لم ينتظر التغيير من الخارج أو حتى يخرج منقذ للبشرية، بل خطا خطواتهم ودعا دعاءهم (إجعلني من القادة إلى سبيلك)، فعندما بحث في أعماق نفسه وجد ضوء الشمعة، وجد نسمات العالم الأكبر، سأل وبحث وتعلم وتعب فقدم للأمة حبوبا للتغيير. حبوب صغيرة الحجم وسريعة الهضم ومركزة الفهم، استطاعت أن تؤدي عملا محفزا للأمة لتراجع نفسها علّها تأخذ موقعها الصحيح ما بين الأمم.
بدأ برنامج خواطر بعقبات في الطريق كما يوضحها أحمد الشقيري (بعد تعذر عرض «رحلة مع الشيخ حمزة يوسف» وتعذر عرض برنامج «يلا شباب» لعدة أسباب قبل رمضان العام 2005، فكرت في الخيارات الأخرى الموجودة، فجاءتني فكرة طرح برنامج خفيف لا تتعدى مدته 5 دقائق، يقدم على قناة MBC. فبذلك نكسب الحضور في شهر رمضان المبارك إعلاميا، وفي الوقت نفسه نقدم مادة إعلامية خفيفة شبابية وهادفة في الوقت نفسه). وكأية عقبة في الطريق، يستطيع الإنسان أن يتوقف، ويستطيع أن يجعل منها وقودا للانطلاق ولتحليق أعلى، كما يقول راندي باوش «الحواجز ليست لإيقافنا، لكنها لإيقاف من لا يمتلك الجدية في العمل والتحرك».
بهدوء وذكاء وإبداع وتسلسل وسلاسة وبساطة وجدية بعيدا عن التكلف والخطابة والغلظة وجلد الأمة، جاءت حلقات خواطر تدعهما الآيات وأحاديث وقصص المصطفى (ص)، كجرعات غذائية مفيدة ومقوية للأمة المترهلة فكريا واجتماعيا وعلميا بأمراض الجهل والظلم والعصبية والتأخر والخمول والخنوع. جاءت حلقات خواطر لتطرح وتعالج عددا من المواضيع والقضايا الاجتماعية والفكرية والدينية، من قبيل معاملة الناس والأهل والخدم، والتسول، وحقوق غير المدخن، والسرعة في الشوارع، السعادة، وكيفية تطوير خطب الجمعة باستخدام التقنيات المتاحة، وبعض الفتاوى الغريبة، وكيفية إدارة الخلاف واستخدام فقه الأولويات، ومشكلات التربية والتعليم والإعلام وأهميتهم في نهضة الأمم، والتعامل مع غير المسلمين وغيرها من المواضيع التي استفاد منها الغرب وخصوصا طبقوها لتصبح من يوميات حياتهم ومحركات نهضتهم.
الدين النصيحة
لم تستطع لغة التهديد والوعيد والتكشير والنفير أن تقنع شباب اليوم ولا الأمس بضرورة الالتزام والمحافظة على العادات والتقاليد فضلا عن التعاليم الدينية. لذلك نرى أن مسألة النصح باتت من أصعب المسائل في عالم اليوم. فمن أراد النصيحة لا بد أن يجيد حسن الاستماع وأن يكون محبا للآخرين، ويطرح المشكلة ببساطة، ويقترح العلاج بهدوء وذكاء، ويناقش ولا يفرض «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» (النحل 125).
الدين لا يحتاج أن يفرض على الآخر، ولا يبحث عن زيادة أعداد متبعيه، ولا يحتاج لاستجداء الآخرين للدخول فيه «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء» (القصص 56). التدين الذي لا يصاحبه حسن الخلق ولا يطور من تعامل صاحبه، لا يستفيد منه صاحبه. لذلك من يجده كقناعة ويذهب إليه كحاجة وينظر إليه كحب، يختلف عمن يتثاقل في المشي إليه أويؤديه كواجب وتقاليد يود التخلص سريعا منه، أو يشربه كدواء مر علقم. كما يعبر الشقيري عن ذلك بأن «الدين هو الحياة والحياة هي الدين، الدين ليس فقط في المسجد... الدين ممكن أن يكون في الصداقة، في المشاعر، في المدرسة، وحتى في اللعب».
الفيديو المرئي والتغيير العملي
كان بإمكانه أن يصبح من العقول الصغيرة التي تجادل الأفراد، أو العقول المتوسطة التي تناقش الحوادث، لكنه اختار العقول الكبيرة التي تناقش الأفكار وتنقلها من فكرة إلى عمل. «قل لي وربما أنسى، أرني وربما أتذكر، شاركني وسأتذكر» (مثل صيني)، هو ما دفع الشباب للتغيير ومشاركة حلم الشقيري والتطوع من أجل خدمة الحلم.
كثير من يحلمون بالتغيير والإصلاح، سواء بالقلب، اللسان، الفكر، العلم أو العمل. كان باستطاعة الشقيري أن يقف عند عقبات الطريق. كان بإمكانه أن يكتب ويؤلف ويذم الواقع ويجلد الأمة صباحا ومساء، وينشر غسيل يأسها وإحباطها على حبال الضياع والتيه والتشرد والتشرذم. كان بإمكانه أن يشترك في جمعيات ومراكز اجتماعية تحتاج لسنوات وسنوات من التفكير والتحليل واللجان والاجتماعات وغالبا لا تغير شيئا، فتتعارك وتتصادم لتتوقف ويصبح بعضهم لبعض عدوا، ولهم في الشوارع والمحاكم مستقر حتى حين. كلها لا تناسب سرعة التغيير الذي تحتاجه أية أمة متأخرة، لذلك كان التحرك الإعلامي والتلفزيوني المركز الذي يغير الواقع بالعمل والنزول إلى الميادين، من أفضل السبل للوصول إلى أكبر عدد من الناس على اختلاف أعمارهم وأفكارهم.
ما يميز الشقيري أنه لا ينتظر إلى الغد، فربما يكون الوقت متأخرا، لذلك نراه يطبق حديث الرسول (ص) «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
الشرق والغرب يلتقيان
درس الشقيري في الغرب، ورأى كيف أن الغرب والشرق يحتاجان لبعضهما «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» (الحجرات13). الشقيري من المفكرين الذين يستطيع الشرق والغرب أن يلتقيان بهم ومعهم. لا يستطيع أن يجمع الشرق والغرب من لا يسمع ولا يرى ولا يقرأ ولا يتحرك. ومن لا يتقبل الاختلاف في اللون والشكل والفكر والملبس والكلام، فكيف سيكون هناك إمكان للحوار؟
التعليم في عصر التغيير
شعوب ودول استهلاكية تتفاخر بأعلى برج وأطول ناطحة سحاب وأوسع ملعب وأجمل حديقة وأغلى سيارة وأجمل عنزة وأحلى ناقة وأصبر حمار (طبعا البطل الصامت لجحا). وما وراء ذلك لا يوجد الكثير مما تستطيع أن تقدمه للإنسانية اليوم إلا باجترار تاريخها والتصارع فيه.
الجهل والتخلف والأمية هم أيضا لمن أتم متطلبات الشهادة الجامعية، فلم يتغير خلقه وعلمه وفكره. هم أيضا لمن جمع المناصب والمسميات والمقدمات وعددها ويحسب أنها ستخلده، ويفترض أنها ستخرجه من جحور الظلمات إلى نور وبينات، لكنه يأبى الخروج، فلا يجهد نفسه ولا يقدم رؤية ولا بحثا ولا علما ولا تنتفع به الأمة، «وتحسبهم أيقاظا وهم رقود» (الكهف 18).
من أسرار نجاح حلقات الشقيري أنها سريعة وقصيرة ومركزة، فهي ما بين 5 و15 دقيقة، لا تصيب السامع بالغثيان من التكرار والبرود. لا نستطيع تعليم الناس شيئا إذا لم يشعروا بأهميته، ولن نستطيع إجبار الناس على الجلوس في مكان ينتظرون الجلد والعقاب فيه. لننظر إلى أكثر الصفوف الدراسية، ولنقيس مقدار استفادة الطلاب من حضورها، ومقدار الطلاب الصاحين والنائمين؟ لننظر إلى أكثر المصلين في الخطب، أكثرهم في عالمهم الخاص. ليس المهم هو طول المحاضرات وكمية حشو وعرض المعلومات، بل المهم محتوى المادة ومقدار استفادة السامع والمتعلم. ربما يكون من الأفضل تغيير طريقة عرض المعلومات لتكون سريعة ومركزة وتفاعلية، يستطيع الطلاب التفاعل معها وفهمها وهضمها واستيعابها. وتكون مهمة المدرس حينها في توجيه ومتابعة سرعة تحرك كل طالب، وضمان استمرارية الطلاب في الطريق الصحيح.
لا يوجد عقل إنساني اليوم يستطيع أن يجمع العلم كله، فالحواجز تتقلص ما بين أدوار الطالب والمدرس. وينتقل كلاهما من دور المستقبل والمرسل، إلى تبادل أدوار الاستقبال والإرسال. وعليه لا يوجد عالم ولا مفكر ولا رجل دين يمتلك الحقيقة المطلقة ولا حتى أكبر أجزائها. فهل نحن مستعدون لانتقال عملية التعليم من طريقة الإرسال فقط، إلى الإرسال والاستقبال؟
لو كان بيننا الحبيب
تطل علينا بعد أيام بداية السنة الهجرية، وذكرى الرسول القائد (ص) وحفيده الإمام الحسين (ع)، فماذا فعلت الأمة غير الافتخار بهما والصراخ على فقدهما؟ أين هي الأخلاق العظيمة التي استفادت منهما وطبقتها؟ ماذا فعلت غير التناحر والتقاتل وضرب بعضهم رقاب بعض؟ كم سورة فهمت وتدبرت من كتابها؟ لذلك يرتفع شريعتي بمنطادة الديني محاولا ملامسة سحاب الإنسانية فيقول: «نعم أنا سني المذهب، صوفي المشرب، بوذي ذو نزعة وجودية، شيوعي ذو نزعة دينية، مغترب ذو نزعة رجعية، واقعي ذو نزعة خيالية، شيعي ذو نزعة وهابية ...»، ويرتفع الشقيري بمنطاده الإسلامي أيضا ليقول: «أنا لست صوفيا ولا سلفيا ولا وهابيا ولا من الإخوان ولا من غيرهم من الجماعات... أنا مسلم... وأتعامل مع كل من يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله على أنه مسلم... وكفانا تنابذا بالألقاب!». وفي الارتفاع والسمو تحلق الطيور وتخطط الصقور وترجع للناس بنبأ يقين.
بعد سلسة النجاح في خواطر، ينتقل الشقيري وطاقمه المبدع لمشروع آخر هو «لو كان بيننا الحبيب»، الذي يتصور وجود المصطفي (ص) بيننا في القرن الـ21، وكيف سنتأثر بذلك وسنتخذ قراراتنا، وسيعرض في بداية العام الجديد 2009.
شكرا للشقيري
طفرة نوعية في الإعلام الخليجي والعربي وإن شاء الله العالمي. لا تستطيع هذه الأمة إلا أن تقدم الشكر لهذا الإنسان الإيجابي الذي انتقل من الفكرة إلى العمل، ونزل ميادين مختلفة، وبدأ التغيير بقلبه ولسانه ويده، وندعو لك بمزيد من الإنجازات والعطاءات العالمية وأن تنتفع به الأمة وينال سعادة الدارين.
حامد الحوري
العدد 2311 - الجمعة 02 يناير 2009م الموافق 05 محرم 1430هـ