في حديث نبوي شريف ورد في صحيح الترمذي عن يعلى بن مرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط»... فالامام الحسين بن علي بن أبي طالب هو سبط النبي (ص) فأحبه النبي (ص) وقرن محبته بأعلى الدرجات في قوله (ص) «أحب الله من أحب حسينا» كما أحبه أهل البيت الذين كرمهم الله في قوله تعالى في (سورة الأحزاب: 33) «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا» وأحبه الناس الذين عاصروه، وأحبه العرب والمسلمون على مر الزمن ومنذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمن... فالامام الحسين بن علي لم تنس ذكراه فهي تتردد علينا كل عام في شهر محرم الحرام، لتذكرنا بالمأساة الانسانية المؤلمة التي سجلها التاريخ الاسلامي عبر فترة مظلمة من تاريخه في خلافة يزيد بن معاوية... هذه الذكرى السنوية الحزينة المؤلمة في استشهاد سيدالشهداء الامام الشهيد الحسين بن علي (رضي الله عنه) وأرضاه، تدمع لها العين بغزارة ويتألم لهم القلب المفجوع، ويحزن لها كل مسلم مؤمن أحب بيت النبوة، وتعلق فيه بحب النبي (ص)، واسباطه، وآل بيته المطهرين، الذين كانو المثل الأعلى في حب الاسلام والدفاع عنه وعن ثوابته فكانوا بحق وحقيقة مثالا حيا يقتدى به في الإيمان والدين والخلق، وفي التعامل والدفاع عن الحق ومساندته والثبات عليه، وفي النصيحة والعمل الصالح المقتدى به، فهم نور الحق ومشعل الحرية الدينية الناصحون لكل المسلمين في كل زمان ومكان، عندما يقتدون بهم في دينهم ودنياهم وتعاملهم.
أيام محرم الحرام من أوله إلى العاشر منه هي فترة زمنية محددة محفورة في قلوب المسلمين، وبذكرى نقف عندها كل عام لنذكر سيد الشهداء الامام الحسين بن علي (ع)، ونذكر بذلك شخصية اسلامية، هي علم من أعلام المسلمين الذين ضحوا ببسالة وثبات من أجل الحق والعدل والثوابت الدينية، ورفعوا رايات البسالة والعدالة والتضحية وحيدين في مواجهة طغيان العصر آنذاك... نذكر أبا الشهداء... الحسين بن علي (رضي الله عنه)، الذي أحبه النبي (ص)، ودعانا نحن المسلمين جميعا لحبه... فنحن جميعا وخصوصا على أرض هذا البلد الطيب مقتدون بالنبي (ص) ومحبون للحسين بن علي (رضي الله عنه)، فهو سيد شباب أهل الجنة، وهو من آل البيت المطهرين، وريحانة النبي (ص) وهو الذي استشهد دفاعا عن الحق والعقيد والقيم الاسلامية الرفعية التي عاشها ومارسها في بيت النبوة، وفي ظلال امام المتقين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه ورضي الله عنه)، فكان بحق وحقيقة الأسوة الطيبة الحسنة لمناصرة الحق والدفاع عنه، والمثل الأعلى في كل منطلقات الحياة... في التضحية والفداء، وفي الايمان، والعطاء وفي الأخلاق والخلق، وهو (رضي الله عنه وأرضاه) شهيد الحق والواجب، ورمز من رموز الشموخ والشجاعة والقوة، استشهد دفاعا عن الدين والمقدسات والواجب، وحفاظا على مكانة الاسلام ووحدة المسلمين ومكانة أهل البيت المطهرين.
الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (رحمه الله ورضي الله عنه)، من خيار المسلمين الأوائل، ومن رواة الحديث النبوي الشريف، وله مكانة رفعية لدى الصحابة والتابعين والمسلمين الأوائل، لقربه من النبي (ص) الذي اكسبته جمائل الاخلاق والرقة واللطف والخلق الحسن، والطيبة والورع، والمكانة الرفعية لدى المسلمين، رقيق في تعامله، رفيع في مكانته، صاحب علم صائب، وفطنة طبيعية، ووفاء متمكن، مثالا حيا رائعا للتواضع والمحبة، وشخصية مميزة تمثل أهل البيت في البساطة والخير، وفي السعي الى الخير والحث عليه، قريبا من الصحابة والخلفاء الراشدين، مقدما في كل مجلس من مجالس الأمة، وله مكانته الرفعية في مجالس المدينة المنورة، لقب بالرشيد وبالطيب وبالزكي وبالوافي، والسيد المبارك، والتابع لمرضاة الله، والسبط، وأشهر هذه الألقاب المحببة اليه، هو الزكي وأعلاها مكانة ورتبة ما لقبه بها النبي (ص) في قوله عنه ومن أخيه الامام الحسن «انهما سيدا شباب أهل الجنة».
والإمام الشهيد الحسين بن علي (رضي الله عنه) هو السبط المحبب من رسول الله (ص) والده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، ابن عم رسول الله الذي دخل الاسلام بإيمان وصدق واخلاص وهو صبي مؤمن به، وأمه سيدة نساء المسلمين، وسيدة أهل الجنة... فاطمة الزهراء (ع)، بنت رسول الله (ص) وهو الابن الثاني للامام علي بن أبي طالب (ع)، ولد في خمسة من شعبان من السنة الرابعة للهجرة النبوية الشريفة، وحنكه رسول الله بريقه، وأذن في أذنه ودعا له وسماه حسينا، فجمعت فيه المحاسن، وركزت فيه القيم، قيم الحسن والاحسان، وهو المحسن الذي تركزت فيه المحاسن، والحسن والطيبة، والخلق الكريم الرفيع، الذي لم يفارقه حتى وفاته وذلك في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين للهجرة.
ومن يتطلع اليوم على ما سجله التاريخ من ملحمة كربلاء الخالدة يتعرف على أشياء كثيرة لا تليق بالمسلمين الأوائل، تفجع القلب وتدمي الفؤاد، وتهز الضمير الانساني، ويتألم لها كل مسلم له ضمير حي، لما حصل في يوم عاشوراء على أرض كربلاء في أرض العراق، ومنذ فجر التاريخ الاسلامي، فهذا الامام الحسين (ع) سبط النبي (ص) ومعه آل بيته من نساء وأطفال ورجال ومناصرين يعاملون معاملة قاسية دامية لا تليق بالانسان... فكيف يكون... ذلك وهم من بيت النبوة ومن آل البيت المطهرين، يساقون سبابا ويقتلون على أيدي أشرار خلق الله، أنها مأساة محزنة سجلها التاريخ الاسلامي المظلم، في عصر غلبت عليه روح الجاهلية، وضاع منه الايمان. واستفحل فيه الطغيان، فسجل هذا التاريخ في حياة الامة الاسلامية، جرحا أليما داميا، تدمع له قلوب المسلمين في هذه الذكرى... ولانزال مستمرين نذكره كل عام في شهر محرم الحرام... لنذكر فيه الفداء والعطاء والمصاب الأليم الذي حل بالامة الاسلامية... ولابد لنا ان نستمر في هذه الوقفة المتأنية الهادئة من كل عام لتكون لنا وقفة تأمل وذكرى نعتبر بها، ومنها، لما حصل في ذلك اليوم المحزن الأليم على المسلمين، ولتكون لنا دافعا، ان ننبذ الحقد والكراهية من نفوسنا، وان نستنير بنور الاسلام وندعو للمحبة والألفة والتعاضد، حتى لا تظهر في نفوسنا روح الجاهلية الأولى وحتى نفرق بين الحق والباطل، ونقتدي بأئمة المسلمين، وبعطائهم المستنير في أمور حياتنا وفي منطلقاتنا الاسلامية والانسانية.
ولابد لنا ان نعتبر، فالحياة كلها عبر لمن أراد ان يستفيد من الماضي، نعتبر من كل ما اتصف به إمام الشهداء الحسين بن علي (ع) وأرضاه، وأن نتصف بالصفات الكريمة التي عاشها في حياته، وفي محنته، وفي حبه وعطائه، فقد اشتهر (ع) بمكارم الاخلاق والمستوى الرفيع في التعامل، يكرم الضيف ويجيب المحتاج، ويصل الرحم، ويساعد الفقير، ويسعف السائل، ويكسو العاري، ويشبع الجائع، ويعطي الغارم، ويفك أسر الضعيف ويشفق على اليتيم ويعين أهل الحاجة، كريم في أخلاقه، عظيم في عطائه، رفيع في تعامله، سيد من سادات العرب وإمام جمع المسلمين على الخير والفداء، وعن الدفاع عن الحق والعدل وخير المسلمين، إنه سيد الشهداء جمعت فيه المحاسن وركزت فيه القيم فكان (ع) الإمام العادل، الذي لا يقول الا حقا ولا ينطق الا بما علمه القرآن، وتربى عليه في بيت النبوة الطاهر، ومجالس أهل البيت والصحابة الأبرار، ولتكون عبرتنا الأولى من هذه المحنة، نبذ كل ما هو دخيل على الاسلام، ولنكون متآلفين، متعاونين، أخوة متحابين في مملكة الخير والعطاء مملكة البحرين التي تجمع الجميع تحت مظلة التقارب والتعاون والأخوة فنحن جميعا نعيش على أرض هذا الوطن الحبيب الذي اعطانا كل ما نضطلع اليه من مستوى رفيع ينعم بالأمن والأمان والاستقرار، فشكرا لله على هذه النعمة وليكن دعاؤنا الى الله دائما (لتدوم علينا هذه النعمة وييسر أمورنا واجعلنا دائما متعاونين متحابين في كل أمور حياتنا واجمعنا على الترابط والتفاهم في كل ما نضطلع اليه عبر المودة والتآخي).
وفي هذه الايام التي تمر علينا ذكرى كربلاء، فهل لنا نحن أبناء الامة الاسلامية ان نتعلم منها ومن تضحيات سيد الشهداء في العطاء والفداء، والدفاع عن الحق بكل معطياته... لقد علمنا الامام الحسين (ع) ان الحق لا يسكت عنه وان الواجب، مقدس، وان الشهادة مبتغى أهل الجنة، فكان عظيما في عطائه وفي مثاله وفي تضحياته، عظيما في استشهاده، عظيما في شجاعته ومواجهاته، عظيما في الدفاع عن دينه وعرضه وأهل بيته... هذا العطاء النادر المتميز هو المثل الأعلى في الانسان العظيم، وفي العطاء وفي التضحية، فكان الامام الحسين (ع) عظيما في حياته، عظيما في مماته، عظيما في ذكراه، عظيما لدى محبيه ومتبعي سيرته، أنار الطريق وأكد ان من له حق فلابد له ان يسعى اليه، ويدافع عنه، ويستشهد من أجله... وفي هذه الايام الصعبة على المسلمين فنحن مطالبون بالتضحية والعطاء، والدفاع والذود عن مقدساتنا وأمتنا الاسلامية... وان نتعلم ان التضحية والعطاء، هما واجب مقدس يحتم علينا ان نكون في الطليعة للقيام بالواجب. كل من منطلقه وامكانه، فالقدس أسيرة وكل يوم نرى ما يحل بالشعب الفلسطيني والامة الاسلامية، كما نرى ما حل بالعراق، من غزو ودمار ونهب وسلب واحتلال وقتل الابرياء، فهل لنا نحن العرب والمسلمين من وقفة... وان هذه الفترة هي أنسب الايام لهذه الوقفة. لتكون هذه الأيام أيام ذكرى الحسين، قدوة حسنة لنا نقف معها، ونتطلع الى المستقبل بوحدة وتآزر، وندافع عن كل ما نؤمن به بقوة ووحدة... ونتعاون على ذلك بكل ما اوتينا من قوة وحسن تدبير بالعلم والعمل المستنير وبالتآخي والوحدة، وبالتعاون والسعي الدائم الى حب الوطن والدفاع عنه، والمحافظة على مكتسباته ومكانته بين الأمم، فالكل منا مسئول وعلينا واجب، فلنعمل بعقل منفتح مستنير لنواكب العصر، وعلى ذلك فليعمل العاملون.
هذا والله الموفق والهادي والمعين، والله من وراء القصد وعليه فليعمل العاملون.
مؤسس بيت القرآن والأمين العام
العدد 539 - الخميس 26 فبراير 2004م الموافق 05 محرم 1425هـ