بدأت بعض المصارف الإسلامية أو المصارف التقليدية التي لديها نوافذ إسلامية، في استخدام «السلم» في عملياتها المصرفية، وتقديم التمويلات التي يطلبها بعض الزبائن.
وعلى رغم حداثة التجربة وتطبيقاتها فإن بعض الخبراء يرون أن «السَلمَ» على رغم قدمه في الإسلام وقبله، وأنه عقد شرعي لا غبار عليه، إلا أن استخدام عقد السلم في المصارف بات شبيها جدا بـ «عقد التورق» الذي أصبح صوريا أكثر منه حقيقيا؛ ما جعل مجمع الفقه الإسلامي الدولي يحرم التورق المنظم الذي يعتمد على الصورية.
ويخشى كثير من المراقبين والمهتمين بالمصرفية الإسلامية أن يتطور السلم المنظم الذي يطبق في بعض المصارف وينتشر في المصارف الأخرى في كثير من الدول؛ الأمر الذي قد يتضرر منه الزبائن، ويكون حال عقد السلم كحال عقد التورق الذي أغرقت المصارف منه.
في المقابل من ذلك، فإن البعض الآخر من العاملين في الشأن المصرفي الإسلامي يرون أن عقد السلم جائز شرعا ولا غبار عليه بشرط أن يتم تطبيق كل شروطه وأركانه، بما يعود بالفائدة على الاقتصاد عموما من حيث البيع والشراء في عروض التجارة.
وعلى رغم تشابه تعاملات السلم المنظم في تعاملات التورق فإن من عارض التورق وحرمه هو نفسه من وافق على السلم وأجازه، كحسين حامد حسان الذي يعتبر من أشد المعارضين لتطبيق التورق المنظم في المصارف. صحيفة «الشرق الأوسط» استقرأت هذا التوجه في المصارف ووصلت إلى تفاصيل أكثر في بعض متن التقرير الآتي:
يقول أستاذ الشريعة الإسلامية، وأحد الفقهاء المعروفين في المصرفية الإسلامية، علي القره داغي لـ «الشرق الأوسط» إن السلم عقد مشروع كان قديما وموجودا قبل الإسلام في عصور الجاهلية، وهذا دليل على أن هذا العقد كان يغطي حاجيات المجتمع بشكل جيد. فلما جاء الإسلام نظم هذا العقد وجعله عقدا منضبطا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أسلم وأسلف فليجري في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
وأضاف القره داغي، أن السلم في السابق لم يكن منضبطا بضوابط الكيل والوزن وكذلك بالأجل، وضبطه الإسلام بعدم الاستغلال وعدم استغلال حاجة الآخرين، وأن هذه القيود العملية والأخلاقية أدخلها الإسلام على هذا العقد القديم.
أما حقيقة السلم ـ والحديث للقره داغي ـ فهو عبارة عن بيع شيء غير موجود في الوقت الحاضر لكنه سيوجد في المستقبل، ويوصف بمواصفات دقيقة نافية للجهالة والغرر، بمعنى «هو بيع أو عقد واعد على شيء موصوف بالذمة وصفا دقيقا يزيل الجهالة والإساءة».
وتابع القره داغي، أن السلم كان يحقق مقاصد الفريقين المتعاقدين، وكان يسمى في معظم الأحيان «بيع المحاريج» لأن الناس حينما يحتاجون إلى السيولة لإدارة مزارعهم أو تجارتهم أو مصانعهم كانوا يلتجئون إلى أصحاب المال، «كأن يكون لديك مزرعة وليست لديك سيولة كافية فإنك تذهب لصاحب المال وتبيعه الثمار بمبلغ كذا والتسليم في التاريخ الفلاني، وبالتالي أخذت السيولة لإدارة مزرعتك، وأنا استفدت شراء البضاعة بثمن أقل بعد فترة معينة». هذا هو أصل السلم، وبعض العلماء يعتبرونه استثناء، والحقيقة هو عقد أصيل وليس استثناء، وهو ما عليه الإجماع من الفقهاء وهو محل إجماع بين جميع الفقهاء.
ويبين أستاذ الشريعة الإسلامية أن السلم نوعان، الأول السلم الموازي، والآخر السلم المنظم الشبيه بالتورق المنظم، موضحا أن السلم الموازي هو أن يأتي الزبون سواء كان مزارعا أو صاحب مصنع ويطلب بيع منتجه أو بعضه للمصرف ويحدد تاريخا معينا للدفع، على أن يقوم البنك بالتعاقد مع جهة أخرى لبيعه الإنتاج المحدد بتاريخه، ويكون ذلك من خلال عقد بين الطرفين. وفي عرف السلم فإن المصرف هو مسلم والزبون المسلم إليه أي البائع، والمنتج هو المسلم فيه، والمبلغ هو مسلم به.
وأفاد القره داغي بأن المطلوب في عقد السلم أن الزبون يسلم البضاعة والمصرف يسلم البضاعة في الوقت المعلوم لتاجر آخر، بمعنى أن يكون استفاد الزبون سيولة والمصرف استفاد التمويل والتاجر الآخر استفاد من البضاعة.
وقال القره داغي، إن المشكلة الحقيقية في هذا العقد هي «السلم المنظم» الذي تتم كل إجراءاته عن طريق الزبون وبين المصرف فقط، بحيث يكون المصرف وكيلا عن الزبون في كل هذه الإجراءات من خلال توكيل الزبون للمصرف لكل الإجراءات. وحذر القره داغي من أن يكون السلم المنظم شبيها بالتورق المنظم المحرم، وخاصة أن السلم المنظم لا يتم إلا عن طريق السلع الدولية ولا يتم فيه قبض الثمن حقيقة وإنما يتم فقط عن طريق مجرد الأوراق والتوقيع، وهذا هو المصيبة بعينها.
وتابع، أن الإسلام مع التنظيم في كل شيء، ولكن التنظيم الذي يؤدي إلى الحيلة لا يجوز، لأنه من الواضح أن العقود التي تتم في السلم المنظم إنما هي صورية في حقيقتها تؤدي إلى التحايل على الشريعة وخداع الناس، فهي منظمة تنظيما صوريا فقط، مؤكدا أن الادعاء بأن الشرع ليس مع التنظيم خطأ لأن التنظيم في الأصل هو سبب للإباحة، ولكن المشكلة تكون في التحايل والاستخدام الصوري للسلم.
وفيما يتعلق بالسرعة التي يتطلبها الحصول على تمويل عن طريق السلم، أكد القره داغي أن ذلك يتم عن طريق السلم الموازي أو عن طريق السلم والاستصناع، وأن الهدف ليس التحايل في المسميات بحجة السرعة وغيرها، لأن الشروط واضحة في السلم.
وشدد القره داغي على أهمية أن تكون البضاعة في السلم بضاعة حقيقية ويتم فيها التسليم، وإلا يؤدي ذلك لبيع الدين بالدين أو بقلب الدين، وهذه أشياء كلها محرمة، واصفا استخدام السلم المنظم بالكارثة وبالعودة إلى إشكالية السلع والأسواق الدولية.
ومعروف أن بعض المصارف الإسلامية تلجأ للبيع والشراء بالسلع الدولية في الأسواق العالمية، والتي تدور حولها شبهات بأنها تعتمد فقط على الأوراق في كل عملياتها، ولا توجد سلع حقيقية تباع وتشترى وتستلم، وإنما كلها تعتمد على أوراق.
وعلى أرض الواقع وحول تطبيقات السلم في المصرف الإسلامية، أوضح رئيس منتجات تمويل الأفراد في دائرة الصيرفة الإسلامية في بنك أبوظبي التجاري، عصام أحمد باعطب، أن المصرف يعتبر أول مصرف يقوم بطرح برنامج التمويل النقدي للأفراد تحت مبدأ بيع السلم والذي من خلاله يستطيع زبون المصرف الحصول على تمويل نقدي لتلبية احتياجاته المالية المتعددة ضمن إطار الشريعة الإسلامية وذلك ضمن شروط ميسرة وبسيطة.
وبيَّن باعطب، أن عقد بيع السلم هو عبارة عن بيع سلعة مؤجلة التسليم بثمن كامل عاجل وحال، وحيث إننا في دول مجلس التعاون الخليجي ونظرا إلى قلة الشركات التي تتعامل مع مثل هذه العمليات فإن بنك أبوظبي التجاري ارتأى التعامل لشراء السلع من شركات دولية لها الخبرة الكافية في مثل هذا النوع من التعامل.
وأضاف باعطب، أن عملية تنفيذ بيع السلم تتم عبر مراحل عدة؛ إذ يقوم زبون المصرف بالتقدم بطلب تمويل نقدي بحسب حاجته، وفي الوقت نفسه يتعهد الزبون للمصرف ببيعه سلعة مؤجلة التسليم بحسب ما يتم عليه الاتفاق بين الطرفين على أن يقوم المصرف بدفع قيمة السلعة مقدما كاملا وحالا، ثم يقوم المصرف بدراسة القدرة الائتمانية للزبون، ويتخذ القرار إما بالموافقة على طلب الزبون أو رفضه.
العدد 2579 - الأحد 27 سبتمبر 2009م الموافق 08 شوال 1430هـ