نفى وزير العمل في اتصال هاتفي أجرته «الوسط» ما نشرته الصحيفة من إحصاءات تبين تساوي عدد التوظيفات مع عدد الاستقالات في الفترة من يناير/ كانون الثاني حتى مايو/ أيار من العام الماضي والتي تشير إلى تسجيل وزارة العمل 11923 حالة توظيف و10797 استقالة في الفترة ذاتها وكشفها موظف بمستند استخرجه من سجلات الوزارة.
وقال العلوي إن الإحصاءات التي كشفت «الوسط» عنها «عارية عن الصحة»، مضيفا أنه دقق في سجلات الوزارة و«لم يتبين وجود الأرقام المشار إليها». ويأتي نفي الوزير بعد أربعة أيام من نشر «الوسط» احصاءات التوظيف والاستقالات.
وأقر الوزير بوجود «عصابات شراء البطاقات السكانية للعاطلين عن العمل» واعدا بضبط من «يقف وراءها والقضاء عليها». من جانبه أوضح موظف الوزارة الذي زود «الوسط» بالمستند اتخاذ الوزارة «إجراءات مشددة لمنع تسريب معلومات أخرى إلى الصحافة وعممت التعليمات على جميع الموظفين مبديا في الوقت ذاته صحة ما نشر كما أبدى استعداده لتزويد الصحيفة بمستندات أخرى».
الوسط - عبدالجليل عبدالله
أثارت «الوسط» في أول عدد لها في السابع من سبتمبر/ أيلول العام 2002 ظاهرة المتاجرة في البطاقات السكانية للعاطلين عن العمل، وكشفت عنها بالصور والحقائق والأرقام مرتين متتاليتين... وحذرت من مغبة ما سيقع ان لم تسارع وزارة العمل الى احتواء الظاهرة، وضبط من يقف وراءها... ولفتت الصحيفة انتباه وزارة العمل لما يجري يوميا من تدمير حقيقي لسوق العمل، ولم تضف جديدا حينها لمقام الوزارة عندما أشارت الى واقع تمركز عصابات شراء البطاقات السكانية أمام مبنى السجل السكاني، والتقطت صورا حية تروي تدمير الوطن بتلقف العاطلين عن العمل واستغلال حاجتهم لإدخال بيانات توظيفية مزورة في بطاقاتهم السكانية مقابل «فرج» مالي عاجل لا يتجاوز الخمسين دينارا، ليقفز بعدها أصحاب الأعمال والمتنفذين على شرط الوزارة بتوظيف بحريني، ويصبح من السهولة إغراق البلد بآلاف الآسيويين من فئة الفري فيزا... والمصلحة من وراء كل ذلك بيع رخص استقدام العمالة الأجنبية التي تدر مبالغ طائلة وتسلم مبالغ منها كل عام مقابل إضفاء الشرعية على وجودها في البحرين.
اليوم وقع ما حذرت منه «الوسط» فأحد الموظفين في وزارة العمل والشئون الاجتماعية كشف معلومات ذات أهمية كانت تخفيها الوزارة على مدى الأشهر الماضية، فمقابل أرقام التوظيف التي تتباهى بها وزارة العمل كشف المصدر بمستند خاص بالوزارة ذاتها كذب ادعاءات التوظيف؛ لأن عمليات التوظيف التي أعلن عنها 90 في المئة منها غير حقيقية أوجدتها عصابات شراء البطاقات السكانية لادخال آلاف من الآسيويين من أصحاب الفري فيزا إلى البلد على حساب العاطلين عن العمل، ولم تتخذ وزارة العمل حيال ذلك أي إجراء مع علمها بما يجري من تلاعب على القانون لأهداف واضحة.
الموظف دعم هذه المعلومات، واستخرج من ملفات الوزارة مستندا يبين بالأرقام أن عدد توظيف البحرينيين خلال النصف الأول من العام الجاري مساو لعدد الاستقالات في الفترة ذاتها. وتبين أن شهر يناير/ كانون الثاني مثلا بلغ حجم التوظيف فيه 2648 حالة، وفي الشهر ذاته سجلت الوزارة 2480 استقالة بمتوسط 130 استقالة يوميا يليه شهر فبراير/ شباط، إذ قالت الوزارة إنها تمكنت من توظيف 2330 مواطنا في حين المستند يشير إلى تسجيل 2144 حالة استقالة بمتوسط 143 استقالة في اليوم.
الإحصاء الرسمي الذي حصلت عليه «الوسط» يبين أن شهر مارس/ آذار سجلت فيه وزارة العمل 2833 حالة توظيف فيما بلغ عدد الاستقالات 2341 استقالة يليه شهر ابريل/ نيسان، إذ بلغ عدد الموظفين 3112 وعدد المستقيلين 2864 استقالة وكانت الاستقالات تحصل بمتوسط 130 استقالة يوميا ويثبت الإحصاء الرسمي أن مايو/ ايار الماضي شهد 968 استقالة بمعدل 121 يوميا من 1000 حالة توظيف قالت وزارة العمل انها سجلتها .
الرؤية تصبح أكثر وضوحا بمعرفة أن إحصاء منتصف نهاية العام كما ذكر المصدر «لا يختلف كثيرا عن إحصاء النصف الاول».
وزارة العمل بدورها لزمت الصمت جراء هذه «المعلومات» التي نشرتها «الوسط» في السادس والعشرين من ديسمبر الماضي... بعد مرور خمسة أيام على النشر من دون تسلم رد بادرت الصحيفة الى إجراء مكالمة هاتفية مع الوزير مجيد العلوي... أثناء طلب رأي الوزير فيما نشر كان الرد نفيه لكل ما جاء من إحصاءات وأرقام، فهي بحسب العلوي «عارية عن الصحة»، إذ قام شخصيا باستدعاء «مديري قسم المعلومات وتم التدقيق في إحصاءات الوزارة، واتضح عدم وجود الإحصاءات المشار إليها».
العلوي طلب أثناء المكالمة الكشف عن اسم الموظف الذي سرب المعلومات ووعد بعدم التعرض له... ولسرية المصادر امتنعت «الوسط»، وأقر الوزير بوجود عصابات تتاجر في شراء البطاقات السكانية للعاطلين عن العمل، وأدلى بمعلومات - غير مسموح بنشرها - إذ قال إن الوزارة تقوم حاليا بمحاربة هذه العصابات وضبطها عن طريق نصب كمائن. واقعيا العصابات التي ذكرها الوزير لا تعمل في الخفاء ولها مجموعات تنتشر أمام السجل التجاري وتمارس عملها منذ أكثر من ست سنوات كما تعمل في مواقع أخرى، العلوي رد في نفيه أنه من الصعب اكتشاف حالات الاستقالات في هذا الشأن وإرجاعها إلى ظاهرة المتاجرة في بطاقات العاطلين إلا بالرجوع إلى التأمينات الاجتماعية ومعرفة الاعداد التي تخضع للتأمين من عدمه.
من جانبه أكد موظف وزارة العمل صحة الإحصاءات التي زودها لـ «الوسط»، مبديا استعداده لتزويد «الوسط» بمستندات تشير إلى معلومات أخرى تبين حال الواقع حتى في ظرف لجوء الوزارةإلى تغيير أرقام إحصاءات الاستقالات المشار إليها أو إخفائها، وقال إن الوزارة اتخدت أخيرا إجراءات مشدده لمنع تسريب أية معلومات الى الصحافة وعممت تعليماتها على الموظفين والإدارات.
وقع ما حذرنا منه...
حينما تسبق الصحافة الحدث قبل أن يقع، وتحذر من وقوعة فإن التحرك الرسمي في الدول التي تؤمن بدور الصحافة ينصب في محاربة المسببات والقضاء عليها بناء على ما تكشفه الصحافة من معلومات.
أما لدينا فإنها تؤذن دائما بـ «خرابه» لذلك لا يبدو مستغربا أن يتساوى عدد التوظيفات في المنتصف الاول للعام الماضي (11923) مع عدد الاستقالات (10797). أما المصيبة فتقع حينما لا يجد الوزير الشجاعة ليواجه الرأي العام، ويعترف بمشكلة تهدد كيان المملكة وتفاقم من بطالة تنخر في عظم المجتمع، لذلك أيضا لا يبدو متوقعا أن يملك الوزير قوة المواجهة من خلال المصارحة والاعتراف بصحة الاحصاءات المنشورة، ولذلك أيضا كان الاختيار ان يمر الموضوع مرور الكرام بلا تعليق لولا مبادرة «الوسط». ما يدعو لاحقا إلى نشر المزيد من المعلومات التي ستستخرج من ملفات الوزارة عن طريق أشخاص يحرصون على كشف الحقائق بدافع مصلحة الوطن والمواطنين وخصوصا أن الوزارة تتعمد نشر الاحصاءات التي تريدها أن تنشر لاظهار معلومات مخالفة للواقع، وتخفي أخرى تكشف تساوي حالات التوظيف مع عدد الاستقالات ما يعني عدم وجود توظيف حقيقي على أرض الواقع سوى نسبة ضئيلة لا تتجاوز 10 أو 15 في المئة كما توضح الاحصائية.
وحتى لا تكون الصحافة كمن يؤذن في «خرابه» نبين للوزير الأسباب التي خلقت إحصاءات مغلوطة لتوظيف العاطلين عن العمل، ولأن اليوم شبيه بالأمس فلايزال يداوم على الحضور يوميا أمام مبنى السجل السكاني في المنامة منذ أكثر من 6 سنوات بحرينيون وأجانب يحملون أوراقا ومبالغ مالية، ويعرضون على المواطنين العاطلين عن العمل تغيير بياناتهم في البطاقة السكانية ليصبح صاحبها - بشكل صوري - عاملا أو موظفا في احدى الشركات مقابل حصوله على مبلغ 50 دينار.
المتابعة الحثيثة لـ «الوسط» خلال العام الماضي والعام الجاري أسفرت عن كشف الحركة اليومية لهؤلاء الأشخاص وهم على شكل عصابات كبيرة تضم جنسيات مختلفة غالبيتهم مواطنين وهنود. ويتخذ هؤلاء مواقعهم أمام السجل السكاني، ويقصدهم يوميا عشرات الشباب العاطلين بدافع الحاجة إلى الأموال، هؤلاء يحرصون على الحضور لساعات طويلة ويستقبلون أعدادا كبيرة من العاطلين «إذ يتم تغيير بيانات بطاقاتهم السكانية ببيانات صورية». وتشير المعلومات الى أنه مضى على عملهم في هذا النوع من المتاجرة 6 سنوات، غير أن الجهات المختصة لم تتحرك لضبطهم حتى هذا الوقت. واختار هؤلاء الأشخاص السجل السكاني موقعا لهم كي يتم الاتفاق مع الباحث عن عمل الذي يدخل مباشرة السجل ليغير بياناته، ولذلك نوضح للوزير ما يجري من إضافة أرقام الى العاملين ليست صحيحة لأناس تكسبهم المادة إلى حوائط الحاجة وقلة المعروض من العمل، ما يتيح دخول الاجانب للبلاد ليحلوا محل البحريني في بعض الأعمال، ولينافسوهم في فرص العمل المتبقية. وعناصر المافيا ليست هي المستفيد الوحيد من عملية الشراء هذه، إذ لا يبدو على هيئتهم أنهم المستفيدون أو الدافعون أساسا إذ انهم مجرد أدوات لآخرين يعملون سماسرة أو وسطاء بين المحلات والشركات التي تحاول التملص من قوانين وزارة العمل الناصة على ضرورة تطبيق التوظيف المحلي للحصول على موافقة الجهات المختصة على إصدار التراخيص المطلوبة لمزاولة الأنشطة التجارية، ولا يقل عدد العاطلين الذين يتم تحويل بياناتهم يوميا عن 30 شابا وفتاة وبعملية حسابية مبسطة، فإن الأموال التي تنفق يوميا للتوظيف الصوري تبلغ 1500 دينار في اليوم أي 7500 دينار في فترة 5 أيام عمل طوال الأسبوع، و30 ألف دينار في الشهر بمعدل 50 دينارا لكل عاطل/عامل تم إغراؤه بالمشاركة في عملية الاحتيال الواسعة. أفراد المافيا يتلاعبون على شرط التوظيف المحلي عن طريق التوظيف الصوري ثم تستصدر مئات الترخيصات الفري فيزا، ويباع الواحد منها بمبلغ 800 دينار.
كل هذا يدعم الإحصائية التي استخرجها الموظف من وزارة العمل والتي تشرح بواقعية ما يجري. لذلك على الوزير أن يوجه وزارته لاعادة النظر في الأرقام الرسمية التي تطرح، ودارسة الأوضاع الحقيقية لسوق العمل المحلية خدمة للوطن وللعاطلين كي نتخلص من بطالة جديده تنتشر بشكل سرطاني في المملكة
العدد 490 - الخميس 08 يناير 2004م الموافق 15 ذي القعدة 1424هـ