المشهد معهود في أفلام عميل صاحبة الجلالة «جيمس بوند». يدخل غرفته في الفندق ويباشر البحث عن قطعة معدنية صغيرة مخبأة في مكان ما في محيطه، وراء لوحة أو في جهاز الهاتف أو في المصباح الكهربائي أو تحت السرير. وحين يجد البارع بوند القطعة التي يستخدمها عملاء العصابة الشريرة التي يتعقبها العميل السري صفر صفر سبعة لينقذ العالم من حرب نووية، يرمي الذين يتعقبونه السماعات من آذانهم وينصرفون خائبين.
هذه القطعة المعدنية موجودة حقيقة وقد استخدمها عملاء المخابرات البريطانية لاستراق السمع في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وعدد غير معروف من الشخصيات التي كان لها دور بارز خلال أزمة العراق. واعترف رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير أن المخابرات البريطانية تستخدم كل وسيلة ممكنة للحصول على معلومات مؤكدا أن هذا يجري ضمن القانون. لم تكن مفاجأة كبيرة بالنسبة للدبلوماسيين والموظفين في الأمم المتحدة حين سمعوا بالفضيحة التي فجرتها وزيرة التنمية البريطانية السابقة كلير شورت التي استقالت من منصبها احتجاجا على دور حكومة حزب العمل في حرب العراق. ونقلت صحيفة «واشنطن تايمز» عن السفير الأسباني في الأمم المتحدة، أينوسانسيو أرياس قوله بسخرية: حسب علمي كل طرف يتجسس على الآخر وحين تنشأ أزمة تكثف الدول الكبرى نشاطاتها التجسسية.
ويعتقد المراقبون أن الولايات المتحدة وبريطانيا سباقتان في تعاونهما التجسسي وهذا ما يعترف به ويؤكده مسئولون في الاتحاد الأوروبي الذين يعرفون بما لا يدعو للشك أن كل ما يدور في اجتماعات الاتحاد الأوروبي ينقله البريطانيون إلى واشنطن الأمر الذي يدفع الكثير من الأوروبيين إلى التزام الحذر الشديد لدى الحديث عن موضوع ناقد للولايات المتحدة مغبة أن يجري تبليغ واشنطن بموقف الطرف الناقد لسياستها.
ويتفق هذا الرأي مع التصريح الذي أدلى به المحلل البريطاني المختص بشئون المخابرات أنتوني غليز الذي قال: معروف منذ سنوات أن الاستخبارات البريطانية تتجسس على حكومات الاتحاد الأوروبي. وقال سفير دولة أوروبية في الأمم المتحدة لصحيفة «زود دويتشه» الصادرة في ميونيخ إنه يشك بأن يعهد الأميركيون للمخابرات البريطانية التجسس على الأمم المتحدة في نيويورك خلال أزمة العراق. وأضاف السفير: أعتقد أن الولايات المتحدة تتجسس على الجميع داخل الأمم المتحدة. ولا تحمي إجراءات الحماية التي تتزود بها بعض البعثات الدبلوماسية والسفارات من نجاح أطراف أخرى في استراق السمع. من المعتاد أن يقصد الأوروبيون الطبقة 11 من مبنى الأمم المتحدة للحديث فيها لأنها محمية من خطر استراق السمع لكن البريطانيين يجلسون معهم على الطاولة.
ليست هذه أول مرة يتعرض فيها الأمين العام للأمم المتحدة للتجسس. فاستراق السمع حول ما يجري في مكتب الأمين العام تقليد قديم وفقا لتأكيدات مصادر دبلوماسية ألمانية في الأمم المتحدة. فقد شكا من سبقوا عنان في منصبه بمرارة من استراق السمع من أجهزة الهاتف وحين كان بعضهم يريد قول شيء مهم كان يقصد أقرب حجرة هاتف محاذية لمبنى الأمم المتحدة. وكشف بطرس غالي أنه حصل على تحذير في اليوم الذي استلم فيه منصبه بأن مكتبه ومنزله معرضان لاستراق السمع وأن الأطراف التي تتجسس عليه ليست فقط بلدانا أعضاء في مجلس الأمن الدولي بل بلدانا أخرى أيضا. من الأطراف الرائدة في التجسس عند نشوء أزمات دولية مثل أزمة العراق: الولايات المتحدة وبريطانيا و«إسرائيل» التي تخترق بنوك المعلومات التابعة لأجهزة استخبارات دولية وتسرق منها المعلومات المفيدة لها وتعمل لاحقا في بيعها لأجهزة أخرى. غير أن التجسس ليس مقتصرا على الأمين العام للأمم المتحدة بل يشمل زعماء كبارا. فقد لمحت محطة التلفزة الألمانية الثانية شبه الرسمية (زد دي أف) في برنامج بثته الثلثاء الماضي بأن وكالة الأمن القومي تجسست على المستشار شرودر خلال أزمة العراق واستخدمت لهذا الغرض مركز التجسس التابع لها في بلدة باد إيبيلنغ في مقاطعة بافاريا الذي يسترق سمع المكالمات الهاتفية في كامل أنحاء ألمانيا. وإذا رفع سفير أجنبي سماعة الهاتف في مكتبه أو في منزله، يسمع «الأخ الأكبر» ما يقوله السفير أو أي مسئول ألماني.
ويعتبر التجسس إحدى أقدم مهن التاريخ لكن نادرا ما كانت أجهزة الاستخبارات قوية وخطيرة مثل هذه الأيام. فالاستخبارات الإسرائيلية تنتقي الكوادر الفلسطينية وتقضي عليهم داخل بيوتهم وسياراتهم عبر اغتيالات مركزة، كما يقوم مدير «السي آي إيه» جورج تينيت بتناول الإفطار على مائدة الرئيس جورج بوش وإطلاعه على الحوادث الدولية. وفي روسيا يعيد فلاديمير بوتين وهو عميل سابق في «الكي جي بي»، بناء نفوذ الاستخبارات الروسية في مؤسسات الدولة ويقوي نفوذ البوليس السري داخل روسيا ويواجه الاتهام بأنه، كما حصل حديثا في قطر، يقوم بإعدام المعارضين الشيشان في المنفى. ويجري في بريطانيا إعادة بناء وتنظيم نشاطات الاستخبارات العاملة في الداخل «أم آي خمسة» وزيادة عدد العاملين فيها من 1950 حاليا إلى 2950 موظفا. وعرَّضت الاستخبارات البريطانية النشطة في الخارج «أم آي ستة» نفسها لانتقادات واسعة بعد فضح دورها في التجسس على الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مفتشي الأسلحة هانز بليكس. وفي الولايات المتحدة هناك 14 جهاز استخبارات يزيد حجم موازنتها عن 30 مليار دولار. وتعتبر وكالة الأمن القومي (NSA) التي تتجسس على الأمم المتحدة ويبلغ عدد موظفيها 40 ألف موظف، أكبر جهاز استخبارات في العالم وتمارس نشاطاتها في مدينة خاصة بها في ماري لاند تدعى كريبتو سيتي.
قبل نشوء أزمة العراق وقعت حرب أفغانستان وكانت نتاج النشاطات التي قامت بها الميليشيات العسكرية التابعة لـ «السي آي إيه» التي انتشرت لاحقا في شمال العراق. وقامت هذه الميليشيات بالتحضير للغارات الجوية وقامت بشراء ولاء لوردات الحرب الأفغان وأنفقت عليهم ملايين الدولارات للتعاون مع القوات البرية الأميركية في دحر طالبان والقاعدة.
في كتابه «بوش في حال حرب» وصف الصحافي الأميركي بوب وودوارد دور «السي آي إيه» في حرب أفغانستان ونقل عن جورج بلاك أحد كبار المسئولين في «السي آي إيه» قوله لكبار العاملين في مهمة أفغانستان: أتونا بأسامة بن لادن، أريد رأسه في صندوق كي أضعه على طاولة الرئيس. حتى اليوم وبعد أكثر من عامين على بدء الحرب المناهضة للإرهاب التي قامت نتيجة لهجوم 11 سبتمبر/ أيلول على الولايات المتحدة، مازال بن لادن طليقا على رغم وقوع بعض مؤيديه بقبضة الأميركيين وقيام الاستخبارات الأميركية بتسليم بعض أتباعه إلى أجهزة استخبارات دول صديقة للولايات المتحدة. وتمارس «السي آي إيه» تعذيب المعتقلين منهم خارج الأراضي الأميركية بموافقة الإدارة السياسية في واشنطن. كما نشطت ميليشيات «السي آي إيه» في التحضير لحرب العراق في وقت طويل سبق بدء الحرب بتاريخ 20 مارس/ آذار 2003. من بين العمليات التي قامت بها «السي آي إيه»، تصفية حرس مراكز الصواريخ واستراق سمع الاتصالات الهاتفية في العراق والبلدان المجاورة له وممارسة التعذيب والإعدام ولم تترك «السي آي إيه» خطيئة إلا وارتكبتها في العراق بعد نهاية العهد حين كان محظورا على «السي آي إيه» تنفيذ اغتيالات. بعد هجوم 11 سبتمبر 2001 أصبح لـ «السي آي إيه» صلاحيات من دون حدود
العدد 550 - الإثنين 08 مارس 2004م الموافق 16 محرم 1425هـ