ضحايا التعذيب الذين عانوا اشكالا من العنف يجدون راحة كبيرة عندما يتحدثون عن تجاربهم، أو ان يقدموا شهادة للآخرين، ما يجعلهم يشعرون بقوة كافية تمكنهم من مساعدة انفسهم لكي يتعافوا من جروحهم وآلامهم النفسية. ولكن كيف تساعد احد ضحايا التعذيب للادلاء بشهادته؟
لقد تم تطوير الشهادة كأداة للعلاج في تشيلي في السبعينات، اذ تم استخدامها دليلا على سنوات الاضطهاد، وكذلك أداة لعلاج المضطهدين. والسبب في ذلك هو ان الكلام يقلل من التوتر. وهذا ما قاله اشخاص في بعض الاحيان عندما ادلوا بشهادات علنية. كما ان الاعتراف بشخص واحترامه عندما يتحدث علنا عن كفاحة ومعاناته، يعتبر دعما كبيرا له ويساعده على استعادة كرامته وشخصيته الايجابية.
الشهادة
استخدام الشهادة كما يأتي وصفه هنا يعتبر (تكنيكا) تمت هيكلته بخطوات حكيمة جدا، إذ يمكن ان يستخدمه المحامي لكي يساعد الشخص الذي عانى التعذيب في أن يحكي تاريخ تعذيبه. فمن خلال عملية الشهادة والافصاح سيشعر هذا الشخص بالراحة من آلام عميقة. وسيجد هذا الشخص امكان الانتقام، وامكان فهم جديد أو تصور جديد للتجارب المريرة.
تعريف
الشهادة: وسيلة يحكي به فرد قصته لشخص آخر.
الدليل
يجب ان يكون الضحية صاحب المصدر الاساسي وان يظهر قوة واضحة.
يجب ان يكون الضحية محتاجا الى تقديم تفاصيل عن قصة عذابه.
ان يكون للضحية غرض لتقديم تجاربه علنا، على ان لايكون هذا الغرض هو الانتقام.
اذا كان هناك اشخاص كثيرون على قيد الحياة يحتاجون إلى المساعدة فالافضل ان تكون الشهادات في الوقت نفسه.
يظهر الشعور بالراحة من مشاعر مؤلمة عندما يتحدث الشخص عن تجاربه لآخرين. وهذا جزء لأي مساعدة يمكن ان تقدم لشخص عانى من التعذيب وعندما يشعر الشخص بالراحة تجاه مشاعر مؤلمة، يمكن ان يقال «يجفف ما علق به من دموع»، ونتيجة لذلك فإنه يشعر بطاقة أكثر، بدرجة يمكنه ان يوجه انتباهه الآن إلى ما هو حاصل في حياته في هذه اللحظة، بدلا من ان يغرق في تجارب الآلام الماضية.
ويمكن للحديث عن الأعمال الشريرة لمن يمارسون التعذيب ان يحدث تأثيرا على الشخص الذي تضرر من هذا التعذيب باعطائه شعورا بالارتياح ان الذي كان يعذبه في الماضي يقف الان ليعترف امامه. والذين واجهوا التعذيب يستفيدون من هذا الشعور بالارتياح، وهذا ما يساعدهم على تطوير الشخصية الايجابية لديهم، وان يشعروا بأنهم أكثر سيطرة على حياتهم الجديدة.
اما التصور الجديد للتجارب المؤلمة فيعني فهم التجارب المريرة برؤية جديدة. فأثناء عملية الادلاء بشهادة يتم اخطار الشخص الذي عانى من التعذيب بأهداف التعذيب واساليبه وتأثيراته فيما بعد. وهذا ما يساعده على فهم لماذا حدث التعذيب. وقد استخدم ذلك التعذيب من قبل هؤلاء الذين في السلطة للاحتفاظ بالسلطة. اما التأثيرات التي اصبح يعاني منها فيما بعد، فقد فعلها من قاموا بالتعذيب عن قصد لكي يضعفونه، حتى يمكن انتشار الخوف والقلق في المجتمع المحلي.
المعلومات التي يقدمها الأخصائي للضحية الذي واجه التعذيب مع ما يقوله هذا الضحية عن تجاربه لشخص آخر يهتم به، يمكنهما ان يخلقا خلفية تمكن هذا الضحية من ان يفهم ان مشاعر العار والذنب أو الاحباط، تلك المشاعر هي بالضبط ما حاول مرتكبو التعذيب ان يغرسوها فيه، وان عليه ان يكافح هذه المشاعر، وبعدم ذلك فإن معذبيه يكونون قد فازوا ونجحوا في هزيمته.
أسلوب الشهادة
يمكن ان تمتد عملية اخذ الشهادة من جلسة واحدة الى عدة جلسات ويمكن ايضا وصف هذه الخطوات كجزء من عملية تحتوي على مرحلة الاجتماع، ومرحلة العمل، ومرحلة الانتهاء.
مرحلة الاجتماع هي مرحلة التقديم التي يجب ان تتخذ فيها خطوات معينة وهي: عندما تجري اقامة الصلة بالضحية، فإنه يمكن ان يوافق أو يعترض على المحامي. وفي حال لم يوافق على المحامي يجب استبداله بمحام آخر.
يضع المحامي التصور للأوضاع والأعراض، و ذلك بإخطار الضحية بأهداف ووسائل التعذيب والتأثيرات التي تحدث بعد ذلك نتيجة التعذيب.
ثم تنشأ علاقة العمل عندما يقدم الاخصائي شرحا عن طريقة الشهادة باعتبارها وسيلة ذات مغزى كبير للتعامل مع هذه الأعراض، ويقبل العميل هذه الطريقة. وتحتوي مرحلة العمل على تقديم الشهادة وتحرير ومراجعة قصة المعاناة، وهي:
تقديم الشهادة
خلفية عن التسلسل الحدثي.
الوضع حتى لحظة الحدث المؤلم.
القصة المؤلمة بالتفصيل.
الكفاح ضد التعذيب/الهروب.
حياة الشخص الذي واجه التعذيب بعد ذلك.
أحلام الشخص المغذب مستقبلا.
وبيان أخير، إذ يعلن الضحية بأن ما أدلى به هو الحقيقة. كلمات الضحية، اما ان تسجل على شريط تسجيل، ويتم نقلها كتابة بين جلسات الشهادة، أو يكتبها الاخصائي بخطه اثناء الجلسات. اذا كان الضحية كثير الكلام جدا، يمكن للأخصائي ان يتفق معه على الادلاء بأقوال مختصرة.
في حال ان تكون هناك أكثر من جلسة واحدة، تبدأ كل جلسة بتكرار آخر الجمل التي وردت في الجلسة الماضية.
يمكن للأخصائي ان يتدخل بتقديمه اسئلة عما يلاحظه من مشاعر أو اوضاع تحدث بين حين وآخر.
عند مرحلة مراجعة الشهادة يجب وصف المادة بشكل دقيق ومحدد. ويجب تصحيح الاخطاء، وتكتب الوثيقة النهائية. تحدث مرحلة الانتهاء عندما يدلى الفرد بشهادته كاملة.
الوثيقة في شكلها المكتوب، يوقعها الشخص الذي أدلى بالشهادة، ولكن فقط في حال الا يكون راغبا في اخفاء شخصه. ثم يتسلم هذا الشخص الوثيقة، لتكون الآن بحوزته أو حوزتها لكي يقرر هذا الشخص ما يمكن ان يستفيد منها.
يمكن ان يكون تقديم الشهادة بطرق مختلفة، ولكن جميعها تعتمد على الغرض الرئيسي من شهادة محددة، أي ما اذا كانت هذه الشهادة تفيد في مكافحة الظلم العام وعدم العدالة، أو اذا ما كانت الشهادة تستخدم اساسا لايذاء الفرد.
كيفية إعطاء الشهادة
ان تعطى وجها لوجه وتستخدم لأغراض واسباب عامة لإزالة الايذاء. ويمكن ان تقدم هذه الشهادة في شكل مجموعات أو في حوار بين محام وشخص واحد.
عن طريق وسائل اعلام، وغالبا ما تستخدم هذه الطريقة لاسباب عامة وذلك لجعل العالم يعلم عن هذه الأعمال الوحشية. وهذه الوسيلة لها تأثيرات لمعالجة الفرد.
تسجيلها على شريط واستخدامها لاسباب عامة، وايضا لمساعدة الفرد على معالجة الآمه النفسية.
حدود الشهادة
لأسلوب الشهادة بعض الحدود، ويجب ان يستخدم هذا الاسلوب بحذر. يمكن للشخص الذي يدلي بشهادة عن تجربته المؤلمة ان يرتبط بسهولة بتجربته الماضية، ويمكن ان يستعيد بقوة مشاعر آلامه الماضية وتحدث له الصور الماضية إذ تحدَّث عن الآلام كأنها هذه تحدث له حقيقة مرة أخرى. وهذه الطريقة تعتبر اداة قوية ويجب التعامل معها بكل حذر.
وعليه يجب على الرجل العادي ان يستخدم هذه الطريقة بحذر متبعا الهيكل الذي وصفناه في الإجراءات اعلاه، ويجب ألا يحاول ان يترجم أو يواجه الكثير من الذكريات أو المشاعر التي يدلي بها ضحية التعذيب. وفي حال ان يصبح الشخص المدلي بالشهادة «شرسا»، يجب ان يدرك من يستجوبه كيفية التوقف عن العملية بما تم التوصية به في الفصل المتعلق بأدوات أخذ الشهادة من ضحية التعذيب.
وباختصار، فانه حتى الشخص الذي يقوم بالاستجواب يجب ان يتعلم قليلا المهارات الأساسية عن عملية اخذ الشهادة، ويعني هذا كيفية إقامة صلة عن طريق الحضور، والاستماع والتعاطف، بالاضافة الى معرفة كيفية «انجاز» هذه العملية
العدد 287 - الخميس 19 يونيو 2003م الموافق 18 ربيع الثاني 1424هـ