العدد 423 - الأحد 02 نوفمبر 2003م الموافق 07 رمضان 1424هـ

فولي يقدم خطة «نهب» العراق هذا الشهر

خصخصة الاقتصاد تبدأ العام المقبل

تأمل سلطة الاحتلال الأميركي في العراق مع نهاية العام الجاري استكمال خطتها لـ «نهب» القطاع العام ببيع شركاته ومؤسساته الاقتصادية للشركات الأجنبية وخصوصا الأميركية. غير أن الكثير من العراقيين بمن فيهم أعضاء في مجلس الحكم في العراق المعين من قبل الحاكم العسكري الأميركي بول بريمر يبدون شكوكا إزاء تلك الخطة ويقولون إن خطوات تنفيذها لن تكون سريعة جدا. ويقول المتشككون أن خطة «الخصخصة» يمكن أن تسبب اضطرابا أعمق في البلاد التي تعيش وضعا خطرا ما يعرضها إلى منافسة خارجية سريعة وشديدة الوطأة.

وقال وزير تجارة مجلس الحكم علي علاوي إنه إذا لم تجرِ الخصخصة بطريقة «تتلاءم مع حاجات وخصوصيات العراق، فإنها يمكن أن تأتي بثمن باهظ جدا». وتؤكد مصادر أميركية أن إعادة صوغ اقتصاد العراق وفق الصورة الأميركية كانت حكومة الرئيس الأميركي جورج بوش أقرته وهي تعد لغزوها العسكري للعراق، وبدا خبراء اقتصاديون داخل حكومة بوش بتقييم خطط الخصخصة وقوانين الاستثمار في العراق منذ شهر ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي. وقد أشرفت وزارة الخارجية الأميركية على عقد اجتماعات ومناقشات بهذا الشأن شارك فيها أميركيون من أصل عراقي وبعضهم ينتمي إلى منظمات المعارضة العراقية التي كانت تمول من الولايات المتحدة. وتحدث الرئيس بوش في شهر فبراير/ شباط الماضي عن الكيفية التي يستطيع العراق فيها أن يصبح «مثالا دراماتيكيا ومثالا ملهما في الوقت الذي يتحرك فيه مجمل الشرق الأوسط باتجاه الانفتاح الاقتصادي وحرية التجارة». ولم يضيع مسئولو سلطة الاحتلال الأميركي في العراق عقب إعلان بوش عن انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية في الأول من شهر مايو/ أيار الماضي، سوى وقت ضئيل. ففي بداية شهر يونيو/ حزيران الماضي ألغوا كل التعرفات الجمركية حتى نهاية العام الجاري، وسمحوا بتدفق أجهزة التلفزيون والأطباق اللاقطة والسيارات المستعملة وغيرها من البضائع الاستهلاكية إلى داخل العراق. وفي شهر سبتمبر/ أيلول الماضي فرض بريمر ضرائب على الدخل بنسبة 15 في المئة، وزاد من القوانين الجديدة التي تعطي المستثمرين الأجانب فرصة كاملة لفتح وإقامة شركات وممارسة أعمال في العراق في كل قطاع من القطاعات باستثناء صناعة النفط والغاز.

وقانون الاستثمار الذي وضعه بريمر، ويسمح للمستثمر الأجنبي بملكية مئة في المئة وبحقوق كاملة وبإعادة أرباح المستثمرين الأجانب إلى بلدانهم يصفه بعض الخبراء بأنه أكثر ليبرالية من القوانين الموجودة في كل البلدان العربية باستثناء قلة منها، والذي يتطلب معظمها من المستثمرين الأجانب أن يكون لهم شريك محلي. ولكن قانون بريمر أبقى على منع الملكية الأجنبية للأرض في العراق.

وقد أعربت الغالبية العظمى من رجال الأعمال العراقيين عن عدم رضاهم بقانون بريمر، ويعزو بعضهم موقفهم إلى أن القانون كما يقول روبار ساندي وهو رجل أعمال أميركي من أصل عراقي «إن هذا يعطي ذريعة للمتطرفين الذين يقولون إن الحرب كلها إنما قامت من أجل استيلاء الشركات الأميركية على العراق». ويضيف أنه فوجئ بأن الشركات الأميركية لم تضع على الأقل بعض التفويض لإشراك العراقيين في نقل التكنولوجيا أو الشراكة أو التدريب.

ويعمل مسئولون في سلطة الاحتلال الأميركي على وضع خطة للخصخصة تثير حتى أعمق مشاعر السخط لدى العراقيين. ويعتزم ثوماس فولي، وهو مسئول خطة الخصخصة وصديق قديم للرئيس بوش تقديم خطته إلى مجلس الحكم في العراق في وقت لاحق من الشهر الجاري، وتنص الخطة على إقامة وكالة خصخصة عراقية مستقلة لمعالجة بيع الكثير من المشروعات المملوكة للدولة العراقية.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسئول أميركي كبير في بغداد قوله: «إننا لسنا في عجلة من هذا الأمر، ولكننا نعتقد بالتأكيد أن المسألة حاسمة من أجل وضع الأمور في مكانها حتى يمكن للخصخصة أن تبدأ بأسرع وقت ممكن». وتعتزم سلطة الاحتلال الأميركي المضي قدما في بيع مشروعات صغيرة عقب إقامة وكالة الخصخصة العراقية وربما في بداية العام المقبل. وستضم الوكالة نحو مئة موظف معظمهم عراقيون سيقومون بوضع جدول زمني وإعداد شركات القطاع العام للخصخصة. ويقول مسئولون أميركيون إن الوكالة ستظل مستقلة عن الوزارات العراقية الأخرى.

وفولي وهو صاحب شركة وجامع تبرعات مهم للحزب الجمهوري يقول إن سلطة الاحتلال الأميركي اختارت نحو عشر شركات كأول دفعة من عمليات بيع القطاع العام. وتشمل شركة تصميم هندسي وخدمات سيارات ليموزين. ويعتقد فولي أن عملية الخصخصة قد تستغرق ما بين 3 إلى 5 سنوات وهو يسعى إلى الاستفادة من وجود الاحتلال في العراق لإكمال العملية وقال «إن ما هو مهم هو الإبقاء على تحرك العملية حتى لا يضيع الوقت عندما تأتي حكومة عراقية». ويذكر أن لدى العراق نحو 200 شركة مملوكة للدولة توظف نحو نصف مليون عامل وموظف أي نحو خمسة في المئة من قوة العمل العراقية. ويخشى العراقيون أن تؤدي الخصخصة إلى مزيد من تشريد الناس بزيادة عدد العاطلين عن العمل في بلد تسبب الاحتلال بتوسيع البطالة إلى نحو 70 في المئة بعد أن حل بريمر الجيش وقوات الأمن وألغى عددا من الوزارات بمن فيها من الموظفين. كما أن هناك أيضا مخاوف من خلق أوليغارشية مالية محلية ترتبط بالاحتلال.

وبعض الصناعات التي تعتقد سلطة الاحتلال بأنها قد تجتذب اهتماما دوليا كبيرا هي مثل المناجم والانشاءات. ويرى محللون أنه باستثناء العراقيين الأغنياء خارج العراق فإن قلة من داخل العراق سيكونون في موقع يمكنهم من الاشتراك عندما تتقدم الشركات الكبيرة للعمل. وشركات القطاع العام التي لاتزال خارج البحث في الوقت الراهن هي نحو 50 شركة متعلقة بصناعة النفط والمصارف أو التأمين، وأن هذه الشركات التي تقع في نطاق إشراف فولي تتراوح ما بين إنتاج الصابون وإطارات السيارات ومناجم الفوسفات ومصانع الأدوية والأدوات الطبية.

غير أن استمرار عمليات المقاومة والتفجيرات في العراق قد وضع حدا لحماس المستثمرين في العراق. وبينما يقول إياد علاوي الرئيس السابق لمجلس الحكم في العراق«نحن نؤيد لبرلة الاقتصاد، ولكننا بحاجة إلى بعض الاستقرار قبل اتخاذ الخطوات الكبيرة» فإن مديرا سابقا لقسم الشرق الأوسط في البنك الدولي هو أندر سود قال «إنني أخشى أن تكون الولايات المتحدة تركز على الأمور الخاطئة، فقبل الخصخصة إنك بحاجة إلى حكومة، وإلى وزارة مالية عاملة وأمن حقيقي». ويوضح منح شركة الاتصالات الأميركية موتورولا عقدا للعمل في العراق كمورد رئيسي للبنى التحتية لثلاث شركات هاتف خلوي، والعقود التي منحت أيضا لأكثر من 70 شركة أميركية عشرة منها على الأقل مرتبطة بالبيت الأبيض والحزب الجمهوري باعتبارها من أكثر المتبرعين الماليين لحملاتهم الانتخابية، إذ كسبت هذه الشركات أكثر من ثمانية مليارات دولار في العراق، يوضح السياسات المالية والتجارية التي تتبعها حكومة بوش في العراق، وهي ليست إفادة الشركات الأميركية المرتبطة جيدا بالبيت الأبيض والحزب الجمهوري فحسب بل وأيضا البطء في دمج العراق في الاقتصاد العالمي وتحويل الاقتصاد العراقي الذي كانت تديره الدولة إلى حد بعيد ليكون أسيرا للسوق والشركات الأجنبية متعددة الجنسيات.

وهذه السياسة تؤكد الأهمية الاقتصادية للعراق لدول مثل فرنسا وألمانيا التي عارضت العدوان الأميركي على العراق، لكنها صوتت في 16 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على تمديد السيطرة الأميركية على العراق مقابل وعود غامضة بأن العراق سيحول إلى الشعب العراقي.

ويكشف البرنامج الخاص بمستقبل العراق الاقتصادي الذي أعلنه وزير المالية في مجلس الحكم المعين كامل الكيلاني في 21 سبتمبر الماضي والفواتير الجديدة التي وضعتها سلطة الاحتلال تسمح للمستثمرين الأجانب بامتلاك مئة في المئة من أية موجودات عراقية باستثناء النفط والأراضي وأخذ أرباحهم متى يريدون وتخفيض التعرفة الجمركية على خمسة في المئة وتسمح للمصارف الأجنبية بالسيطرة على النظام المصرفي في العراق.

وقد ندد اتحاد رجال الأعمال العراقيين بهذه الإجراءات محذرا من أن القوانين الجديدة «ستدمر دور الصناعات العراقية.» ويقول محللون إنه إذا أخذ في الاعتبار الوضع العراقي الحالي فإن ما هو موضوع للبيع سيكون بأسعار رخيصة جدا، لكن خلال سنوات قليلة مقبلة فإن ما تم شراؤه بالأسعار الرخيصة، باستخدام عائدات النفط العراقي يمكن أن يباع بربح كبير جدا. وما تفعله سلطة الاحتلال هو انتهاك لميثاق جنيف الذي يوضح بصورة قاطعة مسئولية سلطة الاحتلال عن المساعدة الإنسانية وإعادة الإعمار وغير ذلك من نفقات التطوير والتنمية، وأن استخدام أموال العراقيين لتمويل خطة الخصخصة الضخمة لاقتصادهم يعني أن العراقيين أنفسهم سيدفعون الأموال للشركات الأميركية لشراء الممتلكات العراقية منهم

العدد 423 - الأحد 02 نوفمبر 2003م الموافق 07 رمضان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً