العدد 287 - الخميس 19 يونيو 2003م الموافق 18 ربيع الثاني 1424هـ

حقوق ضحايا التعذيب

أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1985 ما التزمت به بوضوح تجاه ضحايا التعذيب وبما حددته في «إعلان المبادئ الأساسية للعدالة تجاه ضحايا الجريمة وسوء استغلال السلطة». وينص ذلك الإعلان على ما يأتي: «يجب معاملة ضحايا التعذيب بالرحمة وباحترام كرامتهم، إذ يحق لهم اللجوء الى آليات العدالة والانصاف كما توفرها التشريعات الوطنية فيما يواجهونه من أذى».

لقد جاءت إجازة ذلك الإعلان بواسطة الجمعية العمومية للأمم المتحدة استجابة لحركة متصاعدة ترى ان ضحايا الجريمة قد تركوا خارج معادلة حقوق الإنسان.

ويلاحظ ان مواثيق حقوق الإنسان، ومن بينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يؤكد حقوق المتهم لكي يجد محاكمة عادلة، ومعاملة عادلة، وعقابا عادلا اذا تمت ادانته. ولكن بالتأكيد في كثير من الدول تطبق هذه الحقوق الخاصة بالاشخاص المتهمين والمدانين بطريقة غير جادة، هذا اذا طبقت أصلا. غير انه في الدول التي يلقى فيها المتهمون حماية عادلة ضد انتهاكات الشرطة والقضاء، انطلقت أصوات من ضحايا الجرائم ومن الذين يدافعون عنهم تقول إن حقوق ضحايا التعذيب قد أهملت، وان للمجرمين حقوقا أكثر من ضحاياهم.

ولكن هؤلاء الضحايا المصابين بالاحباط نتيجة الجرائم التي ارتكبت ضدهم - لا يواجهون المحاكمة - مثلهم مثل المجرمين الذين تأذوا. ففي المحاكمات الجزائية نجد الادعاء دائما ما يمتلك مصادر أكثر من الدفاع، وان المتهمين بجرائم يحتاجون الى حماية قانونية اذا ما كان لابد لهذه المحاكمات من عدالة متوازنة. وبالاضافة إلى ذلك، فإن ضحية الجريمة ربما يصبح منسيا اثناء المحاكمة. فالشرطة تركز على الاعتقالات، كما تدور وتلف المحاكمة حول مداولات المدعين والقضاة بينما يتم تجاوز الضحية ونسيانه. ولهذا السبب، فإن الضحايا يستحقون ان تكون لهم حقوق معينة تمنح لهم باعتبارها من حقوق الإنسان الأساسية.

إن الحق الرئيسي الذي يمنحه «إعلان الأمم المتحدة» هو حق الاستماع للضحية. إذ يحدد إعلان العام 1985 هذا الحق على النحو الآتي: «السماح بتقديم وجهات نظر واهتمامات الضحايا، والتقدير في المراحل المناسبة من إجراءات المحاكمة اين تأثرت مصالحهم الشخصية، وذلك من دون اضرار بالمتهم، وبالالتزام والتوافق مع النظام المحلي للعدالة». ويجب ان يكون هذا ضمن حقوق الإنسان. وعادة هذا ما يتعلق باعطاء الضحية فرصة للحديث اثناء المحاكمة الجزائية، وبعد ان يكون المتهم قد تمت ادانته بالجريمة (السماح للضحايا بأن يتحدثوا بحرية خلال المحاكمة، وخارج عملية المداولة، عادة ما يعتبر ضارا جدا بحقوق المتهم).

ويتطلب الحق الثاني الذي يمنحه «إعلان الأمم المتحدة» «تجنب التأخير غير الضروري في تحديد القضايا وتنفيذ الأوامر أو المراسم التي تمنح للضحايا». فيجب ألا ينتظر الضحايا مددا طويلة حتى يصدر الحكم في القضية. ويمكن ان يتناقض هذا الحق بصورة مباشرة مع مصالح الاشخاص المجرمين المتهمين، وفي بعض الاحيان يكون من مصلحة المتهم أو المتهمة أن تؤخر القضية، على أمل ان تتغير الظروف. ويختلف حل تلك الحقوق المتناقضة من دولة الى أخرى.

وأخيرا، يؤكد «إعلان الأمم المتحدة» ضرورة اعطاء ضحايا التعذيب تعويضات مناسبة عن معاناتهم وخسائرهم. ويقول «الإعلان»: «المعتدون أو الاطراف الثالثة مسئولون عن سلوكهم، ولهذا عليهم ان يقدموا تعويضا عادلا لضحاياهم، أو لأسر ضحاياهم أو من يعولونهم. ويجب ان يحتوى هذا على إعادة الممتلكات أو ان يدفع لهم عما اصابهم من أذى أو ما عانوه من خسائر، وإعادة التعويض عن المصروفات التي انفقوها نتيجة ما عانوه من تضحية، وما قدموه من خدمات وإعادة الحقوق». واذا لم يكن الشخص المدان في جريمة غير قادر على تقديم تعويض، أو لم يكن هناك شخص مدان في الجريمة، فان الدولة ملزمة بتعويض ضحايا التعذيب هؤلاء. ويقول الإعلان: «اذا لم يكن التعويض متوافرا بالكامل لدى المعتدي أو لدى مصادر أخرى، فان الدول ملزمة بأن توفر التعويضات المالية الى (أ) ضحايا التعذيب الذين عانوا من اصابات بليغة، أو اضرار بصحتهم البدنية أو العقلية نتيجة لجرائم خطيرة ارتكبت ضدهم، (ب) الأسرة، وبصورة خاصة الاشخاص الذين يعتمدون على اشخاص ماتوا نتيجة التعذيب، أو اصابتهم عاهة عقلية نتيجة لضحايا التعذيب هؤلاء». والافتراض هنا يعود الى ان الدولة مسئولة عن السلامة المدنية، وان فشل الدولة في حماية ضحايا التعذيب هو الذي جعل جريمة التعذيب ممكنة، كما ان الدولة تملك حق تعويض ضحية الجريمة. وتبدو وجهة النظر هذه مناسبة جدا، كما انها عادة لا تؤذي حقوق الإنسان بالنسبة إلى المجرمين، الا ان معظم الدول لا ترغب، أو لا تستطيع ان تفي بوجهة النظر هذه. فقط في الدول المتقدمة، مثل الولايات المتحدة بدأ تعويض الدولة لضحايا التعذيب، وذلك في ظروف معينة فحسب، وبمبالغ من المال قليلة نسبيا.

إن حقوق ضحايا التعذيب تعتبر خطوة معقولة في تطور حقوق الإنسان، طالما انها لا تتناقض بصورة تتجاوز حقوق الاشخاص الذين تتم ادانتهم في محاكمات جنائية، ويمكن ان تطور هذه الخطوة حقوق الإنسان بدرجة عظيمة اذا اعطت الشرطة والمحاكم اهتماما أكثر على معاناة ضحايا التعذيب، أكثر من ان تركز بصورة شاملة على ادانة المجرمين وحجزهم

العدد 287 - الخميس 19 يونيو 2003م الموافق 18 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً