أكد المرجع الديني آية الله السيد محمد حسين فضل الله، أهمية يوم القدس الذي يصادف اليوم (الجمعة) كرمز للقضية الفلسطينية، مشددا على الاستفادة من المناسبة في شكلها الاحتفالي المجرد إلى أفقها التوجيهي والتثقيفي، وإعطاء القضية زخمها الأقصى كمقدمة لتغيير الواقع، مشددا على ألا تقتصر احتفالية يوم القدس على لونٍ واحد.
وأشاد فضل الله بالشعب الفلسطيني، مؤكدا أن الفلسطينيين استطاعوا عبر الزمن إعطاء النموذج الفذ في الصمود في وجه كل محاولات الإلغاء، مشددا على أن الإنسان لا يمكن أن يلغى أو يشطب من دائرة الفعل في الحياة إلا عندما يلغي هو نفسه.
جاء ذلك في حوار صحافي معه لمناسبة يوم القدس العالمي حصلت «الوسط» على نسخة منه، وجاء فيه، أن «رمزية القدس للقضية الفلسطينية تتحرك في إطار المفاهيم التي تتصل بعزة الأمة وكرامتها وإيمانها بحقها الثابت أمام كل محاولات القهر والعدوان واللعب على عامل الزمن؛ ومن هنا فنعتقد أن الأمة - ولو من خلال شعوبها وجهاتها الفاعلة - لاتزال تنطلق من هذا المنطلق وتتحرك في هذا الإطار، ولذلك فلاتزال القدس بالنسبة إليها تمثل القضية والرمز الذي لا يُمكن التنازل عنه في حالٍ من الأحوال؛ لأنه يمثل تنازلا عن الذات وحضورها الفاعل».
وأكد، في هذا المجال، مركزية الدور الذي يلعبه الفلسطينيون الذين يمثلون الشعب اللصيق بهذه القضية، وهو في نحو من الأنحاء مؤتمن عليها، مهما تكالبت عليه الأمم المستكبرة وحاولت إخضاعه من خلال اليأس من الواقع، والمؤمن لا ييأس؛ لأنه ينظر بعين الله، تماما كما تحدث الله على لسان يعقوب (ع): «ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» (يوسف: 87). وفي كل الأحوال، فإن الفلسطينيين استطاعوا عبر الزمن إعطاء النموذج الفذ في الصمود في وجه كل محاولات الإلغاء، وأثبتوا أنهم متى تشبثوا بحقهم من خلال التمسك بحبل الله المتين فإن أي قوة في العالم لن تستطيع أن تلغيهم أو تسحق إرادتهم.
وقال إن الإنسان لا يُمكن أن يلغى أو يشطب من دائرة الفعل في الحياة إلا عندما يلغي هو نفسه، ومتى بقيت إرادة الحياة موجودة فالقضية تتحول عندئذ إلى جذوة متوقدة في مدى الزمن ومع تعاقب الأجيال.
وردا على سؤال بشأن الموقف الإسلامي الشرعي من تهويد فلسطين، أجاب فضل الله: لقد أصدرنا بيانا أكدنا فيه أنه لا يملك أحد في هذا العالم شرعية أن يتنازل عن أي شبر من فلسطين كل فلسطين، فضلا عن القدس التي تمثل العمق في الوجدان والتاريخ الإسلامي، ورمزا أساسيا للقضية... كما أصدرنا فتوى حرمنا فيها أي حالة من حالات التطبيع مهما كانت النتائج المترتبة على حركة الأنظمة العربية السياسية؛ لأن الإنسان المسلم لا يمكنه أن يشرع الغصب والاحتلال والظلم والعدوان، ولا يمكنه أن يسالم من هو في وجوده يمارس الاعتداء عليه وعلى الأمة، في حاضرها ومستقبلها.
وعن الفخ الذي نصب للعرب في معادلة تجميد الاستيطان مقابل التطبيع، أجاب: للأسف وضع كثير من الأنظمة العربية اليوم كقول ذلك الشاعر: من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميّت إيلام، ولكننا نقول إن المسألة بيد الشعوب؛ لأنه مهما تحركت الأنظمة في العملية السياسية المذلة، فإن الشعوب هي التي تملك الاستمرارية عبر الزمن، وبإمكانها إفشال أي محاولات جديدة لإدخال الأمة في مزيد من الذل والموت الحضاري والتاريخي. وليس من خيار أمام الشعوب إلا مقاومة كل ذلك بشتى الوسائل، وفي كل الميادين، والاستمرار في عملية صناعة القوة في سبيل التغيير في المستقبل إن لم يسعْهُ الحاضر.
وعن خطورة أن يبقى يوم القدس مجرد مناسبة احتفالية، أجاب: لقد كنا نؤكد دائما أن يوم القدس لابد أن يبقى يمثل الرمز للقضية، وإن هذه الرمزية هي بيد الناس أنفسهم؛ لأن الوعي هو الذي يُخرج أي مناسبة احتفالية من شكلها المجرد إلى أفقها التوجيهي والتثقيفي وشحن الوجدان الحي الفاعل في سبيل إعطاء القضية زخمها الأقصى مقدمة لعملية تغيير الواقع.
وأضاف أنه يحسن لنا في هذا المجال أن نشير إلى أنه لا ينبغي أن تقتصر الاحتفالية بيوم القدس على لون واحد، أو على جهة معينة، بل لابد أن نضمن أن يكون الاحتفال بيوم القدس شموليا، في ألوانه وميادينه وجهاته، بحيث يشعر كل إنسان، من موقعه الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو العسكري والأمني أو ما إلى ذلك، أنّه معني بهذا اليوم، وأن بإمكانه التعبير بطريقته عن حضور القضية في وجدانه، بما يؤمِّن الأرضية المؤاتية لتحرك المجتمع بأسره نحو تلك القضية، لا أن يتحرك جزءٌ من المجتمع من خلال لون واحد يبقي كثيرا من الناس الذين يعتبرون أنفسهم غير معنيين بهذا اللون الاحتفالي خارج إطار القضية ورمزيتها.
العدد 2569 - الخميس 17 سبتمبر 2009م الموافق 27 رمضان 1430هـ