يلعب الخطاب دورا بارزا ومهما في حياة الأفراد، ويعد من أبسط وسائل إيصال الرسالة وأكثرها مرونة، وتكمن أهميته في المشاركة الفاعلة بين المرسل وهو الخطيب وبين المستقبل وهو المستمع. فعندما يكون بمقدور الخطيب رؤية جماهيره فإن بإمكانه إيصال المعلومة بطرق شتى فإن تعذر إيصالها بالألفاظ لربما استعان بحركات يديه وما شابه ذلك. وكلما كانت الرسالة الاتصالية سهلة ومستساغة كلما أمكنها أن تصل وتؤثر في الجماهير المتلقية.
ولكن الإشكالية الكبرى في صيغة أو تركيبة هذا الخطاب (الرسالة)، فهناك من يستخدم عبارات وألفاظا تحتاج إلى معادلة رياضية لحلها. وهذا الأمر ملحوظ مع رجال الدين والسياسة بشكل كبير... وكما يقال «شر البلية ما يضحك» فأحد المدعين للفهم والثقافة خرج من أحد المساجد بعد صلاة الجمعة وقال لصاحبه: «إن خطبة الشيخ قوية جدا، ومن قوتها لم نفهم شيئا منها»!!! ولعله يذهب إلى الصلاة ويستمع للخطبة ليقول لأصحابه في اليوم التالي انه كان في المسجد الفلاني واستمع لخطبة الشيخ الفلاني...
إن قوة الخطبة أو الرسالة لا تكمن في اختيار الكلمات المنمقة والقوية، فعندما يريد المرء أن يظهر ثقافته وفهمه للآخرين فهو ليس بحاجة إلى استخدام كلمات يصعب على البعض استيعابها (...) البيروقراطيون، والارستقراطيون والسفسطائيون عبارات شبعنا من سماعها على ألسنة المنمقين - عفوا - المثقفين، وبمقدور أي كان أن يحفظ له مجموعة من الكلمات ويستخدمها ليظهر بمظهر المثقف الواعي. ولو أن شخصا أخذ ينادي بين الطرقات دلوني على «كنيف» وصرخ بأعلى صوته لاعتبره الناس مخبولا ولم يعره أحد اهتماما، ولكن لو أنه قال «أريد دورة مياه» لأخذوه إليها...
وهناك من يحفظ أشياء لا تمت إلى الموضوع الذي يطرحه بصلة، ولكن ليبدو في عيون الحاضرين فطينا، ففي إحدى اللقاءات كان المحاضر يتكلم عن مرحلة الدولة العباسية وأثرها على الحضارة الإسلامية، وفي حين غرة ومن دون إشارة قال: «هل تعلمون أن السلحفاة تتنفس من مؤخرتها»!
و أيا كان الأمر فلعله أبعد الشباب عن ساحتين أساسيتين، ألا وهما الساحة الدينية والسياسية. فخطيب الجمعة لملم في وريقاته ألغازا ليلقيها على مسامع الحضور، وغالبية الحضور هم من فئة الشباب، وشباب اليوم بحاجة إلى لغة سهلة سلسة وبحاجة إلى التقاط مغزى الكلام مباشرة ومن دون لف أو دوران. ورجل السياسة الذي تربع على طاولته وألقى حكايات المغاوير وأخذ يسعى غربا وشرقا وصفق له الحضور وهم أساسا لا يعون ما الهدف وراء جل هذا المد والجزر. وربما كانت هذه إجابة وافية للسؤال المثار عن ظهور الفجوة بين الشباب والدين من جهة والشباب والسياسة من جهة أخرى، ويقول الشيخ شاكر فردان في إحدى لقاءاته مع الشباب: «نحن طلاب العلم بحاجة إلى دورات مكثفة لنفهم الشباب، وبحاجة إلى دورات في صوغ الألفاظ والعبارات القريبة من مفاهيم الشباب».
الشباب بحاجة إلى خطباء يتجاوزون عصر الجاهلية، وبحاجة إلى لقاءات مفتوحة يعبرون من خلالها عن رؤاهم ومقترحاتهم... في الوقت الذي يحتاج فيه قادة الرأي سواء أكانوا من العلماء أو المسيسين إلى فهم لغة الخطابة الحديثة، و«خير الكلام ما قل ودل».
العدد 381 - الأحد 21 سبتمبر 2003م الموافق 25 رجب 1424هـ