العدد 381 - الأحد 21 سبتمبر 2003م الموافق 25 رجب 1424هـ

أنسنة الثقافة

بني جمرة - عبدالأمير داوود 

21 سبتمبر 2003

لا يخفى على أي إنسان أهمية الدور الثقافي في كل أمة أو ضرورتها في أي بناء حضاري في تاريخ البشرية، ولا يخفى هذا الدور على المهتمين بالشأن الثقافي في أي وطن من الأوطان التي تنشد الأمن الاجتماعي، وحيث كلنا يعرف نوعية العلاقة الوطيدة والعضوية بين الإنسان والثقافة، والتي تحتم بالتالي عليه أن يتابع كل جديد في فضاءات الثقافة، لما تحويه بداخلها من المواد الخام في تشكيل عقله وشخصيته ومجتمعه وحياته.

إن علاقة الثقافة بالإنسان ليست وليدة اليوم وليست نتيجة مخاضات لتساؤلات الأمس، بل هي علاقة تمتد مع التاريخ منذ ولادته على سطح هذه الأرض، لأنها من أهم الحاجات الضرورية التي تساعده في فهم وجوده ومصيره وإلى أين يسير بعد هذه الرحلة الشاقة مع هذه الحياة، نحن لا نحتاج لكي نعرف الثقافة إلى أن القاموس الثقافي لهذا المصطلح أصابه الغثيان من كثرة التعاريف لها، بل إننا سنستخدم التعريف الاجتماعي والشعبي والجماهيري، لكي نبتعد عن التعقيدات الأكاديمية والنرجسية النخبوية كما يسميها البعض، لأننا لسنا في مقام التنظير الثقافي هنا، لذلك نقول ان الإنسان مثقف بطبعه الاجتماعي، وكل إنسان اجتماعي هو مثقف حتى الطفل، إذ تكون شخصيته انعكاسا لكل ما في المجتمع من عادات وتقاليد وقيم ومبادئ وأفكار ومفاهيم، وأما مسألة التقييم والفرز والتفكيك تبقى مرهونة هنا بما يمتلكه الإنسان من أدوات منطقية وعلمية وموضوعية تساعده على تشخيص الثقافة السليمة من الثقافة السقيمة والثقافة الروحية من الثقافة المادية.

لكن السؤال المصيري الذي يفرض نفسه بقوة ليتساءل عن مكانة الثقافة السليمة في حياة الشباب بعد أن أصبح العالم قرية واحدة، وتعددت أشكال الغزو الفكري والثقافي والأخلاقي لهم، وكيف باستطاعتهم تمييز الثقافة المسئولة في هذا الكم من الثقافات، وخصوصا أن مناخ التبعية للغرب متوافر وجاهز في محطاتنا الفضائية وإعلامنا اليومي، وهل سنبحث لشباننا عن ثقافة تخلق لهم المسئولية الأخلاقية في عصر التفاهات والانحطاط الأخلاقي والسقوط القيمي والروحي ومؤسساتنا الرسمية والمدنية تحتاج هي أكثر منهم إلى هذه الثقافة.

إن الثقافة الإنسانية هي الحلقة المفقودة في خريطة البناء الشبابي وهي البنية التحية التي ستساهم في توازنهم العاطفي حتى لا ينزلقوا في محارم الله، لنحافظ على ما تبقى لهم من قيم ومبادئ إنسانية بعد بروز الإنترنت على السطح الاجتماعي بقوة تعد أشد من قوة الطوفان على أمن وحياة الإنسان. المسئولية الأخلاقية لا تنموا إلا إذا أنسنا الثقافة وحررناها من الشهوات والملذات المحرمة، عبر توفير الأرضية المناسبة والتي من خلالها نستطيع أن نأصل ونجذر قيمة الوعي الإنساني في هذه الشريحة الأساسية في البناء الاجتماعي في أي وطن. إن المجتمعات الناهضة هي من تغذي الشريحة الشبابية بأمصال الثقافة الروحية وخصائصها وبرامجها وفلسفتها، وهي ثقافة نادرة لا نجدها إلا في إسلامنا الحنيف الزاخر بالتعاليم والوصايا والمعارف الأخلاقية وقد تمثلت بشكل جلي وقاطع في القرآن الكريم ونصوص أهل البيت (ع) «الدعاء، المواعظ والحكم» والتي تمثل مرجعية أخلاقية من أرقى صور الإنسانية ومن دون الرجوع للقيم الأخلاقية الأصيلة يصبح مجتمعنا مجتمع الغاب فلا يوقفه حتى القانون الوضعي لأنه فاقد للضمير والوازع الأخلاقي، إن أي مجتمع توجد فيه ثقافة تقول إن المادة هي كل شيء هي محوره، لا يؤمن بما يسمى روحا أو يوما للحساب، هل ينعم بالخير والكرامة والعزة أم تعم الفوضى فيه ويكثر الخراب والدمار في كل شيء وبذلك يسقط كل شيء جميل في هذه الحياة، حتى إنسانيته التي هي أفضل شيء وأسمى قيمة في وجوده؟

إن أنسنة الثقافة نجدها في البرنامج الإلهي الذي يتمثل في قيم الله والتي لا يمكن أن تزول أو تتحول أو تتبدل، لأنها هي قيم الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهي سنن الله في الأرض والتي إن تجاوزها الإنسان أصبح فارغا من الروح المسئولة فيفتك من دون رحمة بكل إنسان على وجه هذه الأرض، وبذلك يصبح قريبا للسلوك الحيواني بل هو بعينه الحيوان.

شبابنا اليوم يحتاج إلى توجيه ثقافي معاصر يراقب كل التحولات المجتمعية، حتى لا يكون نقمة ودمارا على المجتمع وعلى نفسه، بل نعمة إلهية يفخر بها كل مجتمع إسلامي.

العدد 381 - الأحد 21 سبتمبر 2003م الموافق 25 رجب 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً