لا يمكن مقارنة الخلافات التي أثارها مشروع الدرع الصاروخية بأية قضية أخرى في إطار العلاقات المعقدة بين روسيا وحلف الأطلسي، فالجدل الذي أثاره المشروع والإجراءات الروسية لمعارضته جعلت أمن القارة الأوروبية على المحك لاسيما دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الحلف، كما تبنت موسكو مواقف متشددة حيال تجديد معاهدة تقليص الأسلحة الاستراتيجية مع واشنطن بما أعاد أجواء الحرب الباردة وبات تجدد سباق التسلح بين الدولتين أقرب من أي وقت مضى.
جاء إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما في 17 سبتمبر/ أيلول الماضي عن تعليق الدرع الصاروخية في بولندا والتشيك ليثير تساؤلات جادة في واشنطن وموسكو بشأن دوافع هذا القرار وتداعياته على العلاقات الروسية ـ الأميركية وعلاقة الولايات المتحدة بحلفائها في شرق أوروبا، فضلا عن حدود التغير التي أدخلها أوباما على سياسة الدفاع الصاروخي الأميركية في مشروع الدفاع الصاروخي البديل. وهي التساؤلات التي كانت محور الدراسة التي أعدتها الباحثة ببرنامج منع الانتشار النووي بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي كيمبرلي ميشر بعنوان «لماذا كان أوباما محقا حول الدفاع الصاروخي»؟، والتي أشارت إلى أن قرار أوباما يعد تصحيحا لمشروع تضمن جوانب قصور متعددة على المستوى المالي والتقني، ناهيك عن كلفته السياسية ومحدودية فاعليته على المستوى العسكري.
بداية كان الإعلان الأميركي عن الانسحاب رسميا من معاهدة الحد من الصواريخ الباليستية في 13 ديسمبر/ كانون الأول 2001 وتدشين مشروع الدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ الباليستية أحد أبرز تجليات السياسة الأحادية التي اتبعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، آنذاك اقتصرت منصات الاعتراض الصاروخي على موقعين داخل الولايات المتحدة هما فورت جريلي في ولاية ألاسكا وقاعدة فاندنبرغ الجوية في كاليفورنيا، وكان ذلك كفيلا بإثارة اعتراض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ـ في ذلك الوقت ـ بالنظر إلى تداعيات الدرع الصاروخية على توازنات القوى على المستوى الدولي.
على الرغم من ذلك استمرت الإدارة الأميركية في انتهاج سياسات أحادية فيما يتعلق بمشروع الدفاع الصاروخي وبدأت العام 2007 الترويج لإنشاء قاعدة للدفاع الصاروخي في بولندا والتشيك وهو ما أعاد أجواء الحرب الباردة، وبدأت روسيا في انتهاج إجراءات مضادة لسياسة واشنطن لاسيما بعد توقيع اتفاقات نشر مكونات الدرع الصاروخية مع التشيك وبولندا في يوليو/ تموز وأغسطس/ آب 2008، إذ أعلنت موسكو عن اعتزامها نشر صواريخ باليستية من طراز «اسكندر1» في قاعدتها العسكرية في كلينغراد والبدء في تطوير منظومة دفاع صاروخي متطورة. فضلا عن بداية تردي العلاقات بين روسيا ودول أوروبا الشرقية الأعضاء بحلف الأطلسي وتهديد روسيا بقطع إمدادات الغاز عن تلك الدول، وتدخل روسيا عسكريّا في جورجيا في أغسطس 2008 داعمة إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في مساعيهما للانفصال عن تبليسي.
ولم تقتنع موسكو بمبررات مد مظلة الدفاع الصاروخي الأميركية إلى شرق أوروبا التي اقتصرت على التصدي لتهديدات صواريخ إيران الباليستية لأن الترسانة الصاروخية لإيران لا يمكنها تهديد واشنطن لاقتصارها على الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، كما أن سياسة طهران الدفاعية لا تعتمد على استخدام الصواريخ الباليستية تجاه أهداف في القارة الأوروبية وإنما تجاه منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر المجال الحيوي الرئيسي لإيران. كما أن منصات الاعتراض الصاروخي تقع على حدود روسيا وليس إيران.
كان المبرر الرئيسي الذي أعلنه أوباما لتجميد برنامج الدرع الصاروخية هو أن برنامج إيران للصواريخ الطويلة المدى لم يتطور بالسرعة التي جرى تقديرها في السابق، لأن إيران تعتمد كما سلف على صواريخ باليستية متوسطة المدى وعلى رأسها الصاروخ «شهاب 3» الذي يصل مدى النسخة المطورة منه إلى نحو 1100 كيلومترا وجميع صواريخ إيران تعتمد على الوقود السائل وذات مرحلة واحدة فيما عدا الصاروخ «سجيل» الذي يصل مداه إلى 3000 كم وفق تقديرات رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية عاموس يادلين ويعتمد على الوقود الصلب.
وفي هذا الصدد يرى أنصار مد الدرع الصاروخية إلى شرق أوروبا أن سياسة إيران العدائية تجاه «إسرائيل» والدول الغربية لا يمكن التنبؤ بها مستقبلا في ظل التعاون العسكري بين إيران وكوريا الشمالية وعلى حد قول الخبير العسكري الإسرائيلي عوزي روبين «إن حصول طهران على تكنولوجيا الصواريخ الكورية المتطورة والتي نجحت في تطوير صواريخ عابرة للقارات متعددة المراحل (ICBM) يصل مداها إلى نحو 6000 كم يؤدي إلى تصاعد خطورة التهديد الذي تمثله لأمن حلفاء واشنطن في القارة الأوروبية».
بيد أن تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تؤكد أن تطوير إيران لصواريخ بعيدة المدى يتطلب امتلاكها لتكنولوجيا توجيه دقيقة وتقنيات متقدمة في مجالات الدفع الصاروخي والوقود الصلب ومنصات الإطلاق وهذا لن يتحقق قبل حلول العام 2015 حتى لو استعانت طهران بخبرات بيونغ يانغ في هذا الصدد. كما أن امتلاك طهران لصواريخ بعيدة المدى قد لا يمثل تهديدا جديّا لأمن القارة الأوروبية أو الولايات المتحدة وإنما سيقتصر التهديد على مصالح تلك الدول في منطقة الشرق الأوسط لأن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على استغلال تحالفاتها مع التنظيمات المسلحة مثل حزب الله اللبناني وحركة «حماس» لتعظيم نفوذها في الشرق الأوسط والضغط على خصومها الإقليميين وذلك دون الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة وغير محسوبة العواقب. ومن ثم لن تلجأ إيران للاعتماد على صواريخها الباليستية سوى لردع أي هجوم محتمل على أراضيها.
لن تقوم منصات الاعتراض الصاروخية في بولندا والتشيك بحماية الدول الأوروبية والولايات المتحدة من هجمات الصواريخ الباليستية، لأن هذا السيناريو يتطلب منصات متعددة لصواريخ الاعتراض وليس عشر منصات فحسب. فمن المرجح أن تستخدم الدولة المعادية تقنيات بسيطة ولكن فعالة للتمويه مثل إطلاق عدد كبير من الصورايخ الباليستية على أهداف متعددة في وقت متزامن لتشتيت واستخدام مواد عاكسة للانبعاثات الحرارية الناجمة عن إطلاق الصواريخ والاعتماد على تقنيات التبريد لمنع الرادار من رصد تلك الصواريخ أثناء تزويدها بالوقود.
كما أن منظمة الرادار والإنذار المبكر التي يعتمد عليها الدرع الصاروخي الأميركي تتسم بقدر كبير من التعقيد وتعتمد على محطات متعددة للرادار لجمع المعلومات كان المقرر أن يتم نشرها في تركيا أو أذربيجان بالإضافة إلى محطة رادار مركزية في التشيك ومركز الإنذار المبكر في القاعدة الجوية الأميركية في فلينجدالز ببريطانيا والرادار الأميركي «غلوبس 2» في النرويج لكي تقوم برصد الصواريخ الباليستية في مدى يقدر بنحو 3000 كم في القارة الأوروبية بما يعزز احتمالات الخطأ في التقدير ومن ثم إطلاق الصواريخ الاعتراضية دون وجود هدف أو مرور الصواريخ الباليستية المعادية دون أن يتم اعتراضها بسبب إخفاق مراكز الرادار في رصدها.
و ما يعزز من أوجه الخلل التقني في منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية أن الصواريخ الاعتراضية لم تتمكن من تحقيق نجاح في مهامها سوى بنسبة 50 في المئة خلال جميع التجارب الأربعة عشر التي أجرتها الولايات المتحدة على منظومات الاعتراض الصاروخي حتى الآن. وخلال الخمسة أعوام الأخيرة فشلت 4 تجارب لاعتراض الصواريخ الباليستية من إجمالي ست تجارب أجرتها الولايات المتحدة خلال تلك الفترة بما يعني أن نسبة النجاح في اعتراض الصواريخ الباليستية لا تتعدى 33 في المئة وجميع التجارب الست لم تعكس أحوالا ميدانية واقعية ولم يتم فيها استخدام وسائل للتمويه على الصواريخ المهاجمة أو إجراء مناورة مفاجئة وفق تأكيدات مدير إدارة التجارب الميدانية والتقييم بوزارة الدفاع الأميركية فيليب كويل. كما أن أنظمة الإنذار المبكر المرتبطة بالأقمار الاصطناعية لا تزال قيد التطوير كي يتم ربطها بمنظومة الرادار الخاص بالدرع الصاروخية.
وعلى مستوى الكلفة المالية للمشروع قدرت إدارة بوش كلفة نشر درع صاروخي في شرق أوروبا بنحو 4 مليارات دولار حتى العام 2015 وهو ما انتقده تقرير مكتب المحاسبة الحكومية الأميركي منوها إلى أن الكلفة الإجمالية للمشروع تتجاوز ذلك لاسيما مع تخصيص وزارة الدفاع نسبة تراوحت بين 2 في المئة و3 في المئة من موازنتها للإنفاق على تطوير برنامج الدرع بحيث قدر إجمالي إنفاق الولايات المتحدة على تطوير نظم الدفاع الصاروخي منذ العام 1983 بنحو 150 مليار دولار، ومن ثم كانت التوصية الرئيسة للتقرير هي تقليص نطاق المشروع بحيث يقتصر في هذه المرحلة على امتلاك التقنية الملائمة لتطبيقه مستقبلا.
لم تقتصر أوجه قصور مشروع الدرع الصاروخية على الأبعاد المالية والتقنية فحسب وإنما شملت كذلك التداعيات السياسية على مستوى علاقة الولايات المتحدة بروسيا وحلف الأطلسي. فروسيا تربط بين مشروع الدرع ومبادرة الدفاع الاستراتيجي للرئيس الأميركي رونالد ريغن العام 1983 باعتبارها استراتيجيات للهيمنة الأميركية وانطلاقا من تغير طبيعة العلاقات بين موسكو وواشنطن بعد انتهاء الحرب الباردة واتجاهها نحو الشراكة توقع المسئولون في الكريملين أن تقوم الإدارة الأميركية بالتشاور مع روسيا بشأن مشروع الدرع منذ بدايته للتوافق بشأن تنفيذه وليس إعلامها بالشروع فيه فقط.
ولا تزال روسيا تتذكر سياسة الرئيس بوريس يلتسين تجاه الدول الغربية، وكيف قام الأطلسي بالتدخل العسكري في يوغسلافيا العام 1999 دون أن يأخذ في اعتباره المصالح الإقليمية الروسية أو حتى الحصول على موافقة مجلس الأمن وهو ما أدى لضعف الثقة الروسية في واشنطن وحلف الأطلسي بصفه عامة، وهو ما دفعها لاتخاذ رد فعل عنيف تجاه نشر منصات الاعتراض الصاروخي في بولندا والتشيك على الرغم من أن المنصات العشر لا تمثل أي تهديد لروسيا ولا يمكنها التصدي للصواريخ الباليستية الروسية، إلا أن المخاوف الروسية ارتبطت بشبكة الرادار والإنذار المبكر التي يصل مداها إلى نحو 3000 كم وستكون قادرة على كشف مختلف التحركات والأنشطة العسكرية داخل الأراضي الروسية ناهيك عن اختراقها للمجال الحيوي لروسيا ومنطقة نفوذها الإقليمي وفق تصريحات نائب رئيس الوزراء الروسي سيرغي إيفانوف.
و من ثم اتجه الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف في القمة الأميركية الروسية للربط بين تمديد معاهدة تقليص الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا وحسم أوباما لموقفه بشأن نشر الدرع في شرق أوروبا، كما أن التعاون الروسي مع أميركا في قضايا حيوية مثل البرنامج النووي الإيراني وأوضاع قوات المساعدة الدولية في أفغانستان قد أضحى رهنا بتحديد سياسة الدفاع الصاروخي التي سيتبعها أوباما.
وعلى مستوى علاقات الولايات المتحدة بالدول الأعضاء في الأطلسي فإن الاستمرار في مشروع الدرع يثير خلافات داخل الحلف ويعكس استمرار السياسة الأحادية التي اتبعها بوش ويهدد من ثم التضامن داخل الأطلسي، ناهيك عن افتقاد المشروع للتأييد الشعبي في التشيك وبولندا حيث لم يصدق عليه مجلس النواب في التشيك وتتراوح نسبة معارضيه في استطلاعات الرأي بين 53 في المئة في بولندا و67 في المئة في التشيك وهو ما يعكس عدم الثقة في فاعلية المشروع الذي سيؤدي لإثارة عداء روسيا تجاه الدولتين.
لا يعكس قرار أوباما تراجعا عن مشروع الدرع الصاروخية في أوروبا بقدر كونه مراجعة للمشروع وفاعليته، على الرغم من أن القرار بدا للوهلة الأولى وكأنه يقدم تنازلات لموسكو وهو ما دفع المسئولين في موسكو للتلميح باحتمالات الامتناع عن نشر صواريخ باليستية في كلينغراد بعد القرار الأميركي، إذ أكد روبرت غيتس في مقاله بصحيفة «نيويورك تايمز» أن برنامج الدفاع الصاروخي البديل سيعتمد على سفن مزودة بصواريخ اعتراضية توجد بصورة دائمة في جنوب البحر المتوسط وبحر الشمال في مرحلة أولى، على أن يتم في مرحلة ثانية دراسة إمكانية نشر أنظمة دفاعية أرضية وهو ما أعتبره الخبراء العسكريون في موسكو استمرارا للمشروع المثير للجدل ذاته وبصورة أكثر تهديدا لموسكو لأن ذلك يعد بمثابة تطويق للمسارات الأساسية المحتملة للصواريخ الباليستية الروسية عبر القطب الشمالي بما يوفر مقومات الدرع ذاتها بشكل أوسع نطاقا وأكثر فعالية وأقل كلفة.
وتقترح ميشر في دراستها سالفة الذكر مقاربة مختلفة لتطوير درع صاروخية ثابتة ولكن بصورة مشتركة بين الأطلسي وروسيا لتعزيز الثقة بين الطرفين وذلك استغلالا لعرض روسيا في قمة الدول الثماني الكبرى في يونيو/ حزيران 2008 لمنح أميركا إمكانية الحصول على المعلومات التي تجمعها محطة الرادار الروسية في أذربيجان وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن الأنشطة الصاروخية بين موسكو وبروكسل في إطار مبادرة مشتركة للدفاع الصاروخي كأحد أنشطة مجلس الناتو وروسيا.
ومن شأن مبادرة دفاع صاروخي مشتركة أن تحقق عدة أهداف تتمثل في تقليل الكلفة الإجمالية التي تتحملها أميركا وردع إيران عن استخدام صواريخها الباليستية في مهاجمة دول القارة الأوروبية، واستعادة الثقة والتعاون الثنائي في إطار العلاقات مع موسكو وتفعيل دور مجلس الأطلسي وروسيا بحيث تصبح الأخيرة جزءا من منظومة الأمن في أوروبا وليست تهديدا محتملا لها، إلا أن تنفيذ هذه المبادرة يرتبط بالهدف الأميركي من نشر درع الدفاع الصاروخي، فصواريخ إيران الباليستية لا يمكن أن تكون بأي حال هدفا وحيدا لبرنامج دفاع صاروخي بهذه الكلفة، كما أن تعديل الدرع الصاروخي الذي تبناه أوباما يكشف عن أن موسكو هي الطرف المستهدف بالأساس من هذا المشروع ويمكن القول: إن تبني مبادرة مشتركة للدفاع الصاروخي لن تتحقق بأي حال في الأمد المنظور لأن علاقات روسيا بدول شرق أوروبا الأعضاء في الأطلسي والإرث التاريخي للسياسة السوفياتية يجعل تلك الدول تنظر لموسكو باعتبارها التهديد الرئيسي لأمنها القومي وهو ما دفعها للانضمام لحلف الناتو في المقام الأول.
العدد 2586 - الأحد 04 أكتوبر 2009م الموافق 15 شوال 1430هـ
واضح وضوح الشمس!!
كل ما ذكر من اوباما في فقرة التهديد الإيراني على أوربا غير صحيح, حيث أن إيران باتت تمتلك القوة الدفاعية والقوة الهجومية اللازمة وقد توصلت لتطوير العديد من صواريخها الباليستية التي تعمل بالوقود الصلب والتي كان فيهاصاحب اطول مسافة قدرها 3000 كيلومتر أي أنها تصل العمق الإسرائيلي بكل سهولة, وإنما برنامج الدرع الصاروخية لن يفيد الولايات المتحدة بأي شي إذ أن القوات الأمريكية لن تشن هجمات مباشرة من أرضيها بل من القواعد الأمريكية في الخليج,وهنا تبدأ التساؤلات في خسائر الحرب إذا قامت.