العدد 297 - الأحد 29 يونيو 2003م الموافق 28 ربيع الثاني 1424هـ

الإعلام الدولي والسياسة الخارجية

حينما نبدأ القول بـ «الإعلام الدولي والسياسة الخارجية» فإنه يدلل للوهلة الأولى على أنهما موضوعان منفصلان قائمان بذاتهما، ولكن دراسات الاعلام الدولي تشير إلى غير ذلك، وتبين بوضوح أن الإعلام الدولي يسير في فلك السياسة الخارجية التي تتبناها الدولة وهو إحدى وسائل تنفيذها.

والإعلام الدولي باعتباره المحرك والمغير لكثير من السياسات والنظم على الساحة الدولية هو موضع دراسة وبحث لدى الكثير من الباحثين الذين يحاولون إيجاد تصور شامل وعميق لهذا المفهوم، وتفسيره وربطه بالمستجدات والوقائع التي تحدث على المستوى الدولي ومدى تأثيره على العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الدول.

ويمكن تعريف الإعلام الدولي بأنه الإعلام الموجه والمقصود الذي تبثه دولة ما ليتخطى الحدود الدولية ويصل إلى الجمهور الخارجي ويهدف إلى توفير مناخ عام لدى الرأي العام الأجنبي مساند للدولة التي تقوم بالإعلام الخارجي في مواقفها وتعريف شعوب العالم بالواقع الثقافي والفكري والحضاري لهذه الدولة لتفسير وجهات نظرها السياسية بالنسبة إلى المشكلات والقضايا الدولية والاقليمية والمحلية ومساندة سياسيتها الخارجية. ومن هنا فإن الإعلام الدولي مرتبط بشكل مباشر ووثيق بطبيعة السياسات الخارجية التي تتبناها الدول، وهو يتشكل ويأخذ حجمه وثقله وأبعاده وممارسته على ضوء ما يتسع لأفق السياسة الخارجية من نهج ورؤية سليمة يكون فيها الإعلام الدولي هو أحد وسائل تنفيذ السياسة الخارجية من بين عدة وسائل أخرى حيوية تلعب دورا مهما في بناء العلاقات الدولية داخل المجتمع الدولي.

ولقد وعي الساسة الكبار بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية الدور الخطير الذي يمكن أن يؤديه الإعلام الدولي لصالح الكيانات السياسية ونجحوا في توجيه العمل الإعلامي نحو تمرير المخططات السياسية العالمية عبر شن الحروب النفسية ضد مناوئيهم ولعل أبرز مثال على ذلك الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، وما يسمى اليوم بـ «الحرب العالمية ضد الارهاب» التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية.

ونحاول عبر هذه المقالة العلمية المكثفة التعرف عن قرب موضوع الإعلام الدولي والسياسة الخارجية وتقديم شرح واف لطبيعة العلاقة بينهما والأطر والعوامل التي تؤثر فيهما وتحكمهما، وتأثير ذلك على السياسات الدولية في ضوء الحوادث العالمية الكبرى التي تعصف بالعالم بين الحين والآخر، وهي بالتأكيد أحد افرازاتهما ونتاج مخاضهما على المدى القريب.

تظهر الكثير من القراءات الإعلامية أن مجال الإعلام الدولي وثيق الصلة بالسياسات الخارجية وهو مجال خصب تطور مع وسائل الاتصال الجماهيري بداية القرن الماضي، وظهور وكالات الأنباء العالمية التي تقوم بدور كبير في هذا المجال. وتناول الممارسات الاعلامية الدولية في اطارها المرتبط والمتصل بالسياسات الخارجية يكشف لنا الكثير في هذا الجانب الحيوي والخطير والمؤثر في رسم الخريطة الدولية.

وما يتبعه العدو الإسرائيلي من ممارسات إعلامية دولية موجهة ضد الفلسطينيين من تشويه للحقائق ورسم صورة زائفة للحوادث والوقائع على الأراضي الفلسطينية وما يمارسه من انتهاكات انسانية يظهر من خلالها المواطن الإسرائيلي للمجتمع الدولي بأنه مسلوب الحق ويمارس ضده العنف والارهاب.

وأشار التقرير الذي أعده الباحث فايز أبورزق من المركز الصحافي الدولي في الهيئة العامة للاستعلامات بغزة إلى ان المراسلين الاسرائيليين يعتبرون في تقاريرهم عمليات الاجتياح للمدن الفلسطينية من قبل الجيش الاسرائيلي أنها «نشاطات عسكرية» لمكافحة ما أسموه «الإرهاب الفلسطيني»، فأصبح من العسير على المتابع للتقارير الإخبارية الإسرائيلية أن يعرف الفرق بين عبارات المراسل وبين عبارات الناطق العسكري. وتطرق التقرير الى تناول الاعلام الاسرائيلي بشكل مبرمج خطط السلام المزعومة لجنرالات الحرب الإسرائيليين. ونبه التقرير إلى أن التلفزيون الإسرائيلي باستخدامه تقنية الصورة، بث الرعب والإحباط وخلق نوع من البلبلة وتداول الاشاعات لسكان محافظات غزة من خلال بثه صورا متكررة لعشرات الدبابات الإسرائيلية، ومئات الجنود الإسرائيليين وهم يجهزون عدتهم وعتادهم بغرض اجتياح غزة. وهي واحدة من ضمن مئات الأساليب التي يستخدمها الإعلام الاسرائيلي الموجه للساحة الدولية وهو تنفيذ للسياسات الخارجية التي يتبناها الكيان الصهيوني.

واستخدم الإعلام الدولي في أغراض سياسية أدت إلى أزمات سياسية، إذ يعرض على سبيل المثال فيليب جايلين في مؤلفة (الإعلام والسياسة الخارجية) أمثلة كثيرة شهدتها أميركا في إطار الحرب الإعلامية، ويذكر أن مصادر متنوعة أوردت بأن هناك أسطورة تقول: «إن أصحاب الصحف من تجار الحروب قد ألهبوا مشاعر الجمهور ودفعوا الولايات المتحدة إلى الحرب الأميركية الإسبانية». ويضيف جايلين أن السجلات المؤرخة لتلك الحرب تكشف أن تيودور روزفلت نفسه قد حرض أصحاب الصحف خدمة لأغراضه الخاصة فيما يتعلق بغرق البارحة (مين) في ميناء هافانا في ظروف كانت بعيدة في قدرة الصحف على التحقق منها في ذلك الحين. ويذكر أيضا حوادث خليج تونكين الشهيرة التي استغلها الرئيس الأسبق ليندون جونسون بصورة مماثلة لينتزع من الكونغرس قرارا يمنحه سلطة جارفة لتوريط الأمة الأميركية في حرب فيتنام.

ونرى أيضا في حرب الخليج الثانية كيف أن السياسة الخارجية الأميركية استخدمت الإعلام الدولي بشكل فعال لحشد الرأي العام العالمي ضد العراق وروجت لقرار الحرب عبر استخدام الدعاية الصريحة والدعاية الرمادية التي كانت بارزة في هذه الحرب ومنها حملات التلويث الإعلامية التي صاغتها مؤسسات الدعاية المملوكة من قبل اليهود بشكل عام.

ولا يخفى على أحد أن الإعلام الدولي يقوم بدور كبير في تشكيل الرأي العام الأميركي والعالمي بشأن مفجري الحوادث في 11 سبتمبر/ أيلول مثلما ساعد في رسم صورة العدو وساحة المعركة. والسياسة الخارجية الأميركية كمثال لأقوى دولة في العلم نجد أن ما تمارسه من عمليات اعلامية يروج لفكرة انهيار الأبراج الأميركية على أنها تراجيديا إنسانية عالمية قام بتنفيذها بعض الارهابيين الذين ينتمون إلى الدين الاسلامي، ثم استغلت أجهزة الإعلام الأميركية هذا بشكل واسع النطاق لتشن حملة ضد الإسلام والمسلمين بهدف تشويه واضعاف موقفهم. ووجد أن للتقارير الإخبارية المتلفزة وغيرها من النشرات الإعلامية آثارا كثيرة في نظرة الناس ومواقفهم تجاه ما يحدث حولهم.

ونشير إلى أن وكالة الإعلام الأميركية التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية كمركز أعلامي للتواصل مع الشأن الداخلي والعالم الخارجي عن طريق اتصالات وأنشطة هذه الوكالة التي قامت بإعداد بحوث كثيرة كشفتها مصادر عدة أهمها ما نشرته احدى الصحف سنة 1986 نقلا عن برلماني ألماني أنها (وكالة لصنع قصص تلويث الرؤساء والدول وأردفت هذا الكشف بـ 150 مؤسسة إعلامية وغيرها مرتبطة بها) مشيرة إلى أن هذه الوكالة كانت مستقلة حتى جاء ريجان وربطها به بشكل ما، إلا أنها بقيت مستقلة عن المخابرات والكونغرس الذي يمولها. ومن ضمن ما ورد في هذه الكشوف أيضا أن وكالة الأسيوشيتد برس وصندوق النقد الدولي ومركز دراسات الشرق الأوسط في دولة عربية وصندوق النقد الآسيوي وصوت أميركا وغيرها مما هو أخطر.

الإعلام الدولي هو إحدى الوسائل الفعالة لتنفيذ السياسة الخارجية للدول، والاحاطة بأبعاده هو قيمته ومدى قوته أو ضعفه يعكس الحالة التي المستوى الذي وصلت إليه الدول من تقدم أو تأخر حضاري. واستيعاب العمل الاعلامي على الصعيد الدولي لا يتحقق إلا عن طريق الدراسة المتأنية للأوضاع الدولية والممارسة الإعلامية التي تربط بين توجهات الدول ومساعيها في السياسية الخارجية والقدرة على التأثير في الرأي العالمي عن طريق وسائل متعددة يكون بينها الاعلام الدولي الأكثر تأثيرا

العدد 297 - الأحد 29 يونيو 2003م الموافق 28 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً