موكب العزاء الحسيني جزء لا يتجزأ من تاريخ هذا البلد العريق. لا يمكن لأحد يريد أن يؤرخ للبلد بحرفية ودقة وحيادية دون أن يتوقف أمام هذا الموكب، سواء أيام المد القومي أو بعد الصحوة الإسلامية.
تاريخيا يرجع البعض الممارسات الأولى لمظاهر العزاء إلى قافلة الأسرى من آل بيت محمد (ص)، الذين ساقهم الأمويون أسارى إلى الحاكم المستبد يزيد. هناك في دمشق استضيف من بقي من الاسرة العلوية في دارٍ خَرِبة، وكانت النساء والأطفال يتكوّمون على أنفسهم يبكون ويندبون قتلاهم. وبعض آخر يقف عند عودة القافلة إلى المدينة المنورة، حينها انفتحت أبواب الآلام على مصاريعها، إذ عاد «الأسرى» و«الأسيرات» إلى الوطن دون رجالٍ، وأخذوا يخاطبون الجدّ (ص) بما جرى، وهو ما صوّره الشاعر على لسانهم في بيته الذائع الرهيب: «مدينة جدّنا لا تقبلينا... فبالآلام والحسرات جينا».
طرفٌ ثالث ذهب إلى السنوات التي أعقبت المجزرة، حين قام التوّابون من تحت أنقاض المدينة الخائنة، يكفّرون عن ذنبهم العظيم بخذلان ابن رسول الله بعد دعوته إلى الكوفة عاصمة العراق آنذاك. جاءوا كربلاء شاهرين سيوفهم يبكون وينوحون على أنفسهم أكثر مما كانوا ينوحون على الحسين!
طروحات أخرى، تربط الموكب بعصورٍ أخرى من التاريخ، أيام الفاطميين في مصر أو البويهيين في العراق، أوالصفويين في ايران... وما يهمنا هنا الوقوف عند الموكب في البحرين، وفي العصر الحديث تحديدا، نتلمس مدى التأثر والتأثير بيننا وبين دول الجوار، ولنقف على بعض المحطات البارزة في هذه المسيرة العتيدة.
يحدثنا أحد أقدم الرواديد في البحرين، عبد الجليل الحلواجي، عن الفترة التي عاصرها بقوله: «كان نمط العزاء العراقي يقوم على ان حلقة تردد الكلمات وحلقة أخرى تجيبها، كما تجدونها حتى الآن في مأتم الاحسائيين، ولم يكن الموكب القديم فيه «شيلات»، ثم أخذنا ننتقل إلى النمط البحريني في مأتمنا (بن زبر) الذي كان سائدا في المآتم الأخرى في البحرين. ومع الوقت أخذت الحلقات تكبر وتتداخل في بعضها، حتى كانت تبلغ أحيانا أربع حلقات متداخلة. وكانت حركتها تتراوح بين الوقوف والتحرك بين فترة وأخرى».
وكيف تحوّلت الحركة إلى الأنماط الأخرى الشبيهة بالمسيرة المفتوحة؟
يجيب الرادود المعروف مرتضى الحلواجي بقوله:
- كانت الثورة الاسلامية في إيران من اكبر العوامل التي أثّرت على حركة العزاء في البحرين، إذ حدثت نقلة نوعية كبيرة في الوعي العام وأخذت حركة العزاء طابعا ثوريا تبعا للظروف السياسية السائدة آنذاك. وكان من جرّاء تطوّر الوضع السياسي بالبلد أن خرج موكب الشهيد، في العام 1981، ونظرا لظروف التشديد الامني والملاحقات كان الموكب يخرج من الشارع دون ارتباط بأي مأتم».
الموكب والحياة
كان الموكب يحمل شعارات سياسية ترتبط بالوضع السياسي بالمنطقة، ففي الحرب العراقية الإيرانية كان الموكب يتكلم عن «تحرير كربلاء»، وأصبح صدام هو يزيد العصر، فيما وضع الموكب الامام الخميني في موقع الإمام الحسين. ومما يحسب لهذا الموكب شجاعته الأدبية في فضح سياسة صدام والتنديد به في وقت كان أغلب الإعلام العربي يصفق له.
وفي فترة لاحقة، ارتبط الموكب بالحركة المطلبية ورفع شعاراتها، وكان أهل القرى ينزلون للمشاركة في مواكب مآتم معينة حتى تغص شوارع المنامة الضيقة وينحشر أكثر من 150 ألفا في بقعة لا تزيد على ثلاثة كيلومترات مربعة.
الرادود كان يتعرض للملاحقة وخطر الاعتقال، وفي موكب الشهيد كان المعزون يعملون حلقة دقيقة مغلقة حول الرادود لحمايته والتغطية على شخصيته برفع عدد كثيف من الأعلام حوله لكي لا يكشف، ومع ذلك دخل الكثير من الرواديد السجن، فمن موكب الشهيد المرحوم جاسم المطوع وغازي العابد، ومن غيره مهدي سهوان وعلوي أبوغايب وحسين الأكرف وجعفر وصالح الدرازي وآخرين، من بينهم الشعراء الذين يكتبون القصائد.
حركة الموكب
وما هو تأثير ذلك على الموكب؟
- نتج عن اعتقالهم ظهور صفٍ ثانٍ من الرواديد فأثروا الساحة، وكان أولئك يحيون عاشوراء في السجن ويضعون ألحانا جديدة، ولما خرجوا واصلوا قيادة الموكب.
وهل توجد صور لموكب الشهيد التاريخي؟
- لم يكن أحد يحتفظ بصورٍ لتلك الفترة نظرا لما مرّت به البلد من ظروف أمنية مشددة في العقدين الأخيرين، كما ان هناك عاملين سلبيين ساهما في عدم وجود صور عن هذه الفترة، شعبي وحكومي، فشعبيا كانت هناك نظرة سلبية لتصوير المواكب آنذاك، وربما تطاول المعزون على من تجرأ على التصوير ومنعوه. أما حكوميا فكان هناك انغلاقٌ وتجاهلٌ تامٌّ من الإعلام الرسمي لهذه المواكب على كل المستويات.
وكيف تحولت حركة الحلقة إلى السير في مسيرات أو إلى الوراء؟
- كانت الطفرة بعد الثورة في إيران، إذ مع زيادة الصحوة الاسلامية زاد التوجه إلى قضية الامام الحسين (ع) والاقبال على المواكب. أما الحركة إلى الوراء فهناك قصة طريفة جرت في ليلة الأربعين العام 1982، إذ كان موكب «بن زبر» محاصرا في مكانه لكثرة المواكب وازدحامها، وكانت القصيدة حماسية ومؤثرة (أنا للموت قادم.. أنا ابن الحسن جاسم)، فأخذت الحماسة من المعزّين مأخذها، وبدلا من التوجه إلى الأمام أخذ المعزون يقابلون بعضهم بعضا ويلطمون صدورهم، فلما خفّ ضغط الزحام استمر الموكب على حاله يمشي للوراء، فاستحسنت بقية المواكب هذه الطريقة العفوية ومازالت مستمرة حتى اليوم!
التبادل «الدولي»
وما مدى تأثر موكب البحرين بالدول المجاورة؟
- طريقة مواكب البحرين متميزة فعلا، بالنسبة إلى العراق طريقتهم مختلفة، فهو يعتمد على الوقوف ويلعب المعزون دورا في الترديد، بينما في البحرين يكون العبء الأكبر على عاتق الرادود، لأن الموكب يكون متحركا، ويصعب على المعزين الترديد، فهو يقوم بغالبية ذلك ويتحمل الجهد الكبير فتراه يأتي بقصيدة كاملة طويلة وليس على المعزين غير ترديد مقطع قصير.
وماذا عن إيران؟
- لم يتأثر الموكب البحريني بالإيراني لأنا لا نعرف لغة الايرانيين، ومن هنا لا مجال للتأثر فنيا من حيث المضمون كموكب، لكن ربما يكون التأثر من الناحية الفنية على مستوى الألحان واردا.
وماذا عن لبنان؟
- ليس هناك أي تأثر بلبنان كموكب، بل أقول انهم يتأثرون بنا.
وكيف تجزم بذلك؟
- لأن في لبنان لا يوجد رواديد على مستوى كبير ومشهور، قد تجد الأسماء الكبيرة في العراق أو إيران أو حتى الكويت، لكن في لبنان لا يوجد رادود كبير. بل إنك تجد أشرطة الرواديد البحرينيين منتشرة في لبنان وسورية، حتى «المنار» تبث مقاطع من العزاء البحريني. لكن لبنان أثرى الموكب في البحرين بشيوع نبرة الافتخار بما حققته المقاومة الإسلامية من إنجازات وانتصارات
العدد 539 - الخميس 26 فبراير 2004م الموافق 05 محرم 1425هـ