التعبير، سواء أكان صادرا من الأفراد أم من فئات «المجتمع المدني» (النوادي، النقابات، الأحزاب، المنتديات، الجمعيات المتخصصة...) التي تدافع عن مصالح معينة، أو تخدم قيما وأدوارا بيئية وحياتية معينة)، فإن الدافع الأساسي - ولو تعددت الأسباب واللهجات والوتيرات - هو: التبديل، وإعادة التشكيل، وتحقيق التطوير والتغيير.
وما هذا وهذه وذاك.. إلا سُنة الحياة. فالنظم عموما، تولد ثم تنمو ثم تتوسع وتتعاظم، ولكنها أيضا، مثلها مثل أي كائن حي، تشب وتكبر وتشيخ وتترهل، وبالتالي تتوانى وتعجز عن المواصلة... ولا بد أن تتهيأ للتبديل والاستبدال، وأن تسمح لجيل وليد... وثوب جديد.
يقول العرب: أعربَ فلان لفلان عن شعوره وعما يجول في خاطره، وما تُكنُّ نفسُه من أفكار..إلخ. ويقول لغويّو العربية إن عددا من المفردات العربية عادة يأتي في ازدواج متبادل، كأن تتبادل وتتشابه جذور كلمة «عبَّر» أو حتى «عبَر» مع كلمة «أعرَب» (..ان اصلها متوافق أو واحد.) وفي أي الأحوال، فإن مسألة «التعبير» (ومعها «التفكير») تبقى خاصية مميزة للإنسان على غيره من الكائنات، أو على أكثر الكائنات على أية حال.
أما إذا ما جاء سياق ومجال التعبير بـ«الرأي» في الحاجات الحياتية، بما يخص الناس - المرء والمرأة وذويهما - في الأمور المدنية، في مسائل تخصهم، وأمور محلتهم أو بلدتهم، وفيما يمت بمسيس الصلة بمصالحهم الحالية أو مخططات حياتهم وحياة أجيالهم المستقبلية، فإن مسألة التعبير عن هذا وذاك، والتدبر في نواحي «الاختيار» بين الحلول و«الحلول البديلة»... لهي - في المجتمعات الحرة - «ميزةٌ» مؤسَسَّة، بل مسألة «مقدسة».
التعبير شفاهة
ومن اوجه التعبير هنا ما شمل الحديث شفاهة مباشرة في الجماعات والجمعيات، وفي التلفزة والإذاعة، وفي مجالات التعليم في المدارس والجامعات، وخصوصا الجامعات، إذ ينتظر في المجتمعات المنفتحة أن تتوافر الفرص للشباب وللشابات للتدرب على المناظرات، وعلى تنظيم وحضور المنتديات، وللاستماع إلى وجهات النظر المتفاوتة، بل ولتدريبهم على التعبير تهيؤا إلى مرحلة رشدهم... وقبل تسنمهم مناصب المسئولية في مستقبل حياتهم.
ومن أوجه التعبير اللفظي الشفاهي ما يأتي في شكل الأقوال المتداولة بين أفواه الناس، ومنها ما كان من باب «النكتة»، وهو باب واسع لا يستطيع أن يوصده الرقيب! ومن التعبير الشفاهي كذلك ما يأتي زجلا أو «مَثلا» أو حديثا ساخرا. وفن تأليف «الحديث الساخر» هو فن لا يقوى عليه كثير من الكُتاب والمؤلفين، لكنه حينما يصدر يكون فاعلا فعالا. فالتعبير عموما ووسيلة «التعبير الساخر» خصوصا تعمل بشكل مباشر على إيقاظ الضمائر، وإبراز السرائر، وتنوير البصائر.
التعبير كتابة
وهنا تتعدد الوسائط أيضا بما يشمل الرسائل والجرائد والمقالات الصحافية والدراسات في المجلات والدوريات، والمشاركات على الإنترنت. والأصل في الشيء هو عرض الموضوعات واستعراض الأفكار ومناقشة وتبادل الآراء.
ومن جملة مسائل «التعبير المكتوب» في أيامنا... ما بدأ أخيرا في الانتشار باسم «النشر الانترنتي» خصوصا حينما وحيثما تمتنع الصحافة المحلية - نتيجة تأميمها أو شبه تأميمها - عن نشر الرأي «الحر» أو «الرأي الآخر»، أو حينما وحيثما لا يرتاح «النظام الحاكم» لمناقشة مسائل «حقوق الإنسان» أو «الديمقراطية» أو «تعزيز وتفعيل دور المرأة» أو لزومية الموازنة بين الخصخصة و«الملك العام»، أو مقاومة التسلط المفرط للعولمة على حساب المصالح الإقليمية والمهارات الثقافية والسمات التراثية المحلية.
وفي أيامنا الحالية، حينما يتفشى التسلط على «حرية التعبير» وحينما يستحكم تضييق الخناق على مناقشة «القضايا الساخنة» في الصحافة المحلية، يلجأ الناس إلى منفذي «منبر» الإنترنت لنشر مقالاتهم وتبادلها، واستغلال شبكة الروابط الإنترنتية التي توصل القارئ من محطة إلى محطة إلى أخرى بالعشرات والمئات، إلى عوالم رحبة المجالات متواسعة الآفاق.
وهذا «النشر الإنترنتي» يسعى عادة إلى تكوين وتجميع وبث موضوعات ورسائل «مجموعات» من «المتراسلين»... يكوِّنون مجموعات بحوث ومقالات و«أوراق» قد تكون في موضوعات مختلفة متباينة، وقد تقتصر على موضوع معين... فقد تأتي محددة عن بلد معين مثلا... فتتكون معها ومنها ما تشبه «دائرة المعارف» الفورية والمستجدة عن ذلك القطر... أو عن ذلك الموضوع.
التعبير غير اللفظي، غير المنطوق
وبما ان «التعبير» هو مضمار «البوح» بالشعور، والشئون، والشجون، والأفكار، وعلى رغم تعدد وسائط وأنماط التعبير (المكتوبة، المقروءة، السمعبصرية، المذاعة والمشاهدة...) إلا أن هناك عالما فسيحا رحبا، ووسائط أخرى عديدة متعددة للتعبير «اللفظي» وغير اللفظي، وكذلك ما يعبر به عن طريق وسائط «الفنون الجميلة» بأشكالها وأنماطها ورموزها.
فقد يأتي هذا «التعبير غير اللفظي» في أنماط فنية، كالرسم، والنحت، وفن المعمار، والموسيقى، والحركات المُمَوْسَقة، بل وفي اختيار الملبوسات بألوانها وتصميماتها، وفي كمية وأشكال شعر الرأس وتصفيفه... أو في التنوع (والتميُّز) في هذا وهذه وذاك، بما فيها الخروج عن المألوف والتعبير عن الذات أو الرأي... وتعددية الاختيار.
وحتى في «هندسة البيئة» وتخطيط المدن والفضاءات البيئية الطبيعية والمهندسة، فإن تصميم الحدائق العامة الجميلة - مثلا - لا يأتي فقط بهدف أن تكون الحدائق مجرد رئة تتنفس بها المدينة، بل قد يعكس التصميم والتجميل تعبيرا عن عقلية ومدى اهتمام مسئولي تلك المدن بالبَشر القاطنين فيها، وكذلك مدى مسئوليتهم وشفقتهم تجاه الأجيال والأحفاد. وفي أنحاء المدينة - التي تستأهل أن تسمى كذلك! - نجد مسئوليها يعتنون بجمال الأماكن الحديثة والقديمة، ويصونونها من أن تظهر أو تبقى مجرد ركام وراء ركام، ويعملون على حمايتها من أن يعتريها التلوث أو يخنقها الازدحام!
الاختيار... الانتخاب... التصويت
وحينما تأتي الفرصة لإبداء الرأي وإبراز الخيرة والاختيار بالوسيلة والأداة المسماة بـ«التصويت»، الأداة التعبيرية المستخدمة في المجتمعات الحرة، إذ يقوم المواطن والمواطنة بممارسة حق الاختيار باعتباره حقا أساسيا (كحقه في الهواء والتنفس!) وفي تلك المجتمعات الحرة... يكون حق «التصويت» ليس مجرد «منحة» أو تفضل من السلطة على المواطن، بل هو التزام للمواطن، وهو «فرض عين». ولربما نُظر إلى تقاعس المواطن في المشاركة في «الانتخاب» و«التصويت» بأنه تقصير شخصي، وتفريط في الواجب الوطني، بل وإثمٌ في حق المواطنية الصالحة... ولربما اُحتسب عليه في باب «كتمان الشهادة»، أو ما يقارب «الحنث» في تعهد المواطن غير المكتوب في الوعد بتأدية «الأمانة».
وغني عن القول إن مسألة الانتخاب والتصويت لا تعني بالضرورة مجرد «أداء» فروض «الموافقة» أو «البصم»، فإن هناك دائما - في المجتمعات المتحضرة والحرة - فرصة بالطبع للتصويت بـ (لا)، للتعبير عن عدم الموافقة أو الاعتراض.
ولكن كما أن للمواطن حق «الموافقة» و«الاعتراض»، فإن له حق «الامتناع» عن إبداء الرأي أيضا، على رغم انه شارك في عملية التصويت. فالتصويت بالامتناع (عدم الرغبة في إبداء الرأي في هذه المرة أو في هذا الموضوع، أو في هذا الاستفتاء بالذات)... قد يأتي في شكل ترك خانة من خانات الاختيار بياضا. لكن «الامتناع» هنا - في حقيقة الأمر وفي نهاية المطاف - هو«تصويتٌ»، وهو اختيارٌ، و«قرار»! و«الامتناع عن إبداء الرأي» هو مغاير تماما عن التوجه السلبي... حينما يقوم المواطن بالامتناع عن التصويت جملة وتفصيلا، فذلك عمل غير مفضل، وغير مستحب.
فأرجو اننا عندما نتهيأ لتنظيم وإقامة الانتخابات بمختلف مستوياتها (المحلية منها وغير المحلية) أن نعي جميعا، وأن تعي الدولة وأن يعي المواطن (والمواطنة) الدور الخطير وراء ممارسة الحق الأساسي المقدس في المشاركة والتصويت والانتخاب، وأن يؤخذ الموضوع مأخذ الجد، وليس مجرد ممارسة شكلية أو كفقرة احتفالية.
وإن في «التصويت» خصوصا... كما هو في بقية وسائل «التعبير» السلمية لفرصة ذهبية متمدنة للتفاهم والتشاور الجماعي الاجتماعي، بدلا - لا سمح الله - من الانتظار حتى حدوث وسائل التعبير والتبليغ غير المهذبة وغير السلمية، لتوصيل «الرسائل» والرغبات. وبـ «التصويت» - التصويت الحر والمباشر من كل مواطن وكل مواطنة - يتمكن الناس، وتتمكن مختلف مؤسسات المجتمع المدني، من الحوار مع السلطات، ومن تبليغ مطالب الناس وشكاواهم وطموحاتهم.
كاتب سعودي
العدد 490 - الخميس 08 يناير 2004م الموافق 15 ذي القعدة 1424هـ