يتوارى خلف أعمدة الصحف وزواياها كتاب يعرضون عقولهم على الناس، ومن هؤلاء الكتاب مقل ومستكثر، أو ناطق بالحق أو ملبس على الناس الحقائق، فيعطي الصنف الأول بقلم متدفق، وفكر نير، وأسلوب مناسب، يسكب روائع أفكاره، في قوالب أسلوبه، وعلى قرطاس زاويته، فالكتاب كالتجار، التاجر يعرض بضاعته وكل متسوق يشتري ما يعجبه ويناسبه، والكتاب يحبرون مقالاتهم بعناية وتركيز شديدين، ليتوغلوا في الغوص إلى مشاعر القراء والمتلقين، بجودة أحاديثهم، وملامستها للحس العام، الذي تجده أحيانا يختلج في نفوس كثيرة من العامة، ولكنهم لا يدرون كيف يعبرون عنه؟ بيد أن الكاتب الحق يلتقط بعض هذه الأفكار ليبوتقها بأسلوبه، ويطرحها بفكره بعد أن ينتقي لها أفضل الألفاظ، وأقرب المعاني، وأسهل الأساليب، لينفثها في عقول الناس فتؤثر فيهم، وتستميل عواطفهم حينا، وتؤثر في سلوكهم حينا، فترى من الكتاب من يتحدث عن هموم الناس ومشاكلهم، ويحاول أن يطرق كل موضوع يجد القارئ بحاجة إليه، فربما خفف من مصيبة، أو آنس مستوحشا، وثبت مفزوعا، أو شارك في حل قضية، أو ساهم في وأد فتنة، والنوع الآخر من الكتاب عكس ذلك يحاول أن يشذ بآرائه، ويثير القارئ بموضوعاته التي يطرقها، باحثا عن شهرة سريعة إن كان جديدا على الكتابة، أو يتلذذ بردود الأفعال إن كان قديم المهنة، فيناقش أمورا لا يحسنها، وموضوعات يتقنها، ولا علاقة له بها، وربما راش سهامه وشحذ قلمه في مهاجمة عالم نحرير،أو مفكر كبير، أو فئة مشروعة، إذ هذا الطريق من أقصر الطرق وأقربها إلى البروز والظهور، فيشغل نفسه، ويملأ زاويته، ويدنس عموده بما لا فائدة فيه ولا طائل منه، يغوص في أعماق النوايا، ويحلل الظاهر، ويستنتج ما لم يقصد، ويبحث عن الاحتمالات، ويقيس الناس بالطريقة التي يتعامل بها، ويرى أن كل كاتب ومتحدث له ظاهر وباطن؛ لأنه ربما استخدم الأسلوب نفسه في كتاباته، إذ يضع تأويلات عدة، حتى إذا فهم الناس ما أراد واستحسنوه وسكتوا عنه فرح، وإذا عارضوه وخالفوه تملص ونكص، وبرر لما أراد بما لا يضره، وهؤلاء وإن كانوا قد توغلوا في بعض الصحف، فإن المتأمل لهم يعرفهم من خلال سقطات كتاباتهم، إذا المريب يكاد أن يقول خذوني.
وهذا القلم المسكين لو استنطق لنطق بعدم الرضا عن كتابات بعضهم، إلا أنه أصبح أسيرا يرزح تحت أناملهم، كما هو حال بعض البلاد المحتلة بأيدي العدو، فأولئك قتلوا الأبرياء والمساكين ونشروا الظلم وأفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وهؤلاء كم قتلوا من حق؟ وأزهقوا من فضيلة؟ وأراقوا من عفة؟ وكم أحيوا من رذيلة؟ أو دعوا إليها؟ وكم أثاروا من فتنة؟ أو أوقدوا نارها؟ وكم زينوا من باطل ومهدوا الطريق نحوه؟ وكم ظالم على ظلمه أعانوه؟ وكم تحاملوا على مسكين وهضموا حقه؟ وكم وقفوا مع عدو وتخاذلوا عن نصرة صديق؟ وكم يسروا على باغٍ وعسروا على طالب حاجته؟ وكم انطلقت أقلامهم للدفاع عن غاصب؟ وانقبضت عن بيان حق؟ وكم تفيقهوا في الفقه من حيث لا يفقهون؟ وكم تشدقوا بالوطنية علنا وطعنوها باطنا قولا وعملا؟ وكم لانوا للأعداء وخذّلوا معهم؟ واستأسدوا على الأصدقاء واستبسلوا ضدهم؟ وكم طالبوا بالحرية وإذا كانت ضدهم قيدوها؟ وكم دعوا إلى الحوار فإذا فلجوا تهكموا بالطريقة التي سار عليها؟ـ إن حضرواـ وكم انتقدوا بحجة ألا عصمة لأحد بعد الأنبياء فإذا نقدوا غضبوا؟ وكم ادّعوا الإخلاص فتفضحهم زلاتهم في ثنايا محاوراتهم أو مقالاتهم؟ وكم استعدوا للمناظرات وطالبوا بها فإذا استقطبوا تخلفوا؟
وحوادث غزة أسفرت عن وجوه، وكشرت عن أنياب، ذلك أن بعض أولئك صاروا من المخذلين في المدينة والمرجفين فيها، وبدؤوا يقعون على الزلات ويتصيدون الأخطاء، كما الذباب الذي لا يقع إلا على القذر، وهاهم اليوم تفضح حماقتهم حماسة غيرهم!
أحمد بن عبد الله الملا
العدد 2343 - الثلثاء 03 فبراير 2009م الموافق 07 صفر 1430هـ