قبل المذبحة المروعة في كربلاء بسنوات، يكتب الإمام الحسين (ع) إلى معاوية بن أبي سفيان كتابا، يرد فيه على كتاب وصله منه، يحذره من الفتنة والخروج على «ولي الأمر».
يمكن اعتبار كتاب الحسين (ع) بمثابة سجل للدماء التي سفكت وأي دماء؟ دماء عدد من صحابة رسول الله (ص) والتابعين. سجل يكشف إلى أي مدى تذهب خطورة الانقلاب الذي انتاب نظام الخلافة الإسلامية لتتحول إلى عبث بالسلطة واستحلال للدماء: «ألست قاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلين العابدين، الذين كانوا ينكرون الظلم ويستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله خوفة لائم، ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما أعطيتهم الأيمان الغليظة المغلظة والمواثيق المؤكدة جراءة على الله واستخفافا بعهده؟ أولست قاتل عمر بن الحمقي صاحب رسول الله العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفر لونه. فقتلته بعدما أمنته وأعطيته من العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال؟»، إلى أن يقول: «أولست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه زياد إليك أنه على دين علي فكتبت إليه أن أقتل كل من كان على دين علي فقتلهم ومثل بهم بأمرك».
وعلى رغم سجل الدماء تلك إلا أنه (ع) لم يخرج وفاء بالعهد. العهد الذي له في خلق الحسين العصب من الحفظ، ووعيا وإدراكا منه أن التوقيت لما يحن والتجاوز ذاك على رغم فظاعته واستخفافه لم يصل بعد مرحلة التقويض المباشر للدين.
وفي عهد معاوية يقف على المشاهد المباشرة للرجل الذي لم يكن خروجه عليه طلبا لشيء من حطام الدنيا (يزيد)، يذكر ابن عساكر أن الحسين وفد على معاوية وتوجه غازيا إلى القسطنطينة الذي كان أمير جيشه يزيد بن معاوية وهي الغزوة الثانية، إذ حمل معاوية يزيد حملا على الخروج في هذه الغزوة بناء على نصيحة زياد بن أبيه، إذ شاء أن يضع حدا لمباذله والشائعات من حوله، يقول العلامة عبدالله العلايلي في كتابه «تاريخ الحسين»: «فبلاه الحسين (ع) وشهده عن قرب، وخبر ميوله وأهوائه كما لو وضع عليها اليد فانكشف له من نزاعات نفسه ونزاعاتها ما جعله عنيفا في الحملة عليه لدى أية مناسبة».
جعفر الجمري
العدد 2311 - الجمعة 02 يناير 2009م الموافق 05 محرم 1430هـ