العدد 543 - الإثنين 01 مارس 2004م الموافق 09 محرم 1425هـ

مسيرة موكب التعزية والمسرحة

قراءة في فعاليات عاشوراء البحرين

إن مواكب التعزية السيارة في البلاد تحمل الإمكانات المسرحية المختلفة فأنت ما إن تفتح عيونك على المواكب السيارة في مختلف مناطق الإحياء حتى ترى أنها تتشكل في مجموعات: مجموعة الشبيهات، مجموعة اللاطمين، مجموعة الخيول، مجموعة الجمال، إذ تقوم كل مجموعة منها بعمل معين وإن كل عمل من هذه الأعمال يعمد إلى تسجيل صورة من صور كربلاء ويستبطن مشهدا من مشاهد الواقعة وما بعدها وخصوصا المشاهد التي تمكنت من المخيلة الشعبية الخاصة وسكنتها وبدأت تعيد تشكيلها وتثبت أهم أطرها وليس غريبا أن تتحد هذه المشاهد في أنماط تتشابه في كل مواكب الإحياء لتحمل في ثناياها أهم العناصر ولتتحول في نهاية الأمر إلى رموز تاريخية حاضرة، وإن من أهم ما يجعل هذه المشاهد حاضرة في مخيلة مواكب التعزية السيارة من دون غيرها هو إمكان إعادة شحنها بالواقع ولذلك نراها تتكرر زمانيا ومكانيا إلى أن تصبح أكثر تجريدا وقدرة على احتواء العمق الدلالي الذي تنشحن به ذاكرة المخيلة حين مشاهدتها، فمجموعة الشبيهات تستقطع مشهد ما بعد الذبح متناسية التسلسل الزمني، إن هذا المشهد يصور الضحايا وتلك الأجساد المقطعة الأيدي والرؤوس التي قدمت نفسها في سبيل مبادئها وإن حملهم والمشي بهم في البلاد يستبطن حمل الضحية التي أسقطت على التراب فارتفعت فوق الرقاب والمشي بها في موكب التاريخ لتكون شاهدة على الزمن... إنهم قتلى الرأي، الذين يتمثلون طريقة السماء المتحررة من الاستعباد في مقابل طاغي الأرض الذي يستعبد الإنسان وتتجمع فيه كل الصفات القبيحة ولذلك نرى أن هناك مجموعات أحيانا تتمثل صورة القتلة في أسوأ صورة تصطنعها المخيلة من وجوه مشوهة سوداء بالخزي والعار وفي نظرات قاسية صلفة، ثم مجموعة الخيول ورجالها الذين يمثلون رجال وجنود الجيش القاتل وعتاده الحربي والذي تمت به مواجهة آل البيت ويتم به مواجهة من يسلك طريقتهم من محبيهم في هذه الحياة وفي المقابل خيول مطرزة أجسادها بالسهام والرماح وكأنها تمثل خيول الشهداء تلك الخيول التي رافقتهم في جهادهم وكم تحمل الخيول في داخلها من رموز العزة والإباء سواء عبر المخيلة أو عبر النص فصفة العزة والشرف والخير قرينة الخيول دائما وبهذا يجعلها الذهن رمزا لكل ما اقترن بها في صيغة استبدالية، ثم مجموعة من الأطفال والسبايا التي خرجت وسط المعركة تطلب رجالها وتستعطف القوم في شربة من الماء منادية: العطش العطش، واعمتاه. وهو مشهد مؤثر وخصوصا عند استدعاء صورة المعركة وذهول الأطفال ببراءتهم وحيرتهم وخوفهم وتصور كل مشاعر الطفولة الساذجة ثم مجموعة الجمال وتمثل ركب السبايا بعد المعركة إذ أجبرت عائلة الحسين على تركه من غير مواراة في صحراء كربلاء والمشي عنه والعبور في البلاد، ثم مجموعة اللاطمين على الصدور التي تشير بحسب انطلاق المخيلة وتمثلها إلى مواكب التائبين بعد مقتل الحسين في صورة ثورات مستمرة على قتلة الحسين إلى أن تم إسقاط الدولة الأموية، مع الإشارة إلى أن مجموعة اللطم في هذه الفترة قد تحولت إلى شكل مسيرة طويلة جدا يشارك فيها الآلاف من الجماهير وتقدم فيها القصائد التي تتمثل التاريخ الحسيني وتتعبأ بالهم السياسي التغييري لتبين إمكان هذه الحالة الجماهيرية على المساهمة في الإصلاح على المستوى الخاص والعام كما هي حركة الحسين في أهدافها الأساسية، وقد أصبحت مجموعة مسيرة الموكب هي الأوسع من ناحية الاستحواذ على قطاع جماهيري أكثر مشاركة وتواصلا، هكذا تتمثل المخيلة حركة مجموعات تاريخية تستجمعها في مشاهد تختزن فيها ما تريده من واقعها، وإذا كانت هذه المشاهد تستقطع العنصر الزمني وتلاشيه فهي تستقطع العنصر المكاني كذلك من خلال تقديمه العروض المسرحية في الشوارع والطرقات ومن أهم ما يؤيد هذه الحالة أن الفضاء المسرحي لم يكن ليقتصر على الخشبة المسرحية ذات الخلفية المصطنعة فهناك المسرح الإغريقي والمدرجات الرومانية في الشكل الدائري الذي لا خلفية فيه وراء الممثل كما هو في مسرح شارع عاشوراء أحيانا إذ يلتف المتفرجون بالممثلين ويشاهدون العرض من كل جهة وهناك مسارح الساحات والمقاهي وهناك كثير من الفضاءات المسرحية المعمارية التي تضم الممثلين والمتفرجين في مكان واحد ناهيك عن مسرح الشارع الذي يعد قريبا على مستوى الاسم والشكل مما تمت الإشارة إليه، هذا التوجه الذي يركز على أهمية عنصر التواصل الجماهيري بين المتفرجين والممثلين كاسرا للحاجز الوهمي المفترض بين الطرفين بين المنصة ومكان الجمهور أو بين الممثلين والمشاهدين.

الإحياء السنوي والإمكانات المسرحية

إن هذا الحدث بعد إعادة صوغه شعبيا وإنتاجه مرات عدة أصبح يختزن في داخله أهم العناصر المسرحية وخصوصا بعد مرور التاريخ عليه وإعادة تشكيله وتمثله بين السارد التاريخي والمتلقي المستهلك له في شكل إحياء سنوي متجدد محاولا أن ينفلت من أسر الرتابة المتكررة فكل ما ردده الراوي فإنه يقوم بإعادة صوغه صوغا جديدا يتناسب والفترة الزمنية التي يعيشها وإن استدعاء الماضي وشحنه بالحاضر المعاش في إحياء عاشوراء يجعلنا نرى أن العنصر الزمني هنا أصبح يسير في شكل متداخل في أزمان مختلفة ومتعددة من الماضي التاريخي الذي يمثل ظلامة الضحية والحاضر الآسر الذي يهمش فيه هذا الإنسان إلى المستقبل المأمول، وليس هنالك أقدر من المخيلة الحكائية في تبصير الإنسان بواقعه وماضيه ومستقبله وخصوصا إذا تحولت إلى عمل درامي وذلك لما للعمل الدرامي من قدرة على تشخيص الأفكار وتجسيد المبادئ في شخصيات من لحم ودم متلاقيا مع مخيلة المتلقين الخاصة، والذين يتماهون مع الحدث والشخصيات ويستدعون واقعهم في حكاية الماضي وسرديته ويعيشون شخصية الضحية ويتسامون مع الشهيد، يتعالون على الجلاد ويهزؤون به في داخلهم وينسحب التلقي الجماعي مع التلقي الفردي ليتلمس الإنسان بنفسه ومن خلال الصورة الطريقين وتظل صورة الضحية والجزار تسكنه حتى يختار أي طريق يسلك في عملية علاجية استبصارية لا مثيل لها أبدا وهذا ما يجعلنا دائما مشدوهين إلى حد الإحساس بالقشعريرة أو حتى حد التعرق في حال مشاهدة الأعمال الدرامية. ولأن هذا الإحياء أخذ يتعاقب بشكل سنوي أصبح يلح على متمثليه ومستهلكي الحدث أن يستعيدوه بشكل تجديدي مستمر يتعالى على التكرار الممل ويهرب من الرتابة المقيتة فيعيد تشكيل الحادثة ويشحنها بالواقع مركزا في كل مرة على جانب يستهويه بشكل أكبر لما فيه من قدرة على تمثل الواقع مغيبا الأطر الزمنية معيدا الحادثة في خطاب حديث وكأنها تحدث للتو وبوسائل هذا العصر الذي يعيش فيه ويشكل الحادثة من خلاله صانعا كل عناصر الألق الذي تحتاجه العملية الإبداعية، إن توظيف الإنسان للزمان بشكل اجتماعي فاعل في إطار مسرح احتفالي يعد حالا ثقافية متقدمة.

الإحياء المسرحي لواقعة عاشوراء

وفي منطقة السنابس تميزت ليلة الثالث عشر من محرم بعرض مسرحي يقدمه ويمثله أبناء المنطقة في أيام قد اندثرت وذكريات عروض قد انمحت ولم يبق منها سوى قليل من رجالاتها وممثليها في ما يسمى بعزاء بني أسد إذ يحضر قوم بني أسد فيقومون بدفن أجساد الضحايا بعد المعركة في شكل رثائي وصورة جنائزية مستعرضين ما خلفته الواقعة من مشاهد مأسوية فهناك أجساد من دون رؤوس وأجساد قد قطعت أيديها وطفل مذبوح على صدر أبيه ودماء في كل مكان وجثث تمتلئ بالسهام وأعضاء قد تناثرت في الصحراء لا يدرى من صاحبها لما لحقها من تبديد وملاحقة وقتل، مشاهد لشيوخ قتلى، وشباب صرعى، وأطفال مذبحين في شكل تراجيدي مؤثر يستدر البكاء والحنق على الأعداء والقتلة، ممثلا لحال الفجيعة، وقد كانت هناك عدة مناطق في البحرين تقدم عاشوراء بصورة مسرحية منها السنابس والدراز وباربار وبني جمرة وسترة إلا أن هذه الفعالية قد توقفت في أكثر من منطقة أو أصابها الضعف شيئا فشيئا في الأيام السابقة وذلك لضياع نصوص العرض الأساسية أو بسبب سذاجة الاعتماد على ما يختزنه الذهن الشعبي ومخيلته من ملتقطات شفوية مسموعة من الخطيب الشعبي لتكون نصا ارتجاليا رديئا أو لما التبسها من بعض السلبيات التي أخرجتها من إطارها الذي تدور فيه وحل محلها موكب المسيرة العزائية.

بيد أن حقبة التسعينات وما بعدها أبرزت توجها ملحوظا نحو تقديم أعمال مسرحية في إحياء عاشوراء فتميزت في ذلك قرية بني جمرة التي تحيي ليلة الحادي عشر مسرحيا كل عام وكذلك الدراز والسنابس وجزيرة النبيه صالح وسترة والمعامير وغيرها وإن المتتبع لنشاط الحقبة وما قدم فيها من فعاليات يلتفت إلى وجود أكثر من عمل أو عرض مسرحي قدم في أكثر من منطقة.

ومن خلال ما سبق نخلص إلى ما يأتي:

1- إن مسرح إحياء عاشوراء صيغة مسرحية أصيلة يمكن من خلالها التأصيل لحركة المسرح العربي بما يبرز دور الموروث في تعزيز الهوية العربية الإسلامية.

2- إن واقعة كربلاء حادثة تاريخية بعد تداولها المستمر وإعادة إبداعها سنويا أصبحت مشحونة بذاكرة المخيلة التاريخية لمستهلكيها وصارت قادرة على صناعة أكثر من شكل مسرحي على سبيل المثال: مسرح ملحمي أو مسرح تسجيلي أو مسرح فقير أو مسرح الشارع.

3- إن ما يقدمه الخطيب من أطوار في تقديم أبيات الرثاء الحسيني والأرجاز وأشعار لسان الحال لشخصيات كربلاء كل ذلك يحمل في داخله حالة مسرحية كامنة.

4- إن مسيرة الموكب تستقطع مشاهد من كربلاء وتشحنها بالواقع والحاضر والمستقبل متخذة من الشارع فضاء مسرحيا متحركا لتكون فعلا مسرحيا رائدا على مستوى التجريب المسرحي في اختبار وتطوير مفهوم الحركة في الزمان والمكان.

5- إن إحياء عاشوراء مسرحيا يتخذ صيغة مسرح احتفالي يعتمد على عنصر التواصل بين الممثلين والمتفرجين في مساحة جماهيرية واسعة.

6- إن إحياء عاشوراء مسرحيا أصبح محملا بكثير من الدلالات منها الأصالة ومنها المقاومة السلبية الرافضة لكل أنواع القهر وكل ما تمارسه نقطة المركز على هامشها من سلطة وهيمنة.

7- إن توجه مستهلكي خطاب كربلاء إلى مسرحة التعازي يعد حركة تتسم بوجه حضاري في إيمان بالإبدا

العدد 543 - الإثنين 01 مارس 2004م الموافق 09 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً