إن كيفية تخليص العالم من التعصب، وهو آفة يمكن أن تكون لها عواقب مميتة على نحو ما أثبته التاريخ في أحيان كثيرة جدا، لتمثل أحد أهم التحديات التي يواجهها المجتمع الدولي في الوقت الحاضر. وفي حين ماانفك تحول مجتمعاتنا - بفعل العولمة والهجرة والتنقل على نحو لم يسبق له مثيل - يثير أسئلة جوهرية بشأن قدرة الناس على التعايش، فإن الجهل والخوف من «الآخر» مازالا يُستغلان لتأجيج مشاعر الحقد وتبرير الإقصاء. وبما أنه لا يكاد يوجد مكان في العالم لا تميزه سمة التنوع، فإن تفاقم التعصب يمثل تهديدا للديمقراطية والسلام والأمن على النطاق العالمي.
وربما كان لتلك الأسباب، مافتئ التسامح يمثل أحد المحاور الرئيسية التي تركز عليها الأمم المتحدة في عملها بعد مرور 50 عاما ونيفا على اعتزام الدول الموقعة لميثاق الأمم المتحدة أن تأخذ على نفسها بالتسامح والعيش معا في سلام وحسن جوار. فليس بوسع أي مجتمع حديث أن يقوم أو يزدهر بزرع بذور التعصب.
والتسامح هو أكثر من مجرد التعايش السلمي بين الثقافات المختلفة. إنه موقف فعال وإيجابي مستوحى من الاعتراف بحقوق الآخرين وحرياتهم واحترامها. وهو يعني أن مراعاة الآخرين يجب أن تغلب مشاعر الكراهية والبغض، وأن تحل الرغبة في معرفة «الآخر» محل الجهل والأحكام المسبقة العمياء والتمييز. وهو يعني الحرص على التحلي اليقظ بخلق المسئولية التي تُعنى بكرامة الكائن البشري وبولائنا لإنسانية خليقة بهذا الاسم. والتسامح ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل إنه تفكير متعقل يمكننا من خلاله أن نعمل معا، عن طريق الحوار والتبادل وقبول الاختلاف، من أجل تحديد القيم التي نود أن تكون ركيزة لوجودنا.
ولنتعهد - بمناسبة اليوم الدولي للتسامح - بأن تظل قلوبنا وأذهاننا مفتوحة دوما للآخرين. ولنمارس التسامح الفعال الذي سيساعدنا على بناء العالم الذي نصبو إليه جميعا، عالم ينعم بمزيد من الأمان والسلام
العدد 437 - الأحد 16 نوفمبر 2003م الموافق 21 رمضان 1424هـ