهم القسرية.

شهد القرن الحادي والعشرون تراجعا رئيسيا في القومية العربية. أصيبت الحركات العربية الرئيسية بالخزي أو ثبت عدم فعاليتها. تسببت الطوائف الشخصية الفردية والدكتاتوريات بردة الفعل هذه، بغض النظر عما إذا كانت مصر جمال عبدالناصر أو سورية نظام الأسد أو بعثيو صدام حسين، لم تتمكن أية عقيدة قومية عربية من البقاء. ويجري حاليا استبدال العروبة بتوجّه أكثر فردية تضع كل دولة نفسها فيه أولا.

يشعر الكثير من العرب أن تراجع القومية العربية مفيد من حيث إنه حَجّم توقعات الوطنية الفلسطينية وفرض على القادة الفلسطينيين التفاوض حسب مواقف أكثر اعتدالا. من ناحية أخرى أضرّت خسارة القومية العربية بالتطلعات الفلسطينية لدرجة أنها تركتها مكشوفة أمام الهجمات الإسرائيلية وغياب أي دعم عالمي جاد. لم يعد المجتمع الدولي في نظر هذه المجموعة معرضا لردع السلطة العسكرية أو الاقتصادية القومية العربية، الأمر الذي وفر للقادة العالميين خيار تقديم دعم شفوي فقط للقضية الفلسطينية وعملية سلام بدلا من التوصل إلى سلام حقيقي.

العدد 2561 - الأربعاء 09 سبتمبر 2009م الموافق 19 رمضان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً