لا يجد من يقف على حوادث واقعة الطف أي عناء في تسطير ما تولده حوادث هذه الواقعة التاريخية من ألم ينعكس على الواقع الذي نعيشه سواء على مستوى الفرد والصراعات اليومية التي يمر بها كل إنسان في مسيرته الحياتية أو على الصعيد الاجتماعي الذي يتحرك فيه العقل الجمعي بصورة أكثر إحساسا بالمسئولية والتحديات التي تحيد بالمجتمع وبالأمة .
هذه هي كربلاء باختصار، اختزل الحدث فيها صراع التاريخ على مر العصور، وأفرز حركة لا تباين فيها بين الحق والباطل، وبين كل المعاني الخيرة وما يقابلها من معاني الضد متمثلة في معسكرين أحدهما اختار أن يكون نبراسا يضيء للبشرية معنى التضحية والفداء والآخر آثر متاع الدنيا ليكون لعنة على مر الدهور.
وإذا كانت المعاني الخيرية كمفاهيم تتفق عليها الإنسانية فلأن الحدث مر بمخاضات فكرية استطاع إبراز كل القيم الإسلامية من خلال الامتداد الرسالي بعد الانتهاء من معركة لم تستمر أكثر من ساعة على أرض الواقع، لكنها بما تمثله من قيم ومبادئ ظلت تتوقد حتى يومنا هذا، بدءا من الحركة الإعلامية التي قادتها السيدة زينب عليها السلام في فضح النظام الذي أراد استعباد الأمة واستغفالها وتسخير مقدراتها والعبث بموروثاتها.
ولإن كان النظام اليزيدي في أدواته التي هيأها لقتل الحسين عليه السلام من شراء لذمم الناس وتشويهه للحقائق إضافة الى استخدامه للقوة فإن هذه الأدوات إنما استطاعت تحقيق الانتصار العسكري في تلك المعركة بسبب ضعف الوعي لدى الأمة، وهو ما أدركه الإمام الحسين فكانت ثورته لبث الوعي من جديد عبر حركة تصحيحية ظلت بعد ذلك منارا متقدا يحرك الأمة ويلهمها في صراعها ضد الباطل.
ولعل أبرز ما يميز حركة الإمام الحسين عليه السلام على رغم وجود ثورات كثيرة في عمر التاريخ الإسلامي أنها أول ثورة خرجت لتضع حدا للمفاهيم الخاطئة التي بدأت تسري في جسد الأمة كالسرطان، حتى بات الأمر والنهي يتحرك وفقا لهوى النظام السياسي لا وفقا للقيم الإسلامية التي جاء بها دين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فجاءت حركة الإمام عليه السلام من فهمه للمبادئ الإسلامية ومن تشخيصه للواقع المعاش، حتى قال «ما خرجت أشرا ولا بطرا... وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي «حيث يفهم من كلامه أن الخروج لم يكن من أجل مطامع خاصة كما قد يتصورها البعض من أن الحسين أراد لنفسه الخلافة لاعتقاده أنه الأجدر بها _ وهو بلا ريب كذلك _ لكنه كان يفكر بذلك المنطق الدنيوي لما اختار القتال وهو على علم بفارق العدة والعتاد بينه وبين جيش يزيد بن معاوية ويعلم النتيجة المنطقية لهذه المعركة، ولما كان هو القائل وهو يقرأ ما سيحصل له ولأبنائه ومن معه «خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة... وكأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء»
لتبقى كربلاء بكل ما فيها معينا يغذي البشرية على مر الدهور بأسمى معاني التضحية والفداء، تتجدد كلما تجددت الأحزان، وتلهم البشرية كلما دعت الحاجة .
وما أحوجنا هذا العام للشعار الذي رفع في عاصمة التسامح والتعايش (المنامة) لعاشوراء الحسين (الحسين يوحدنا) ونحن نجد أهلنا وذوينا في فلسطين المحتلة وهم بين آليات العدو الصهيوني وهم يقتلون ويذبحون هذا الشعار أشبه بالدعوة لقراءة متجددة لكربلاء في العراق وكربلاء في فلسطين وكربلاء تتكرر كل يوم وعلى كل أرض.
قد لا نمتلك الأسباب العملية كشعوب اليوم لمنع ما يحدث في غزة، ولكننا نمتلك وجدانا يحفر في الذاكرة أن الحسين قبل أربعة عشر قرنا استشهد لكي يوحدنا، ولكيلا تتكرر كربلاء كما نجدها اليوم في غزة، فمتى ما تكررت كربلاء فمعناه أننا لم نستوعب الدرس، وأن إحياءنا لهذه الثورة مازال دون المطلوب، وأن فهمنا للحسين مازال قاصرا، وأننا مازلنا غير مهيأين لأن نكون كأمثال أصحاب الحسين، فغزة اليوم كالحسين قبل أربعة عشر قرنا.
فغزة اليوم تقاتل وحدها كما قاتل الحسين عليه السلام وحده، وغزة اليوم تدافع عن كرامتنا كما دافع الحسين عن كرامة المسلمين، وغزة اليوم وحدها تذبح كما ذبح الحسين عليه السلام وحده، وغزة اليوم كربلاء أخرى لأننا كمسلمين قرأنا الحسين قبل أربعة عشر قرنا قراءة لا تنسجم مع مبادئ ثورته والقيم التي من أجلها خرج... فالحسين اليوم وبعد أربعة عشر قرنا مازال شيعيا وهو لم يكن كذلك يوما؟!
عادل عيسى المرزوق
العدد 2325 - الجمعة 16 يناير 2009م الموافق 19 محرم 1430هـ