«حكاية الأفواه المنتفخة في اليمن» من الصعب سرد بداية ونهاية لها فهي تبدأ بسحر القات وتنتهي من دون فك طلاسمه، أو تفسير واضح للحال الذي يجعل كثيرا من أهلها كالهائمين المستلقين في كل مكان كالشوارع والأسواق وغيرها متقين بذلك شبح «رازم». ومع ذلك يمكننا أن نوجز الحكاية في أنها تبدأ بدنيا وأحلام وردية وتنتهي بإقرار واقع مر ومؤلم في حقيقته، ولذيذ لمن يدمن عشقه وسحره. ومع ذلك يمكن البدء بالتولع بالمادة الخضراء التي تملأ الأفواه وتحول الأسنان البيضاء إلى خضراء، وخصوصا أن الأمر يتضح قليلا في حال العلم بأن علة ذلك تكمن في وريقات لأشجار القات الذي تعود الشعب اليمني على تعاطيها أو بحسب ما يعرف عندهم بتخزينها لدرجة وصلت مع البعض إلى ما يشبه حال الإدمان وإن نفوا ذلك.
لقد أصبحت الحال النفسية والانفعالية لليمني مرتبطة بتعاطي القات، لدرجة التوهم بأنه عندما ينقطع عنه سيكون في وضع غير طبيعي وعاجز عن الإنتاج. كما أن البعض في حال عدم تعاطيه تطارده الكوابيس المخيفة أثناء النوم، ويلازمه ما يعرف بـ «رازم» وهي أشبه بأحلام وكوابيس ليلية يخيل للشخص فيها أنه سيموت أو مهدد بالسقوط من أعلى مكان مرتفع كجبل أو منزل مثلا، أو أن هناك جماعة تطارده، أو سيارة ستصطدم به. والرازم هذا مؤقت أي يشعر به الشخص عندما ينقطع عن القات ثم يعود إليه، أما في حال الانقطاع الدائم عنه فلا يتعرض لرازم دائم ومع الوقت يعود إلى طبيعته.
إن السواد الأعظم من الشعب صار يؤمن بأن القات أصبح جزءا مهما من حياته اليومية، وعادة اجتماعية من الصعب الابتعاد عنها. كما أن أحد المواطنين الذين تحدثنا معهم على رغم إقراره بأنه بلاء فإنه أكد استحالة منعه. وحتى علماء الدين يلاحظ انقسامهم فبينما يجيزه بعضهم ويعتبره من الطيبات لعدم ثبوت آثاره التخديرية، يحرمه آخرون باعتباره مضيعة للمال والوقت، ومصدرا لبعض الأمراض الخبيثة.
القات للجميع
من الواضح أنه ما اجتمع الشعب اليمني ربما على شيء بقدر ما اجتمع على عشق تلك الوريقات والولع بتخزينها، وكأنها قد نجحت في سحر الكثيرين الذين أصبحوا يدافعون عنها بقوة وان تطلب ذلك نفي مضارها، أو استنكار تشبيهها بالمخدرات وتسببها في الإدمان. ولذلك ليس غريبا فشل الكثير من محاولات التصدي إلى تعاطيها ومنها القرارات الحكومية الصادرة بين عامي 1972 و1976 التي منعت زراعته أو تعاطيه إذ كانت نتيجتها إقصاء رئيس الوزراء آنذاك من منصبه. والغريب أن القات لا يقتصر تعاطيه على فئة أو طبقة معينة بل يشمل مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية والثقافية، فمن الأستاذ الجامعي والطالب إلى عالم الدين والمزارع، ومن عضو المجلس النيابي إلى الطفل والمرأة العاملة أو ربة المنزل.
فعن ظاهرة تخزين الأطفال يقال إنهم يتجهون إليها فقط لتقليد الكبار، كما تحث بعض الأسر المتخلفة أبناءها على التخزين نظرا إلى أنها ترى رجولة الطفل في تخزينه. وفي هذا الصدد حاولنا التحدث مع أحد الأطفال إلا أنه رفض واكتفى بالرد «القات كويس» وذلك عندما سألناه عن سبب تخزينه. أما طفل آخر فذكر لنا أنه أقسم بألا يتذوق القات ولا يتعاطاه عندما يكبر. أما بالنسبة إلى النساء فأصبح تخزينهن عادة اجتماعية يمارسنها وخصوصا في المناسبات كالأعراس والمآتم، وهن يحرصن أثناء جلسات التخزين المسماة بالتفرطة على التجمل وارتداء ملابس جيدة كي يبدين بكامل سعادتهن وزينتهن.
أحد أعضاء المجلس النيابي ذكر أن الأعضاء يلبسون أزرهم ويبدأون في التخزين ثم يدخلون مكاتب اجتماعات لجان المجلس ليناقشوا قضايا المواطنين. ووفقا لأحد الطلبة الجامعيين فإنه يتعاطى القات لتشجيعه على المذاكرة، وكوسيلة للتنشيط الذهني. في حين أثبتت إحدى الدراسات الميدانية أن 65 في المئة من طالبات جامعة صنعاء اللواتي ينتمين إلى مستويات ثقافية واجتماعية مختلفة يتعاطينه لقتل الفراغ.
فوائد ومضار
بحسب ما أشار إليه عدد ممن حدثناهم فإن القات يعد وسيلة للتنشيط الذهني والاسترخاء، ووسيلة لتوثيق الروابط الاجتماعية، إذ يتم التجمع لتعاطيه في مجلس يطلق عليه اسم المقيل يسهر فيه الناس، ويتم من خلاله بحث الكثير من المشكلات والقضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها. أما أبرز مضاره فهي منع الشهية، الانفعال، إمداد المتعاطي بطاقة إضافية سرعان ما تخمد بعد الانتهاء من تعاطيه، كما أنها تجعله كالحالم والرومانسي الهائم. إضافة إلى استنزاف الأموال، وخصوصا لمحدودي الدخل، وأضرار أخرى تطال الجسم والجهاز الهضمي واللثة والأسنان. وبالنسبة إلى النساء فتتمثل في إهمال الأطفال وضياع الوقت.
وهناك مشكلة أخرى إذ يعتبر البعض أن منع زراعة أو تعاطي القات يؤثر سلبا على دخل الكثير من المزارعين الذين يمتلكون مساحات واسعة مخصصة لزراعة أشجاره، وبالتالي فإن الحكومة ملزمة بتوفير وظائف أخرى بديلة لهؤلاء. كما يرى آخرون أن المنع يؤثر على دخل الدولة نفسها إذ إن القات يوفر لها عشرة أضعاف دخلها من البن مثلا، ويوفر لخزينتها ثلث ضرائبها التي تفوق فيها الضرائب الخاصة بقطاعي الصناعة والتجارة.
مخزن بشكل مدمن
مدير تحرير صحيفة «الوحدوية» حمدي البكاري يقول إنه مخزن بشكل مدمن إذ يخزن حوالي ست ساعات يوميا كحد أقصى، فوفقا له أصبح القات جزءا أساسيا من الحياة اليومية والثقافة الشعبية التي يمارسها المثقف وغيره، منوها بأنها أصبحت جزءا من العادات والتقاليد الاجتماعية وإحدى المؤثرات المصاحبة لحركة التواصل الاجتماعي. وعلى رغم ذلك فإنه يقر بأن عادة التخزين مشكلة اجتماعية غير مرتبطة بنزعة فردية، ولا يمكن تغييرها بسهولة، ويستطرد قائلا «الظاهرة ليست سلبية إلى الحد الذي يمكن أن تكون كارثة اجتماعية، إنما السلبية تتمثل في كونها تجعلنا في حال جلوس مستمرة نستفيد منها لتحسين الإنتاج الفكري والذهني وليس العضلي».
ويزيد «من الناحية الاقتصادية لا شك أن القات يؤثر على الإنتاج المحلي إذ يمكن استغلال مساحاته الزراعية ومخزون المياه الذي يستنزفه لمنتجات ذات عوائد أكبر على الدولة، فنحن لا نصدر القات لنستفيد من العملات الصعبة، بل ما يحدث مجرد دوران للعملة المحلية». وأضاف أن المشكلة ليست في شجر القات ذاته بل فيما يعلق به من مبيدات سامة يستخدمها المزارعون لمضاعفة الإنتاج، ويتسبب استخدامها في انتشار عدة أمراض بين متعاطي وريقاتها كالفشل الكلوي. وعن إمكان الدعوة إلى منع تعاطيها ذكر أن هناك تسليطا للضوء على مضارها في بعض الوسائط الثقافية والمعرفية كالمنتديات والإعلام، ومع ذلك أكد أنه ثبت وفق دراسات علمية أنها ليست مادة مخدرة تسبب الإدمان.
أفضل من المخدرات
بالنسبة إلى الصحافي في وكالة الأنباء اليمنية ناصر الربيعي فإن القات يعد المتنفس الوحيد لليمنيين، وهو بأي حال من الأحوال وبحسب تعبيره أفضل من المخدرات المنتشرة في مجتمعات دول أخرى، كما أنه وسيلة للاجتماع في الديوانية أو المقيل كما يسمونه والذي يتحول فيما بعد إلى ما يشبه المنتدى الذي تستعرض فيه قضايا اجتماعية وسياسية مهمة للمواطنين. ووفقا له فإن المقيل يعتبر مكانا مهما للكثيرين إذ تحضره مختلف ألوان الطيف السياسي والطبقات الثقافية والاجتماعية، كما يمكن للصحافيين استغلاله في الحصول على معلومات خاصة بالموضوعات محل النقاش، أوفي القضايا التي يحتاجون فيها إلى قياس الرأي العام. ومن جهة أخرى أشار إلى بعض الدراسات التي أثبتت زيادة عدد النساء المخزنات في اليمن منذ التسعينات حتى الآن، وذلك لأسباب منها كثرة اجتماعاتهن، وتقليد الطالبات للطلبة في الجامعة، والاستعانة بالقات وسيلة للتنشيط الذهني والتشجيع على المذاكرة. ووفقا له فإن جميع نساء الريف مخزنات، وذلك نظرا إلى عملهن مزارعات لساعات تفوق عدد ساعات عمل الرجال، إذ تصل إلى 16 ساعة يوميا، ولذلك يكن بحاجة إلى تعاطيه لإمدادهن بالمزيد من الطاقة والنشاط.
دور الإعلام
معدة ومقدمة برامج في الفضائية اليمنية بثينة القرشي سألناها عن دور الإعلام اليمني في التصدي لظاهرة تعاطي القات فذكرت أنه لا يوجد أي برنامج محلي اهتم بالظاهرة كقضية، إذ إن القائمين على البرامج والعاملين في الإعلام هم أنفسهم مخزنون، وبذلك يصعب عليهم علاج ظاهرة هم أنفسهم يمارسونها. وبرأيها فإن السبب في انتشارها محاولة قتل الفراغ الذي يعيشه المواطن كونه يفتقد الأندية الرياضية أو الأماكن الترفيهية التي يمكنه اللجوء إليها لقضاء وقته. ووفقا لها فان تعاطيه أفضل من الانحراف نحو آفات أخرى كالمخدرات، منوهة بأنها مجرد أعشاب بسيطة منشطة لا تؤثر على العقل، إلا أنه يمكن اعتبارها في الوقت ذاته وسيلة للهروب إذ يرى المخزن الدنيا وردية أمامه ويخيل له في أحلامه بأنه يبني القصور، وعندما يرميه يشعر بحال من الضجر ويرجع إلى الواقع المرير.
علاقة حميمة
بات من المؤكد لمن يتعايش مع الواقع اليمني ولو لفترة بسيطة أن يلحظ العلاقة الأكثر من حميمة بين القات والشعب اليمني، وأن يتوق إلى اكتشاف السحر العجيب الذي يربطهم ببعض، وإن صح التعبير العشق اللا متناهي لتلك الوريقات الخضراء، وبالتالي يدرك صعوبة - إن لم يكن استحالة - القدرة على منعها نظرا إلى ذلك. فعلى رغم الأضرار الناتجة عن القات فإن الكثير من متعاطيه يغضون النظر عنها ويركزون في حديثهم عن فوائده، مؤكدين بشكل أو بآخر عدم قدرتهم على الاستغناء عنه، وذلك في الوقت الذي يستنكرون فيه بشدة وصف حالتهم بالإدمان أو تشبيه القات بالمخدرات متعللين بتحملهم عدم تعاطيه عند السفر إلى الخارج، إذ من بين عدد كبير جدا ممن تحدثنا معهم عن الموضوع لم يصفه سوى واحد فقط بالمخدر.
عموما فإنه من خلال نظرة أولية إلى لب المشكلة يتبين أن عناصر فتاكة كالفراغ والبطالة اللتين تعصفان بالشعب، وتضيفان على الهم المعيشي هما آخر يقاسيه الكثير منهم إلى الحد الذي انعكس فيه بشكل جلي على ملامحهم ومن ثم على عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية. ومع ذلك فإن فئات أخرى مرفهة وعاملة تمارس العادة ذاتها وهو ما يعسر بالفعل إمكان إيجاد تفسير واضح للظاهرة التي يتشارك فيها الغني والفقير، المتعلم والأمي، المتدين وغيره. ولذلك فإن الحلم الذي عنونت به إحدى الصحف المتخصصة في التوعية بأضرار القات قد يكون - من دون إرادة وإقرار جماعي - صعب المنال إذ كان اسمها «يمن بلا قات»، وخصوصا عند الأخذ في الاعتبار الواقع الأقوى من الحلم.
شجر القات له عدة أنواع وأسعاره متفاوتة تتراوح بين مئة وعشرة آلاف ريال يمني وذلك بحسب جودته والمناطق التي يزرع فيها. أما بالنسبة إلى طعمه فيكون في البداية مرا ثم يتحول إلى حلو مع الوقت بالتعود عليه. ويتناول معه البعض سوائل للترطيب كالماء، الشاي، القهوة، والمشروبات الغازية. ويشبهها البعض بالعلكة التي تستمر في الفم حوالي خمس أو ست ساعات، ويخصص لتعاطيها أوقات تبدأ من الثانية ظهرا حتى السادسة مساء، في حين يستعملها البعض من الثانية عشرة ظهرا حتى الثانية عشرة مساء.
تزرع أشجار القات على المرتفعات الجبلية والهضاب وهي من النباتات المعمرة دائمة الخضرة والقدرة الكبيرة على تحمل تقلبات الطقس، ويقال انها في الأصل نبتة حبشية انتقلت إلى اليمن نتيجة الهجرات السابقة للمواطنين. وتتكون وريقاته من مركبات عضوية تؤثر على الجهاز العصبي وتتسبب في إفراز مواد كيماوية تعمل على حفز الخلايا العصبية، ما يقلل الشعور بالتعب والإجهاد ويزيد القدرة على التركيز في الساعات الأولى للتعاطي، ثم يعقب ذلك شعور بالقلق والاكتئاب.
حذرت عدة تقارير دولية صادرة عن منظمات دولية كبرى من تناول القات لاحتوائه على أربعين مادة شبيهة بالقلويات ومعظمها يتشابه مع الكوكايين والأمفيتانيات في تأثيرها على المتعاطي وتؤدي إلى زيادة ضربات القلب والنشاط الحركي واستهلاك الأوكسجين
العدد 437 - الأحد 16 نوفمبر 2003م الموافق 21 رمضان 1424هـ