انتهى المواطن الباكستاني صلاح الدين خان للتو من أعمال كان ينجزها بجوار منزله، في الوقت الذي سمع فيه أزيز الطائرات العسكرية فوق قريته بمقاطعة جنوب وزيرستان الجبلية في باكستان على الحدود مع أفغانستان.
وبينما تملكه الذعر، أصابت قذيفة منزله. وهرع خان وهو يتمتم بالدعوات من أجل نجاة أسرته الى المنزل ليجد أن أحد الجدران الخارجية قد انهار، لكن الجميع كانوا بخير.
ولكن على بعد 50 مترا، سويت ثلاثة منازل، أحدها يخص قائدا طالبانيا محليا، بالأرض بينما كان يصرخ ساكنوها المدفونون تحت الأنقاض طلبا للمساعدة.
وقام العشرات من المسلحين الإسلاميين بالتنقيب بين الأنقاض، بينما غادر خان وزوجته وبناته الثلاث وأبناؤه الأربعة منزلهم في الظلام.
وقال خان، بينما كان يقف في صف طويل لتسجيل اسمه في مخيم للاجئين «الجميع يغادرون جنوب وزيرستان... ستكون هناك إراقة للدماء بشكل كبير، لأن (طالبان) مستعدة للقتال في القرى والجبال والغابات».
وفر قرابة 100 ألف شخص من منطقة الصراع وعدد مماثل في طريقه للفرار، بينما اتجهت العشرات من الدبابات باتجاه مخابئ «طالبان» لشن ما وصفها مسئولون باكستانيون بأنها «أم المعارك».
وتشجعت القوات الباكستانية بنجاح العملية التي شنتها في وادي سوات بإقليم الحدود الشمالي الغربي حيث استعادت السيطرة بعد قيامها بقتل قرابة 200 مقاتل من مقاتلي «طالبان» عقب عملية هجرة جماعية لنحو مليوني شخص.
لكن الوضع في جنوب وزيرستان مختلف وأكثر تعقيدا عنه في سوات حيث كانت «طالبان» أقل خبرة في حرب العصابات فضلا عن قلة عددها.
ومن المعتقد أن هناك ما بين 10 آلاف و15 ألف مقاتل من مقاتلي «طالبان» يعملون في المنطقة ويأملون في الإيقاع بنحو 30 ألف جندي سيشاركون في العملية.
وتمتد منطقة جنوب وزيرستان لنحو 6620 كيلومترا مربعا وتتكون من حقول منبسطة وجبال وعرة وغابات كثيفة.
وقال أحد مسئولي المخابرات الباكستانيين، إن مقاتلي «طالبان» حفروا أنفاقا جديدة وقاموا بعمليات تمويه لإخفاء مدافع الهاون فوق التلال وزرعوا العبوات الناسفة على جانب الطرق المتوقع أن تستخدمها القوات.
وقال المسئول، شريطة عدم الإفصاح عن هويته، إن من المتوقع مواجهة مقاومة قوية من قرابة 1500 من الأوزبك والمقاتلين العرب الذين تربطهم صلات بـ «تنظيم القاعدة» والذين يؤمنون بفلسفة القتل أو الاستشهاد.
ومن المتوقع أن تبعث العملية العسكرية السرور في نفوس المسئولين الأميركيين الذين يضغطون على باكستان منذ أشهر عديدة لشن هجوم شامل على «طالبان» التي تشن الهجمات عبر الحدود على القوات الدولية في أفغانستان.
ولكن تركيز باكستان الأساسي ينصب على الخطر الداخلي والذي تشكله منظمة «تحريك طالبان باكستان» المسئولة عن العشرات من الهجمات الانتحارية التي وقعت بمختلف أنحاء باكستان على مدار العامين الماضيين.
ويتولى حاليا حكيم الله محسود قيادة الحركة بعد مقتل أحد أبناء عشيرته وزعيمها السابق بيعة الله محسود في غارة أميركية نفذتها طائرة من دون طيار في 5 أغسطس/ آب الماضي.
ويصنف حكيم الله ورفاقه على أنها «طالبان الشريرة» من قبل القيادة الباكستانية، مقابل «طالبان الطيبة» التي تركز فقط على المقاومة ضد «الغزاة الأجانب» في أفغانستان.
ومن بينهم قادة مثل ملا نظير في جنوب وزيرستان وحفيظ جول بهادور في شمال وزيرستان والقيادي الأفغاني سراج الدين حقاني الذي تتمتع شبكته بوجود في مختلف أنحاء الحزام القبلي الباكستاني ويعتبر القائد الأعلى لـ «طالبان» الباكستانية.
ومن المعتقد أنهم جميعا يتزعمون ما بين 30 و40 ألف مقاتل في منطقة وزيرستان.
وقال سفير باكستان السابق إلى أفغانستان رستم شاه محمد، الذي يعمل حاليا محللا أمنيا «الكثير يعتمد على ما نطلق عليه (طالبان الطيبة)... إذا ما قرروا البقاء على الحياد، فإن العملية في جنوب وزيرستان ستكون ناجحة».
وإذا ما أرادت الحكومة الباكستانية أن تبقى «طالبان الطيبة» محايدة فيتعين عليها إحراز نصر سريع.
وقالت محللة الشئون الدفاعية عائشة صديقة: «إنهم (أي الجيش) قد يحاولون القيام بما فعله الأميركيون في أفغانستان العام 2001 من تدمير لمعاقل المسلحين وتفريقهم وإعلان النصر».
وأضافت «ولكن ذلك لن يقضي على تهديد طالبان من باكستان، إذ إن هذا الخطر سيظل قائما في هيئة (طالبان الطيبة)».
وحتى إن ظلت «طالبان الطيبة» هادئة فإن أنصار محسود قد يطيلون الصراع بشن هجمات على المراكز المدنية مثلما فعلوا في الأيام الأخيرة.
وحذَّرت عائشة صديقة من أن «طالبان ستظهر مقاومة قوية بينما يحاول الجيش القضاء على سيطرتها... وقد تكثف طالبان أيضا حملة الإرهاب في البلاد لتشتيت الانتباه وإثارة الذعر بين المواطنيين العاديين».
العدد 2601 - الإثنين 19 أكتوبر 2009م الموافق 01 ذي القعدة 1430هـ