يعتبر كتاب نبيل علي من الكتب الثقافية النوعية التي صدرت أخيرا لتغني المكتبة العربية، اذ يتطرق الكتاب في فصوله التسعة الى: الفصل الأول: العرب وحوار الثقافة والتقانة، الفصل الثاني: منظومة تكنولوجيا المعلومات - منظور ثقافي عربي، الفصل الثالث: منظومة ثقافة المعلومات، الفصل الرابع: منظومة الفكر الثقافي - منظور عربي معلوماتي، الفصل الخامس: ثقافة اللغة - منظور عربي معلوماتي، الفصل السادس: ثقافة التربية - منظور عربي معلوماتي، الفصل السابع: ثقافة الاعلام - منظور عربي معلوماتي، الفصل الثامن: منظومة القيم والمعتقدات - منظور عربي معلوماتي، الفصل التاسع: ثقافة الابداع الفني - منظور عربي معلوماتي.
ويشير الى علاقة الدين بالفكر في المنظور العربي موضحا ما يأتي: الفكر النظري الديني: يندمج العقل والدين في أغلب مدارس الفكر الاسلامي، قديمه وحديثه، بدرجة يصعب معها الفصل بينهما. ويزعم الكاتب ان هذه النزعة الاندماجية هي سمة غالبة في الفكر العربي، دينيا كان أم لغويا، أم غير ذلك، يقول الغزالي، في «إحياء علوم الدين»: لا غنى بالعقل عن السماع، ولا غنى بالسماع عن العقل ويرمي بالجعل من يكتفي بمعرفة الدين، ويرمي بالغرور من يكتفي بالعقل من دون أنوار القرآن والسنة. أما العقل لدى المعتزلة فهو وكيل الله على الأرض. ويبرر علماء الكلام، اصحاب النظرة العقلانية لجوءهم الى علوم الاغريق برغبتهم في دحض ما يتناقض فيها مع الاسلام. أما انشغال اخوان الصفا بالفلسفة الاغريقية، فكان من أجل تنقية الشريعة مما دنسها من الجهالات والضلالات. كما كان تنامي النزعة العقلانية لدى ابن سينا، بدافع التأمل في مسألة النبوة من زاوية عقلية. أما توجهه الفلسفي في تهذيب الاخلاق، فكان الاساس فيه هو مبادئ الاسلام. وأخيرا وفيما يخص ابن رشد، فتدل عناوين مؤلفاته («فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» و«مناهج الادلة في عقائد الملة» وما شابه)، على توجهه الفلسفي في توثيق الصلة بين الدين والعقل، وعلى النظر الى الموجودات، بصفتها الوسيلة المثلى لمعرفة الله.
خلاصة: لقد ارتكز الفكر الديني الاسلامي على الايمان بوجود اصل إلهي للعقل، وربما يمثل ذلك موقفا عكسيا للفكر الغربي، الذي راح يبحث، في بعض مراحله، عن اصل عقلاني لوجود الله.
ان هذا الاندماج الشديد بين الفكر والدين، قد جعل الدين لصيقا بالعقل العربي، ولم يسمح له بمساحة كافية تفصل بينه وبين الدين، حتى يتسنى له الكشف عن شبكة العلاقات الكثيفة التي تربط بينهما، وخصوصا على أصعدة اللغة والابداع والتربية. وهكذا ظلت علاقة الدين بالعقل ما بين غائمة وغائبة في تنظيرنا الثقافي. وعلى رغم ضجيج خطابنا الديني الصحافي والاعلامي، ذي الطابع غير العلمي في غالبه، فما زالت ساحتنا الثقافية تفتقر الى الفكر النظري الرصين الذي ينظر الى الدين كظاهرة اجتماعية متعددة الجوانب.
ولقد عفانا كثيرون من تناول اوجه القصور في فكرنا الديني، لذلك فاننا نكتفي هنا بتلخيص أهم سماته الغالبة:
- حساسية مفرطة في تناول الظاهرة: وخصوصا فيما يخص التعامل مع النصوص الدينية، اذ يعتبر البعض في هذا ضربا من قلب الاوضاع، او تجرؤ الجزء على الكل الذي يشمله، فكيف يتناول العقل الدين، والعقل - في أصله - صنيعة الدين؟! ومعظم قضايا العقل انما تقع في نطاق مباحث الفكر الاخلاقي. وليس لدى الخطاب الاسلامي، المستقطب من قمة رأسه حتى اخمص قدميه في الصراع والنضال الاجتماعي، متنفس من الوقت، كي يولي علم الاخلاق والسلوك الاهتمام العلمي الجدير به، وخصوصا في ظل المتغير المعلوماتي الذي فجر الساحة الثقافية اشكاليات اخلاقية، ونحن نزعم انا مازلنا لا نفرق بين عالم الاخلاق والداعية الاخلاقي، تماما كما لا نفرق بين المنظر اللغوي والمعلم اللغوي.
- غياب التراكم: لم يمارس الفكر النظري الديني لدينا التراكم الذي مارسه الفكر الغربي، الذي تنقل بحرية من محورية الميتافيزيقا ومفهوم الألوهية، الى محورية الانسان، ومن عقل يسيطر عليه الدين الى عقل يعلن انفصاله عنه. فمنذ ان شن ابن قتيبة الحرب ضد الفلسفة - كما يقول محمد أركون - استمرت المناقشة واتسعت وتعقدت، حتى كان تدخل ابن رشد القوي، الذي انتهى - في النهاية - بالفشل، فمنذ ذلك الوقت، لم ندرس مطلقا مشكلة الروابط بين العلوم الدينية والعلوم العقلية بكل ابعادها الفكرية والحقيقية. ان فكرنا الديني يسعى جاهدا الى تجسير الهوة بين فكر الاوائل، وواقع حياتنا المعاصرة، وفكرنا العلماني غارق في ايديولوجيات وفدت اليه من خارجه، من دون ان يتخذ منها موقفا نقديا، بهدف اظهار مواضع التوافق والتباين بين اصول الماضي وحقائق الواقع.
- انكفاء على الذات: يفتقر كثير من الاسلاميين الى العمق والاستيعاب في قراءة الحضارة الغربية، وخصوصا في جوانب الفكر الفلسفي، ويكتفي البعض بمقارنات عامة، من قبيل تلك: ما بين شك الغزالي والشك الديكارتي، وابن رشد وأرسطو، وفكر المعتزلة وفكر حركة التنوير. ولا اعتراض لدينا - بالطبع - على هذه النظرة المقارنة الواجبة، وربط معرفتنا بالمعرفة الاسلامية، لكن ما لا نرتضيه بشأنها، هو ان نتوقف عند حدود المقارنة، نتخذها ذريعة للانكفاء على الذات، لا دافعا الى مزيد من البحث والتنقيب، وتحديد مواضع اللقاء والافتراق، مثلما فعل الفارابي وابن سينا والرازي. ان فكرنا الديني، في عصر حوار الثقافات والتوسع في بحوث الدين المقارن، يرفض معرفة ذاته برفضه لفكر الآخر، على عكس الفكر الغربي، الذي لا تكتمل صورته عن نفسه، الا من خلال استيعابه لفكر الآخر. وهكذا تركنا الحبل على الغارب لخطاب الاستشراق، ليحتكر مهمة منهجية دراسة الاسلام، متحررا من كل حساسية تكبحه عن تناول قضاياها الشائكة. ان الاستشراق اختراع غربي لم نحاوره بجدية، ولم يحظ - في السابق - بأي تأمل نقدي، من أجل ان نتعرف على فرضياته وتوجهاته وآفاقه. ولولا ما قام به ادوارد سعيد، حديثا، لظل هذا الخطاب الاستشراقي منغلقا علينا من حيث سلطة المعرفة التي أفرزته، وقد استسلم له عدد غير قليل من المثقفين والعلمانيين لدينا، فراحوا يرددون مقولات استشراقية لا تخلو من الغرضية والاختزالية. لقد جعل هؤلاء من المستشرقين وسيطا معرفيا يفصل بينهم وبين مصادر المعرفة الاصلية.
- غياب الربط بين الفكر الديني ومصادر المعرفة الاخرى: لقد عجزنا عن فهم الروابط العميقة بين فروع المعرفة الاسلامية، من نحو ومعجمية وأدب وتاريخ وثيولوجيا وتفسير وقانون، ومازال معظم المنظرين الدينيين التقليديين بمنأى تماما عن المعرفة الكامنة وراء الفنون.
أما حوار الاسلاميين والعلمانيين، فليس حوارا بالمعنى الصحيح. وفي زعمنا، ان هذين التيارين الفكريين يتحاوران عن بعد، من خلال الوسيط الغربي، فالاسلامي يتربص برواسب الفكر الغربي في تيارنا العلماني، في حين يستنكر العلماني، على تيارنا الاسلامي عدم استيعابه لانجازات فكر الغرب. وتتوالى ردود الفعل، من اسقاط الايديولوجيات قسرا على أمور واقعنا، وأسلمة للعلوم وادانة شاملة للاستشراق، يستوي في ذلك الخبيث منه والطيب، واستغراب نعادل به الاستشراق، يتخذ من الغرب - مستخدما أدواته - موضوعا له، في وقت يتجه فيه علم الاستشراق ذاته صوب الزوال، اذ يتنامى التوجه حاليا الى ادراجه بكامله في المسار الرئيسي لعلوم الانسانيات. وهل لنا ان نعيد هنا ما صرح به أدونيس - أخيرا - عندما تساءل: ماذا يبقى للثقافة العربية الراهنة، بعد ان نستقطع منها كل ما استُعير من فكر الغرب؟
الكتاب: الثقافة العربية وعصر المعلومات - رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي
المؤلف: نبيل علي
إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت
العدد 315 - الخميس 17 يوليو 2003م الموافق 17 جمادى الأولى 1424هـ