في مكتبه في الطابق الأسفل الذي لا يبعث على البهجة الكائن في واحدة من المناطق المترفة في العاصمة السورية (دمشق) يتصفح خالد عبدالمجيد قصاصة من الورق. يقول الفلسطيني «إنها خطة لتقسيم الضفة الغربية. الأميركيون يناقشونها مع الإسرائيليين الان».
وعبدالمجيد هو الامين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني وهي جماعة يسارية متشددة منشقة تحظى بدعم الدولة السورية. إنه واحد من قادة فلسطينيين كثيرين يعيشون في الخارج في المنفي بعيدا عن رفاقهم، لكنه متحرر من الضغوط الاسرائيلية.
وهو كزعيم لمجموعة صغيرة مثل هذه لا يملك سوى تأثير محدود على الحياة السياسية الفلسطينية والمفاوضات الجارية لإطلاق سراح الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط الذي أسرته «حركة حماس» قبل ثلاث سنوات في قطاع غزة. وفي المنفي لا يسمع عبدالمجيد سوى القليل عن الحياة اليومية في الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل «إسرائيل».
الامر نفسه ينسحب على زعيم «حماس» خالد مشعل، الذي يعيش في سورية. لقد أبلغ مؤخرا ضيوفا في فرح ابنته الذي اقيم بسورية أن الفلسطينيين سينتصرون في خاتمة المطاف في الصراع ضد «إسرائيل» لأن الفلسطينيين لديهم أطفال اكثر من الاسرائيليين. وقد دفن اباه مطلع الاسبوع في الاردن المجاورة.
لكن على رغم أنه بعيد جدا وبالتناقض مع عبدالمجيد فإن كلماته تحمل في الغالب ثقلا عن كلمات نظرائه في قطاع غزة.
وكلاهما مجرد صوتين من الاصوات العديدة التي تسهم في المفاوضات التي يبدو أنه لا نهاية لها لمحادثات السلام الفلسطينية الداخلية.
وفي المفاوضات ذات الاهمية الكبرى التي تجري بوساطة مصرية بين «حماس» ومنافستها «فتح» بقيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أثار مشعل على ما يبدو اعتراضات أو قدم مطالب اخرت المصالحة.
لكن المتحدث باسم «حماس»، أسامة حمدان، الذي يتنقل بين بيروت ودمشق، يراها بشكل مختلف، ويقول «في كل مرة نتقدم بمقترحات نصطدم بفتح وهي تقول إن الأميركيين والإسرائيليين لن يقبلوا بها».
وقد انتقدت الجامعة العربية شجار الفصائل الفلسطينية خلال جميع الاجتماعات التي عقدت على مدى العامين الماضيين. ويشكو الدبلوماسيون العرب من أن صراع السلطة الفلسطيني لن يخدم أحدا سوى «إسرائيل».
لكن تبدو توسلاتهم بلا تأثير قوي. فليس المستوطنات اليهودية والحوائط الاسرائيلية وحدها التي تقسم الأراضي الفلسطينية بل أيضا المنافسة بين الفلسطينيين أنفسهم. ومن أحدث فصول هذا النزاع تلك المعركة التي دارت في قطاع غزة بين شرطة «حماس» وأفراد من جماعة قريبة من «القاعدة».
ونكاد لا نرى أحدا يعتقد في خاتمة سريعة لمحادثات المصالحة بين «حماس» و «فتح» في القاهرة التي تركز منذ شهور على تشكيل حكومة وحدة.
وقال دبلوماسي غربي «يبدو الامر كما لو أن السياسيين من الجانبين تصالحوا مع فكرة أن تسيطر حماس على قطاع غزة وفتح تسيطر على الضفة الغربية حتى لو أن احدا لا يريد أن يقولها علانية».
وقد فاقمت قوى اقليمية مختلفة من صعوبة الحوار ووفرت الدعم للاطراف المتنافسة. ويمكن للرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي فقد شعبيته بين العديد من الفلسطينيين بسبب فضائح الفساد، أن يعتمد على مساندة الأردن والرئيس المصري حسني مبارك. وتحظى «حماس» بتأييد سورية وإيران وحزب الله اللبناني.
ورسمت المفاوضات الخاصة بإطلاق سراح شاليط مساحة العداء بين الفصائل الفلسطينية المختلفة. فـ «حماس»، التي تريد اطلاق سراح مئات المسجونين الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية مقابل شاليط تزعم أن اتفاقا أوشك على الانتهاء في وقت سابق من الصيف الماضي. لكن عباس طلب من «إسرئيل» تأجيله بحسب «حماس».
وقال حمدان: «أولا هو لم يرد أن يعزى لحماس الفضل في الوصول إلى هذا الاتفاق. ثانيا لم يرد عباس أن يطلق سراح السياسي الفتحاوي مروان البرغوثي قبل الانتخابات الخاصة باختيار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي يرأسها عباس». وأضاف «البرغوثي قد يصبح منافسا له وهو يتمتع بشخصية كاريزمية أكبر منه».
هذه الرؤية للأحداث تنفيها رام الله بالضفة الغربية حيث مقر «فتح» ومنظمة التحرير الفلسطينية، كما أن الاسرائيلييين لم يؤكدوها. وحكومة نتنياهو تناقش ما إذا كانت ستطلق سراح البرغوثي الذي انتخب غيابيا عضوا باللجنة المركزية دون إدراجه في اتفاق شاليط.
العدد 2562 - الخميس 10 سبتمبر 2009م الموافق 20 رمضان 1430هـ