كان زياد الجراح الطفل الصغير دائما يحب الطائرات. فقد اخبرني والده سامر في غرفة الاستقبال المظلمة الباردة في منزل الاسرة: «عندما كان زياد في السنة الخامسة فقط، ونذهب إلى مكتبة انطوين في شارع الحمراء، يتجه دائما إلى كتاب يحمل طائرة على غلافه».
وأضاف سامر الجراح وهو يهز كتفيه: «وإذا ذهبنا إلى محلات اللعب يريد دائما أن اشتري له طائرة صغيرة. فهو دائما يفتتن كثيرا بالطائرات والمركبات الفضائية».
وعندما يتحدث سامر عن ابنه يحملق في أرضية الغرفة مادَّا يديه بطريقة متوسلة، لان زياد الجراح لم يشتهر في العالم كتلميذ مدرسة يحب كثيرا الطائرة الصغيرة وانما لكونه الطيار الانتحاري الذي خطف الرحلة 93 في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، تلك الطائرة التي تحطمت في بنسلفانيا، ما أدى إلى قتل كل من كانوا على متنها.
ويعمل سامر الجراح مفتش أمن اجتماعي، وزوجته تعمل مدرسة، ويعيشان الآن في نوع من عالم الظل، إذ مازالا لا يفهمان ولا يستطيعان قبول ان ابنهما يعتبر سفاحا، وهما لا يقومان بإحياء ذكرى موته في الحادي عشر من سبتمبر، ويفضلان تذكر حياته في يوم ميلاده. يقول سامر: «الشيء المرعب هو ان زوجتي مازالت تعتقد انه حي».
محنة الأب
والتحدث إلى والد زياد الجراح تجربة مزعجة، اذ انك تتحدث إلى رجل محطم، وهو جالس متكئا على اريكة امامك. وعندما سألته ان كان لم يسأل نفسه عما فعل ابنه في الحادي عشر من سبتمبر؟ بدأ ينتحب، وأخفى رأسه بين يديه، ورد عليَّ بسؤال: «هل استطيع نسيانه؟ عسى الله الا يري احدا مثل محنتي».
ولكن طبعا هناك عدة آلاف من الرجال والنساء الحزينين لقتل احبائهم، من الناس الابرياء في تلك الجرائم البشعة ضد الانسانية، فكم من الشفقة يمكن أن توجد في التعاطف مع سامر؟
كان ابنه في السابعة من عمره عندما شهد أول تجربة عنف، إذ كانت الاسرة تعيش في منزلها في بيروت الغربية خلال الحصار الاسرائيلي للمدينة في العام 1982، في ذروة الغزو الذي كلف حياة أكثر من 17 ألف شخص وانتهى بمجزرة بشعة لـ 1700 لاجئ فلسطيني في مخيمات صبرا وشاتيلا للاجئين في بيروت. يقول والد زياد «كان زياد يستوعب على رغم صغر سنه، فقد كانت القذائف تتساقط حول منزلنا، ولذلك غادرنا وأخذت زوجتي وزياد وشقيقتيه إلى زحلة في وادي البقاع واقمنا في فندق، وكانت البنتان تحبان الذهاب إلى اللعب بالأراجيح في الملعب القريب من الفندق اذكر ذات يوم ارادت شقيقتا زياد ان تلعبا هناك، ولكنه قال لهما: تعلمان ان الوقت غير مناسب للعب الآن، فقد كان يعرف ما يحدث».
هناك مسجد كبير ملاصق لمنزل الاسرة، بدأ المؤذن يطلق نداء صلاة الظهر للقرية الصغيرة. وبعد لحظات، ادركت ان الاب مازال يحاول فهم ابنه: «كان ولدي الوحيد، ولذلك كان مدللا، لا يسأل أو يحتاج إلى أي شيء. لا يسأل اطلاقا عن فلوس. اعتدنا ان نسأله: ألا تريد فلوسا؟ وكنا ندخل أيدينا في جيبه لنرى كم معه من النقد، ونعطيه المزيد من المصاريف».
غرام بالطائرات
وأنا أعامل بناتي بالطريقة نفسها. ولكن ابني كان دائما يرغب في الطيران. ولم نكن نريد له ذلك، لاننا نعتقد انه خطير، لذلك لم يخبرنا في السنوات الأخيرة انه يأخذ دروسا في الطيران. وحل صمت طويل ثم قال: «تعلم أن الصحافيين دائما يبحثون عن شيء ليقولوا هؤلاء هم العصابة التي نفذت العملية. ويتساءلون لماذا فعلوا ذلك. ولكن هل نعلم انهم نفذوا العملية؟ هل هناك دليل مؤكد؟ لقد قالوا انهم وجدوا جواز زياد في حقيبة. ولكننا لم نر شيئا، يزعمون ان ابنى كان طيار احدى الطائرات، ولكن فقط قام بالتدرب (نظريا) على الطيران، انه يقود طائرة على الورق فقط. هل يعني ذلك انه يستطيع قيادة طائرة 757 حقيقية؟ تستطيع ان تعرف فقط ما حدث حقيقة اذا كنت هناك، إذا شاهدت وأحسست بذلك. انني لا احبذ كلمة «عملية» على رغم انها لا تعطي المعنى الحيادي نفسه الذي تعنيه باللغة العربية، ونحن نعلم ان الطيارين الانتحاريين في الحادي عشر من سبتمبر تعلموا فقط كيفية قيادة طائرة، وليس كيف يقلعون بها ويهبطون»، ويستمر سامر الجراح في هز رأسه.
واستطرد سامر «انني لا اعلم حتى ان كان ابنى في الطائرة، فقد اختفى فجأة... هكذا». ولكن جميع الركاب الآخرين في الرحلة 93، اختفوا أيضا، وتحولوا إلى رماد عندما ارتطمت بالأرض بعد أن اقتحم بعضهم الكابينة. هذه هي الطائرة التي صاح فيها شخص جسور قائلا: «دعونا نسافر» وحاول عبثا استعادة الطائرة من المختطفين.
وبدا سامر غير راضٍ عني عندما سألته ان كان ابنه زار افغانستان، فأجابني «كيف اعلم؟ انه ذهب إلى الجامعة في هامبورغ وكان يهاتفني من هناك، ومن اماكن متعددة، ربما اتصل بي من افغانستان». وهناك شائعة بأن سامر يعلم ان ابنه في افغانستان، إذ سافرت الاسرة إلى باكستان في محاولة لاقناعه بالعودة إلى لبنان.
العروس التركية
يقول الاب «كل هذا غير صحيح». ويضيف: «انظر، انه شاب ويريد ان يعيش حياته. انه مثقف وقارئ جيد. كان في الكشافة وفي حركة الشباب ضد المخدرات. اعتاد على الذهاب إلى النزهات مع اصدقائه، ويمارس السباحة والملاكمة. وليست لديه عقد. وقع في حب فتاة وكان يريد الزواج منها».
وهنا أول اشارة للفتاة التركية التي اقامت مع زياد عندما كان يدرس هندسة الطيران في ألمانيا.
يقول سامر: «انها أحبته كثيرا وعندما كان يتدرب في اميركا، جاءت إلى هنا. كان هناك عرس في القرية فذهبت مع فتيات أخريات لتصفيف شعرها. لم تكن جميلة للغاية، ولكن في ذلك اليوم اتصل زياد خمس مرات للتحدث معها، فأخبرته: من الأفضل لنا ان تكون هذه الفتاة معنا دائما حتى تتصل بنا مرارا. وشاهدناه آخر مرة في ابريل/ نيسان 2001، عندما عاد إلى الوطن». ويقول سامر إن ابنه كان انسانا عاديا، يذهب إلى المسجد للصلاة ويصوم في رمضان، ولكن لم يكن متشددا أو أي شيء من هذا القبيل».
في 9 سبتمبر - قبل يومين من الهجمات على الولايات المتحدة - اتصل زياد الجراح بأبيه من أميركا. يقول سامر «هاتفني لكي يشكرني على المبلغ الذي أرسلته له لدراسته، فقد طلب 500 دولار فأرسلنا له 700 دولار عبر بنك بيروت. وكان سعيدا ضاحكا دائما، فاذا كان يعلم انه سيموت فلن يستطيع ان يضحك أو يفرح بتلك الطريقة».
وفي 11 سبتمبر 2001، يقول سامر الجراح «حاولنا نسيان ذلك التاريخ. في 11 ابريل، يوم ميلاده، نحتفي بذكراه. تلتقي الاسرة مع بعضها بعضا طبيعيا، وأمه لا تؤمن بكل ما حدث، واذا تحدثنا عنه في الماضي تقول «ولكن ابنى ليس ميتا، هذه هي مشكلتنا. لن نستطيع حتى الحصول على شهادة وفاة لمدة عشر سنوات ما لم يكن لدينا دليل على وفاته، ولكن ليس لدينا شيء».
في صباح الحادي عشر من سبتمبر، اجرى زياد الجراح مكالمة واحدة أخيرة، لخطيبته في تركيا. قال «انني احبك» وعندما تساءلت الفتاة التركية عما به اعاد العبارة مرة أخرى «انني احبك»، ثم اغلق الخط. وقد احضر سامر الجراح للتو هدية لمناسبة عودة ابنه إلى لندن، إذ تقف اليوم السيارة المرسيدس السوداء خارج منزل الاسرة وقد تراكم عليها الغبار.
ينشر المقال بالاتفاق مع صحيفة «الاندبندنت» البريطانية
العدد 437 - الأحد 16 نوفمبر 2003م الموافق 21 رمضان 1424هـ