الملاحظ لحركات الجمعيات السياسية المعارضة (المقاطعة) وفعالياتها يجد غياب العنصر البشري في الحضور، والذي كان في فترة من الزمن وتحديدا ما قبل الانتخابات النيابية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي فاق التصورات من تفاعل وحضور، هذا التفاعل والحضور عقدت عليه الجمعيات أملا كبيرا والعكس صحيح. إذ يجد المراقب لحركة الشارع وحضور الفعاليات والمناسبات التي تنظمها الجمعيات عزوفا فاق التصور، ما قد يؤدي إلى وجود نوع من «الاحتقان السياسي»، والذي بدوره قد يعيد الشارع البحريني إلى مرحلة العنف في المطالبة.
فقد أكد نائب رئيس جمعية الوفاق الوطني الإسلامية حسن مشيمع «إن فشل الدعوة إلى اعتصام العاطلين عن العمل في الخامس من أبريل/ نيسان الماضي كان بسبب عدم التجاوب والحضور، والذي تطلب إعادة قراءات وحسابات البرنامج السياسي للجمعيات السياسية المقاطعة».
من هنا تتضح الرؤية في ان القاعدة التي أبدت الجمعيات اعتمادها عليها بدأت في التراجع وبشكل كبير مع كل قضية تبرز على الساحة لا يكون للجمعيات أي دور فعال فيها، ومنها البطالة والتجنيس والفساد، والتي قالت الجمعيات إنها ستطرح هذه القضايا ضمن «رؤية» تعالج من خلالها القضايا السياسية والاقتصادية الاجتماعية.
الكثير من المراقبين يؤكدون أن الشارع أصيب بـ «الإحباط و خيبة الأمل»، وقد يرجع ضعف الحضور الجماهيري في تلك المسيرات والندوات والفعاليات الى أسباب الاحباطات التي يعاني منها الشعب.
إلا اننا في الآونة الأخيرة نجد تحركا واسعا من قبل الجمعيات السياسية (التحالف السداسي) لـ «حشد» الشارع مرة أخرى، وطرح القضايا المهمة. ومن أهم هذه الوسائل هي نزول الرموز والقيادات لمخاطبة الشارع والتعرف على أسباب عزوف الناس عن المشاركة.
ويرى رئيس جمعية العمل الإسلامي الشيخ محمدعلي المحفوظ ضرورة وجود «النفس الطويل» في التحرك من دون «التوقف وعدم المطالبة بالحقوق» مؤكدا أن التغييرات لا «تصنع في يوم وليلة».
وأضاف ان نَفَسَ الشارع قصير نتيجة «عواطفهم وتعاملهم مع القضايا بشكل عفوي قد يؤدي إلى استغفالهم في بعض الأمور».
وقال: «ليس من مصلحة أية جهة أن تبتعد الجماهير عن الطرف الآخر» ففي الابتعاد يولد «الاحتقان السياسي». مشيرا إلى ضرورة عدم النظر إلى ان الدولة والمعارضة طرفان «متعاديان، وإنما هما طرفان متكاملان».
وأضاف ان «المعارضة» جزء من نظام المجتمع تقوم بالإرشاد إلى مكامن الخلل وأسبابه وتضع له الحلول، والدولة تقوم بمراجعة أوراقها لحل المشكلة. مؤكدا ان ابتعاد الجماهير نتج عن عدم «وجود حلول للكثير من القضايا، وهذا هو سبب الإحباط الشديد الذي يعيشه الناس».
بينما أرجع أمين سر جمعية العمل الوطني الديمقراطي عبدالله جناحي أسباب غياب الجمهور إلى «تعمد الجهات الرسمية عدم الاستجابة لجملة من الحلول التي تطرح من قبل التنظيمات السياسية والأهلية لقضايا مهمة وملفات ساخنة تهم الشارع البحريني»، وهذا التعمد كما يراه جناحي أدى إلى ابتعاد الجمهور وشعوره بالإحباط الشديد واليأس من حل المشكلات التي يعيشها ما قد يؤدي إلى «احتقان سياسي» سيعود بالوضع إلى ما كان عليه في العهد السابق.
مؤكدا أن «ردات فعل الجهات الرسمية لم تكن مناسبة، وان الجمهور الذي طالب من خلال الجمعيات السياسية بالكثير من المطالب التي لم يستجب لها، وهذا ما يجعله يغيب عن الفعاليات التي تقيمها الجمعيات لشعوره بعدم جدواها».
كما أشار جناحي الى سبب طبيعي في غياب الجمهور وهو «تفريغ شحنات كانت مكبوتة منذ 25 عاما»، فهذه الشحنات تم تفريغها بشكل كبير مع الانفتاح الذي سمح بعقد ندوات ومؤتمرات وغيرها تناولت شتى الموضوعات، ولاقت إقبالا كبيرا ومنقطع النظير إلا ان هذا الإقبال بدأ في التناقص مع مرور الزمن بسبب التعود على هذه الندوات التي لا تقدم شيئا سوى المحاضرات والكلام.
وطالب جناحي الحكومة بـ «فتح باب الحوار الرسمي والعلني مع الجمعيات لطرح هذه الملفات والحلول المقترحة ولتفادي الاحتقان السياسي ومشكلاته».
وهذا ما تم لمسه في بعض المناطق في البحرين التي عادت الى استخدام الشعارات السياسية في مطالباتها على الجدران، سواء من خلال الكتابة المباشرة على الجدار أو من خلال تعليق النشرات واللوحات التي تطالب بحل نوعية معينة من القضايا.
بينما يرى الشارع البحريني شيئا آخر في تحرك الجمعيات السياسية وخصوصا (المعارضة)، والتي يرونها تتحرك بشكل عشوائي من دون تخطيط أو حتى مطالبة قوية ما قد يضعفها في عملها ويعرضها لخسران القاعدة التي بدأت معها بقوة على أساس «قوة المطالب بالقضايا الحساسة وفتح الملفات الساخنة وعدم تأخيرها وتمييعها».
بالإضافة إلى نظرة بعض الشخصيات إلى فشل طرح المعارضة التي لم تطرح أي شيء من برنامجها السياسي بطرح واقعي بعيد عن التحريض.
فقد أكد مدير العلاقات العامة في (جولد مارك) والمتابع للندوات التي تقيمها التنظيمات السياسية محمد العرادي «إن هذا الوضع طبيعي، وليس إحباطا وإنما عودة إلى الحياة الطبيعية التي فقدها الإنسان البحريني خلال السنوات الماضية التي ولدت لديه شحنات كبيرة نتيجة الجو العام في تلك الفترة».
مضيفا انه بعد أن هدأت الأمور عاد الناس إلى «الهدوء والتفكير بمنطقية والانشغال بقضايا الحياة اليومية، وابتعدوا عن التعبئة والاحتجاج والاعتراض».
وقال العرادي: لابد على التنظيمات السياسية العمل وفق هذه القاعدة، والتعامل معها بشكل طبيعي. مع العمل على تقديم أفضل البرامج التي تقنع الناس بدورها والابتعاد عن العاطفة، والعمل بمنطقية أكثر.
وأكد العرادي ان نسبة الإحباط لدى الناس ليست عالية، وإنما هم ينتظرون من الجمعيات السياسية الانتقاد من خلال البرامج المدروسة ومن خلال طرح برامج حقيقية تخدم الناس
العدد 312 - الإثنين 14 يوليو 2003م الموافق 14 جمادى الأولى 1424هـ