العدد 410 - الإثنين 20 أكتوبر 2003م الموافق 23 شعبان 1424هـ

المتطوعات يتحدثن إلى «الوسط» في لقاء مفتوح عن تجاربهن التطوعية

ذوو الاحتياجات الخاصة في جامعة البحرين... الواقع والطموح (3)

يحملن معهن أفكارا عن الواقع وطروحات تمثل الطموح، ذهبنا إلى قاعة الاجتماعات بكلية الحقوق، التي وفرتها الكلية لـ «الوسط» لكي تجري مع المتطوعات لقاء مفتوحا عن تجاربهن، يومها، كان الحديث متشعبا، لا تكفيه الساعة المحددة بتاتا، فإن في أحاديث كهذه كثيرا من الإضبارات التي ينبغي قراءتها بعين فاحصة وبحس نقدي وبروح متفاعلة، إيجابا أو سلبا، واقعا أو طموحا، فإن الصحيح يجب أن يسير ليطغى على ما دونه، والأمر سيان لمن هو بعيد عن أجواء ذوي الاحتياجات الخاصة، فسواء سوي أمر هذه الفئة أم لم يسو فإن الأمر بعيد عن بعضهم، لكن الأمر بالضرورة شتان بين من هم قريبون إلى هذا العالم المليء بالتفاصيل غير المتوقعة، والذي يفرض نوعا من الوقوف بذهول أمام التحديات والمنجزات والطموحات والواقع من كل ذلك.

ألتقت «الوسط» المتطوعات، لتسألهن اسألة كثيرة وحثيثة... لكن عطش التساؤلات لم يرتوِ من ماء إجاباتهن، ليس لأن إجاباتهن لا تملك عذوبة الصراحة، وليس لأن سقي تلك الإجابات لعطش الأسئلة لم يكن بسخاء وغدق، بل لأن جرعات الردود أقل من مساحة الملء التي يحتاج إليها الملف المترامي والمختصر ببداهة هنا... «الوسط» ألتقت كلاّ من كريمة عبدالحسين، ورقية صالح الجمري، ودلال حمادي، ومعصومة التمار، وزينب علي أحمد، وآمال محمد، لتسألهن عدة أسئلة، فكان لنا معهن هذا الحوار:

كيف ينظر المتطوع بشكل عام إلى ذوي الاحتياجات الخاصة؟

- رقية صالح: نحن نعتبر ذوي الاحتياجات الخاصة إخوانا لنا وأصدقاء، ولا نعتبرهم أفرادا يحملون نقصا أو ما شابه، ونعاملهم كمعاملة أي إنسان طبيعي لدرجة أنهم لا يشعرون من تعاملنا بأنهم ناقصون أو لديهم اختلاف عن الطلبة الآخرين في الجامعة.

دلال حمادي: أنا لا أشعر بأي فرق بيننا وبينهم، بل هم طلبة كغيرهم استطاعوا أن يصلوا إلى ما وصل إليه الآخرون، ولم أشعر يوما بالشفقة تجاههم، نعم، أسمع في وسائل الإعلام أن هناك شيئا يسمى الشفقة إلا أنني لا أشعر بها واقعا.

معصومة التمار: لا أعتقد أنني سأزيد على ما تفضلت به الأختان، فما قالته الأختان يمثل لي الأمر نفسه، أعتقد أن ذوي الاحتياجات الخاصة يُعرّفون بأن لديهم خللا معينا في عضو ما إما السمع أو البصر أو الحركة... وينظر إلى شخص ذوي الاحتياجات الخاصة أنه غير طبيعي لأن المجتمع يعتبر أنهم مختلفون عن الآخرين، فإذا كان كذلك، فأعتقد أنه ينبغي لنا ألا ننظر إليهم على أنهم مختلفون تماما، وأنا لا أحبذ التعبيرات المتداولة عن ذوي الاحتياجات الخاصة، من مثل «غير سوي» ويطلق على الآخر بأنه «سوي»، وهلم جرا من الكلمات والتعبيرات التي هي موجودة في الواقع، ونظرة الشفقة كما أعتقد نظرة غير موجودة فيما لو تحدثنا عن الغالبية، فإذا كان هناك شخص أو شخصان أو عشرون... ينظرون إلى هذه الفئة من الناس بشفقة فهذا لا يعني أن الجميع ينظر بالنظرة نفسها.

هل معنى كلامكِ أن الغالبية لا تنظر النظرة تلك؟

- معصومة التمار: بالتأكيد، وأستغرب من تعميم البعض الذي يقول إن الجميع أو الغالبية من الناس ينظرون هذه النظرة... فنحن مجموعة كلنا لا ننظر بهذه النظرة.

ولكن ما نسبتكن مقارنة بعدد الطلبة الذين يقدّرون بأكثر من خمسة عشر ألفا؟

- معصومة التمار: اسأل من شئت، أعتقد أن الغالبية الساحقة لديها نظرة حضارية في الوقت هذا ولا ينظرون بتلك النظرة.

كريمة عبدالحسين: بالنسبة إلي وبوصفي متطوعة اعتبر نفسي أنني وصلة / صيغة اتصال لذوي الاحتياجات الخاصة أو المكفوفين بالأحرى لكوني متطوعة في مختبر الفيزيوبرايل، فمثلا كوني متطوعة في ذلك المختبر الخاص بالمكفوفين، فهو - أي المختبر - للمكفوفين وهم المعنيون به، والمختبر يمثل الجو المناسب والخصوصي لهم، لذلك هناك حدود للمتطوعة كونها تدخل جوآ غير جوها... أقصد من كلامي أننا حينما ندخل ذلك المكان (أي مختبر الفيزيوبرايل) فإننا يجب أن نشعر وجودنا أصحاب المكان بوجودنا، فمثلا إن حاسة السمع أقوى حاسة لدى الكفيف كما هو معروف، لذلك فإنه من المفترض أن نسمعهم حال وجودنا عبارات التحية لكي نشعرهم بأن هناك شخصا موجودا، وهذا العمل بالنسبة إلي ضروري لأنه يعتبر استئذانا أو نوعا من ذلك، وعلى رغم أني لا أرى فرقا بيننا وبينهم، فان هناك أجواء خاصة وأجواء عامة وفي الأجواء الخاصة يجب كسر حاجز الخصوصية بالتسليم والتحية وما إلى ذلك من تخاطر نفسي.

هل تؤيدن تقنين التطوع بتوزيع المهمات وتنظيمها؟

- كريمة عبدالحسين: لا...

دلال حمادي: طبعا لا نـــــؤيـــد...

تصورن أن بعض الطالبات أردن الدخول في مجال التطوع لأجل قضاء وقتهن معكن مثلا، ألا تعد تلك الحال فيما لو حصلت مشكلة بحد ذاتها؟

- رقية صالح: التقنين يبعد المتطوعات عن العمل والعطاء، فمثلا أنا أساعد زميلتي لكونها كفيفة في مقرر من المقررات الدراسية، ألا أنني لا أكتفي بذلك، فإذا ما سنح الوقت والمجال فإنني أساعد أخرى وهكذا، والعكس أيضا صحيح، فإذا تزاحم وقتي يوما أو فرضت علي بعض الأمور الطارئة وصار وقتي غير كافٍ لمساعدة الكفيفات، فإنني أوكل طالبة من صديقاتي للقيام بمهمتي وهكذا يسير العمل بشكل سلس ومنظم، وبهذه العفوية تزداد علاقتنا بذوي الاحتياجات الخاصة وببعضنا بعضا بوصفنا متطوعات أيضا، وعدم وجود التقنين للعمل التطوعي لا يعني عدم وجود النظام.

معصومة التمار: إننا دخلنا عالم التطوع لأننا أردنا أن نعطي، والعطاء يفرض الجدية، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن دخولنا هذا المجال متأت من معرفة شخصية بإحدى الأخوات الكفيفات التي دفعتنا إلى الدخول لأجل مساعدتها وبالتالي استمرار دراستها وهكذا تعرفنا على البقية، فالنظام لدينا عفوي مفروض علينا بشكل عفوي أيضا، فكرة التنظيم التي تفضلت بطرحها فكرة جميلة ومعقولة الا أنها تحتاج إلى وقت لصوغها.

آمال محمد: أنا طالبة مرشدة ومهمة الطالب المرشد بحسب اعتقادي أنه يهتم بالطلبة الجدد أو الطلبة الذين يحتاجون إلى إرشاد بعيدا عن ذوي الاحتياجات الخاصة، إلا أنني دخلت في لجنة الفئات الخاصة أثناء الحرب على العراق، وكانت أمنيتي أن أتعرف على هذا العالم لهذه الفئة، كيفية التعامل معهم، كيفية تلبية حاجاتهم... وما أشبه، فحينما صرت في هذه اللجنة وعلى رغم أن البحرين لم يصبها شيء من الحرب فإنني ظللت مع ذوي الاحتياجات الخاصة وقد استغللت أوقات الفراغ - ومازلت - لأعطيهم وأساعدهم ولو بشيء بسيط، وبقدر الإمكان أقدم ما استطيع تقديمه.

رقية صالح: مازلت أقول أننا نعامل ذوي الاحتياجات الخاصة معاملة الأشخاص الطبيعيين والسليمين، مثل الجلوس معهم ومصادقتهم، لكي يسود جو من الألفة بيـننا، نعرف مشكلاتهم فنساعدهم على حلها، فنحن وبشكل متعمد نكثر من الجلوس معهم جلسات صداقة وأخوة، تلك الجلسات البعيدة عن المهمات التطوعية المعروفة، فإذا لم نجلس معهم كأصدقاء، فإنهم لربما يشعرون بالنقص حينها، فالصداقة هي التي كونت الألفة بيننا وجعلتهم يشعرون بأننا ننظر إليهم نظرة طبيعية فإذا حددت جلساتنا معهم بأوقات المساعدة فإنهم سيشعرون بالنقص لا محال، فلو قرأت إحدانا مثلا لإحدى الكفيفات درسها وخرجت، ألن تشعر تلك الكفيفة بأن زميلتها تسدي لها مساعدة لا أكثر؟ نحن نحتاج إلى التواصل معهم والتعرف على مشكلاتهم بالتالي نحتاج إلى الجلوس معهم ومصادقتهم.

معصومة التمار: أعتقد أن كلمة متطوعة أصلا تحتاج إلى قراءة أخرى، فأنا حينما دخلت هذا العالم لم أعلم أننا يطلق علينا متطوعات، فدخولي ناتج عن تعرفي على صديقتي «هنـاء» التي أردت مساعدتها فدخلت في هذا المجال، ولم يكن في ذهني كلمة متطوعة، إلا أنني عرفت كلمة متطوعة فقط من الحلقة الأولى التي نشرتها «الوسط» من حلقات ذوي الاحتياجات الخاصة بجامعة البحرين.

دلال حمادي: في اعتقادي أنه إذا شعرت أية طالبة بأننا نجلس معها فقط للمساعدة فبالضرورة ستشعر أننا نشفق عليها، لكن إذا جلسنا معها جلسة عفوية وتحدثنا معها حديثا خارج الدراسة فإنها لا تشعر بتاتا بشيء يسمى شفقة.

معصومة التمار: بالنسبة إلى التقنين أعتقد أن وجوده ضروري لكن ليس الآن، فالجو الآن مقنن بعفوية تنظيمنا، إلا أن جميعنا تقريبا سنتخرج في هذه السنة لذلك فكرنا في من سيخلفنا، حتى إن بعض الطلبة المكفوفين فكروا في من سيساعدهم بعدنا، لذلك أقول إن الدعوة والتقنين لوجود متطوعات في الفترة التي سيخلو مختبر الفيزيوبرايل من متطوعات شيء ضروري.

كريمة عبدالحسين: أنا أقول هل مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة تقتصر على مساعدتنا لهم في أمور محددة؟ أليس الدمج والمصادقة أكثر فائدة وأنجح طريقة من الأمور المحددة تلك والاقتصار عليها؟

كيف تقيمنَ الخدمات المقدمة إلى ذوي الاحتياجات الخاصة؟

آمال محمد: ذوو الاحتياجات الخاصة محتاجون إلى خدمات أكثر مما هي عليه الآن، فمثلا هناك كتب ومراجع غير متوافرة في الجامعة، وكما هو معلوم فإن ذوي الاحتياجات الخاصة يصعب عليهم الذهاب إلى المكتبات المختلفة والبحث عن تلك المصادر التي يحتاجون إليها في دراستهم، بل في كثير من الأحيان يتورط الطلبة العاديون في البحث عن المصادر فما بالك بذوي الاحتياجات الخاصة؟ فلذلك لدي مقترح سبق لي أن أوصلته إلى المعنيين وهنا أذكره أيضا، وهو، أنه من الأفضل أن توجد المصادر التي يحتاج إليها الطالب داخل الجامعة، كما يجب أن تكون كل تلك المصادر مسجلة وتفرد لها مكتبة صوتية أو مكتوبة بـ «البرايل» لكي تتيسر عملية الاستيعاب للمكفوفين.

معصومة التمار: أعتقد أن الكثير من المرافق يجب أن ينظر إليها بعين فاحصة وما مدى مناسبتها لذوي الاحتياجات الخاصة، من مرافق مختلفة ومواقف سيارات ومطاعم وما إلى ذلك... وأود أن أركز على نقطة تخص المكفوفين وهي أن هناك معاناة كبيرة جدا بالنسبة لإلى المكفوفين على مستوى دراستهم، فحاسة السمع هي التي يعتمدون عليها بشكل كبير، وبالتالي فإن المعاناة تكمن في هضم الدروس التي تحتاج إلى تدقيق، ومن نافلة القول أن أقول ان هناك أساتذة يرفضون تسجيل الكفيف محاضراتهم ولا أدري هل هذا الشيء ملتفت إليه من قبل الجامعة أم لا؟ فكيف يتفاعل الكفيف مع المقرر إذا فقد كل السبل لفهمه، أو لنقل إن تعسرت تلك السبل؟ وجانب آخر أود أن أشير إليه، وهو هناك مقررات صعبة يجب أن يلتفت إليها بشكل جاد، فمثلا إحصاء 105 الذي يأخذه كثيرون من طلبة الآداب، يحتاج إلى تكبد عناء لكي يجتاز، فهو يعتمد بشكل كبير على الرؤية بلا شك ومقررات أخرى مماثلة، فيجب أن تنظر الجامعة إلى هذا الأمر وتعطي الحلول للمكفوفين في هذا الجانب.

ما الذي تقترحينه من حلول؟

- معصومة التمار: بما أن الكمبيوترات التي تطبع لغة البرايل موجودة، فلماذا لا تطبع كل تلك المقررات بلغة البرايل؟ ما المانع؟ وأشيد هنا بقسم اللغة الانجليزية لأنه يتعاون بقدر الإمكان مع هذا الموضوع.

رقية صالح: أضيف إلى ما قالته معصومة، إن الطالبة الكفيفة (وكذلك الكفيف) يضطران إلى كتابة المقرر كاملا في الكمبيوتر لطبعه بـ «البرايل»، فتصور كتابا كاملا على الطالب الكفيف أن يكتبه لكي يستطيع أن يفهمه، طبعا نحن نملي عليهم كل المقرر بطبيعة الحال.

كيف تقرأن الفرق بينكن كطالبات وبين الطلبة على مستوى التعامل والمساعدة والنظرة لذوي الاحتياجات الخاصة؟

- آمال محمد: ربما لكون الفتاة عطوفة أكثر من الشاب، ترى المتطوعات والمتعاطيات إيجابا مع ذوي الاحتياجات الخاصة أكثر من الشباب.

ما مدى صحة ما يقوله البعض من ذوي الاحتياجات الخاصة من أنهم يسمعون دائما وبشكل متكرر من الطالبات كلمة «مسكين»؟

- آمال محمد: كلمة مسكين تقولها البنت بشكل عفوي في كثير من الظروف وإلى كثير من الشخوص، وليس ذلك مقتصرآ على ذوي الاحتياجات الخاصة... ولا يعني ذلك شفقة بتاتا، بل عطف طبيعي موجود لدى أي أنثى.

معصومة التمار: في اعتقادي أنه لا يوجد تقارب بين كلمة مسكين والشفقة بتاتا في أرض الواقع.

بعد كل تلك الإجابات التي أسدتها الصراحة من ذواتهن الإيجابية، فإن ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاجون إلى تحويل التوصيات والاقتراحات إلى واقع يطور واقعهم، وإن كان فيه تغيير عما هو في السابق، وهذا الذي سنسعى إليه بشكل كبير عند سؤال المشرفات عن قراءتهن للمشكلات التي تواجهها هذه الفئة، في حلقة أخيرة من هذا الملف وموعدنا الأسبوع المقبل

العدد 410 - الإثنين 20 أكتوبر 2003م الموافق 23 شعبان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً