استعد الحسين للخروج من مكة حين سمع مقولة رجال يزيد: «والله لنقاتلنه ولنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم» متوجها إلى العراق خوفا أن يستحل جنود يزيد حرمة الحرم بقتله «لأن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلى من أن أقتل بمكة» قال الزبير بن بكار حدثني محمد بن الضحاك قال: «لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة مر بباب المسجد الحرام وقال: لا ذعرت السوام في فلق الصبح مغيرا ولا دعيت يزيدا وأعطى مخافة الموت ضيما والمنايا ترصدنني أن أحيدا» فطاف الحسين «بالبيت وبين الصفا والمروة وقصر من شعره وحل من عمرته ثم توجه نحو الكوفة» فإذا هو في طريقه لقى الفرزدق «فسلم عليه وقال له أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب فسأله الحسين عن أمر الناس وما وراءه فقال له قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء».
لم يخرج الحسين «باطرا» فقد استشار من كان من الصحابة في مكة، أشار معظمهم بعدم الخروج، عن ابن عباس قال استشارني الحسين في الخروج فقلت: «لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب» ثم إنه نصحه قائلا: «إن كان قد دعوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم وإن كان أميرهم حي قاهر لهم فانهم إنما دعوك للفتنة والقتال» فرد عليه الحسين: «إني أستخير الله وأنظر ما يكون». اما ابن الزبير فقال له: «ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم أخبرني ما تريد أن تصنع؟» فقال له الحسين: «والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة ولقد كتب إليّ شيعتي بها وأشرافها بالقدوم عليهم وأستخير الله» فقال ابن الزبير: «أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها» .كما ان ابن عمر لحق بالحسين وعلى مسير ثلاث أيام بعد أن بلغه أنه توجه للعراق، فقال له: «لا تأتهم» وبعد حديث بينهما اعتنقه ابن عمر وبكى وقال «أستودعك الله من قتيل» وقال له بن مطيع: «إنى فداؤك وأبي وأمي فأمتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيدا وخولا». وكتب له عبدالله بن جعفر: «أما بعد فإني أسائلك بالله لما انصرفت حتى تنظر في كتابي هذا فإني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم طفئ نور الإسلام» فكان جواب الحسين لكل من خوفه بالنهاية: الموت. وقال: «وخير الأمان أمان الله».
وكانت الكوفة تمور بالدسائس والرشا للسيطرة على الوضع من قبل رجال يزيد، وكانت الجماعة الثائرة طلبا للحق تلتف حول مسلم بن عقيل لا تطمع في شيء من الدنيا سوى العدالة. فاجتمع مع مسلم رجال بالآلاف وسمع بذلك أمير الكوفة النعمان بن بشير فقام في الناس خطيبا يدعوهم إلى الألفة وعدم الاختلاف وهدد إن هم خذلوا الحسين، فعزله يزيد ونصب بن زياد مكانه، فبدأ يرسل جواسيسه ويزودهم بالمال ليدبروا المكائد ليكتشف قواعد أصحاب الحسين، ثم دخل الكوفة متنكرا : «بعمامة سوداء فجعل لا يمر بملأ من الناس إلا قال سلام عليكم فيقولون وعليكم السلام مرحبا بابن رسول الله يظنون أنه الحسين». وتكشف كتب التاريخ الكيفية التي لعب فيها المال في الكشف عن مقر قيادة الثورة إذ انتقل مسلم إلى دار هاني بن عروة المرادي ثم إلى دار شريك بن الأعور من أكابر العرب ووصل مسامعه أن عبيد الله يود زيارته فعزم على قتله شر قتلة، غير أن مسلم لم يقتله فخرج بن زيادمسرعا هربا عندما حس بالأمر. فظن شريك أن مسلم جبن، فقال له: «بلغني عن رسول الله (ص) أنه قال الإيمان ضد الفتك لا يفتك مؤمن وكرهت أن أقتله في بيتك» ومات شريك بعد ثلاث.
القي القبض على هاني وجيء به إلى قصر الإمارة فضربه ابن زياد بالقضيب فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب ثم أمر بحبسه» فتجمع أصحاب مسلم وكان عددهم كبيرا في البداية إلا إنهم تفرقوا عنه بعد ذلك بسبب المؤامرات التي حيكت وبقي وحيدا لا ناصر له ولا معين وقبض عليه عند سيدة فاضلة آوته بعد أن سقته ماء لشدة عطشه، واقتيد إلى قصر الإمارة حيث أخذ «إلى أعلى القصر وهو يكبر ويسبح وألقى رأسه إلى أسفل القصر وأتبع رأسه بجسده». ثم أمر بقتل هاني بسوق الغنم وصلب بمكان من الكوفة يقال له الكناسة.
وبينما الحسين في طريقه إلى الكوفة أتاه خبر مسلم وكيف خذله الرجال وتفرقوا عنه، قال: «كل ما حم نازل عند الله نحتسب وأنفسنا وفساد أئمتنا» وقال: «لا خير في العيش بعد هؤلاء» ثم التقى نفر من أصحابه قادمين من الكوفة قال لهم الحسين: «أخبروني خبر الناس وراءكم» فقال له مجمع بن عبدالله العائذي: «أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم يستمال ودهم ويستخلص به نصيحتهم فهم ألب واحد عليك وأما سائر الناس بعد فإن أفئدتهم تهوي إليك وسيوفهم غدا مشهورة عليك».
هنا نشاهد روعة الفكر الإنساني لحظة وقوع المصيبة، فالحسين لم يجزع ولم يحاول العودة عما هو ذاهب إليه: «صلاح الأمة». ثم هو خير أصحابه الذين يرافقونه، فقال: «من أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه وليس عليه منا ذمام» فانصرف جماعة منهم ولم يبق منهم إلا أهله وبعض صحبه المخلصين الذين قالوا مما قالوه: «لا والله لا نبرح حتى (...) نذوق ما ذاق أخونا» من ثم بدأ حصار الحسين من قبل رجال بن زياد يقف عليهم الحر بن يزيد الذي تلقى رسالة تأمره بأن «يجعجع» بالحسين و «لا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء» فأخذ يبعد الحسين عن طريق الكوفة واتفق معه على أن يأخذ طريقا لا تدخله الكوفة أو ترده إلى المدينة حتى يكتب لابن زياد يستوضحه الأمر. ثم خطب الحسين وقال «إن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما». ثم دنا الحر منه وقال: «يا حسين إني أذكرك الله في نفسك فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى» فقال له الحسين: «أفبالموت تخوفني؟... ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه ولقيه وهو يريد نصرة رسول الله:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى
إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
كان الحسين في قدرته الانتصار على الفرقة التي يقودها الحر الرياحي قبل أن تصل الإمدادات الضخمة إلا إنه لم يبدأ بالقتال لكونه تعلم من مدرسة محمد وعلي، ألا يبدأ القتال ضد الموهومين بالقوة والسطوة وسلب الناس. وقد قال زهير بن القين للحسين: «يا بن رسول الله إن قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمري ليأتينا من بعد من ترى ما لا قبل لنا به» فرد الحسين: «ما كنت لأبدأهم بالقتال»، وقال يوم العاشر: «لست أخاف الموت، إن نفسي لأكبر وهمتي لأعلى من أن أحمل الضيم خوفا من الموت، وهل تقدرون على أكثر من قتلي، مرحبا بالقتل في سبيل الله».
وكان كتاب الوالي واضحا: إن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، وأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم». وقد كانت جائزة - عمر بن سعد - ولاية الرّيّ إن خرج على الجيش الذي توجّه لقتال الحسين وظل فترة يتردد بين الخروج والقعود، وقال:
أأتركُ مُلك الرّيّ والرّيّ مُنْيَتي،
أم ارجعُ مذموما بقتل حُسَيْن
وفي قتله النار التي ليس دونَها
حجابٌ وملكُ الرّيّ قُرّةُ عَيْن
جميع أصحاب الحسين فضلوا الكفاح على كل متع الحياة، حين نرى أن قادة يزيد غلبهم حبّ الدنيا والرياسة يتنافسون فيما بينهم على رؤوس قتلى أصحاب الحسين (ع)، بينما جمع احسين أصحابه وخطب فيهم قائلا: «أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أولى ولا خيرا من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعا خيرا...هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله فإن القوم إنما يطلبونني ولو أصابوني للهوا عن طلب غيري» فرد أهل بيته:«فما يقول الناس؟ يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا ...لا والله لا نفعل ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك».
وقام زهير بن القين وقال: «والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك»، فعلا التكبير بين أصحابه إذ قالوا بلسان واحد: «والله لا نفارقك ولكن نقيك بنحورنا فإذا قتلنا كنا قضينا ما علينا».
وترك الحر الرياحي الذي (جعجع) بالحسين معسكر عمر بن سعد ولحق بالحسين وحارب بصفه وقال مما قال في خطبة له: «يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلون أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه... وأصبح في أيديكم كالأسير وحلأتموه ونساءه وأهل بيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي تمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وهاهم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته».
في صباح العاشر الذي اصطبغت به السماء بلون الدم إذ جز رأس الشهيد الحر الحسين بن علي (عليه السلام) وجزت معه رؤوس أصحابه الشهداء الأحرار جميعا ومُثّل بهم شر تمثيل، خطب الحسين، فقال: «يا عباد الله اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر فإن الدنيا لو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد لكان الأنبياء أحق بالبقاء وأولى بالرضاء وأرضى بالقضاء غير أن الله تعالى خلق الدنيا للفناء فجديدها بال ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر ... فتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقوا الله لعلكم تعلمون». وحال انتهاء الحسين من كلمته قال له قيس بن الأشعث: «أو لا تنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه» فقال له الحسين: « لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذلي
العدد 543 - الإثنين 01 مارس 2004م الموافق 09 محرم 1425هـ