العدد 388 - الأحد 28 سبتمبر 2003م الموافق 02 شعبان 1424هـ

الكيل بمكيالين

تنتشر في مجتمع البحرين ظاهرة تستوجب وقفات ولفتات عدة، ولعل المعاين لها يقف وقفة الحائر بين بينين، فلماذا يقوم الشباب بذلك؟ ولماذا لا يرد عليهم أحد، وإن رد رد بالضحك؟... هل الشباب له الحق في ذلك أم أنه ضرب من ضروب الطيش و شرارة من شرارات ريعان الفتوة؟ وإن كان كذلك فلماذا مازالت هذه الظاهرة منتشرة بين الشباب والمراهقين بالذات؟

الآسيويون هم الضحية، ومن يريد أن يتأكد من ذلك ليس عليه إلا أن يأخذ جولة رومانسية في النقل العام أو «البيك أب» أو يتجشم عناء المشي ما بين الأسواق الشعبية، فبينما الآسيوي أو الهندي تحديدا جالسا في سكون على كرسيه و«الباص» يعج بالراكبين من مختلف الأجناس ففي خضم هذا كله لا يرى الهندي إلا وابلا من اللكمات والشتم تنهال عليهم من دون سبب ولا مبرر، وليتحاشى ذلك قد يضطر إلى مغادرة الباص عند وصوله إلى أقرب محطة!

ولا يختلف الأمر كثيرا في الأسواق والطرقات، فما ان يرى المراهقون جمعا من الآسيويين حتى انهالوا عليهم بالشتم وأحيانا بالضرب إما بالأيدي أو ما تجود به أكفهم وما يفيض في بيوتهم... هذه المواقف المخزية التي تبعث على الاشمئزاز لا تجد تفسيرا يبررها، فهؤلاء الآسيويون ليسوا رؤساء الشركات ولا مديري فنادق، هؤلاء أتي بهم من بلدانهم وأذاقهم مستجلبوهم مرارة العيش، عملوا في البناء بأقل الأسعار، وعملوا في النجارة وقس على ذلك من الأعمال التي يبتعد البحريني عنها لقساوتها.

وعندما تسأل الشاب: لماذا تقوم بذلك؟ يجيبك بأن الآسيوي أخذ عمله وقطع عنه رزقه! إن هذا المعدم لم يأخذ العمل، ولم يقطع الرزق، وإنما جيء به ليستعبد بأبشع الوسائل ويذيقه (المقاول) حلاوة العذاب، فلا هو ناج من حرارة الشمس، ولا هو ناج من سوء المعاملة وقلة الأجر الذي لا يكفيه لحياته... ولو أننا تساءلنا: لماذا تنتشر قضايا شنق الهنود لأنفسهم؟ هل كلهم فقدوا حبيباتهم؟وهل كلهم شاهدوا فيلم السهرة الهندي فتأثروا به وألبسوا المروحة حبلا تدلى بهم؟ طبعا لا... فعندما يعلق اليأس بالمرء وتنسد الأبواب في وجهه ولا يرى هدفا لحياته ولا جديدا سيأتي في غده سوى الإهانة فماذا عساه يفعل؟

عندما يرى هؤلاء الوافدون تصرفات كهذه ماذا سيقولون عن الدين أولا وعن البلد ثانيا، هل نتوقع منهم أن يفكروا في الإسلام؟ لقد قام الدين على ركيزة أساسية وهي خلق النبي محمد (ص) وقال عز من قال في محكم كتابه «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك» (آل عمران: 951) علمنا الدين على الخلق الجميل ومعاملة غير المسلمين بالحسنى عل وعسى أن تميل قلوبهم للإسلام.

ولكن «الخباز» الذي يرى أبناء المسلمين يقذفونه بالطماطم والقاذورات، والفلاح الذي أشبعه المراهقون ضربا وغيرهم وغيرهم، أتراهم سيحترمون هذا الدين، نحن نمثل الإسلام، وعندما نتصرف هكذا فإن هؤلاء الغرباء سيقولون إن الدين علمهم ذلك، «ولا تسبوا الذين كفروا فيسبوا الله عدوا بغير علم» (الأنعام: 801).

وقد يتبادر إلى الذهن تساؤل محير: لماذا يقوم الآسيويون بتصرفات شاذة تجاه المجتمع مادام هذا المجتمع يزودهم بمؤن حياتهم؟ والإجابة ليس بحاجة إلى تفكير، فإذا اختلى بصبي آذاه وأذاقه المر فماذا سيفعل به؟ نحن لا نقول إن أصابع اليد متساوية، فهناك الطيب وهناك الخبيث... وأثبتت الدراسات مثلا أن الخادمة التي تتعرض للضرب والشتم والمعاملة السيئة لديها القابلية لإلحاق الأذى بمن تعمل لديهم... والأمر سيان.

لقد نهانا الدين عن إلحاق الأذى بالحيوان، فما بالكم بإلحاق الأذى بعباد الله... ربما لأنهم فقراء ولا يملكون حولا ولا قوة، والإنسان يبحث دوما عن من هو أضعف منه ولا يملك عليه ناصرا إلا الله.

العدد 388 - الأحد 28 سبتمبر 2003م الموافق 02 شعبان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً