العدد 550 - الإثنين 08 مارس 2004م الموافق 16 محرم 1425هـ

أزمة لغوية في الباسك تهز الأوساط السياسية

هل سيكون وضع الاتحاد الإسباني على كف عفريت؟

يظهر أن العام الجديد 2004 سيكون حاسما بالنسبة إلى الاتحاد الإسباني والإسبانيين، فعلى رغم أن منظمة «إيتا» قد تلقت ضربات موجعة السنة الماضية 2003، فإن تقريرا أوروبيا صدر أخيرا يشير إلى أنه بإمكان المنظمة الانفصالية المسلحة في بلاد الباسك توجيه ضربات قوية ضد المصالح الإسبانية، وهو ما كان مخططا له خلال أعياد الميلاد الأخيرة. وبالموازاة مع التحركات العسكرية لإيتا فإن الحكومة المحلية القومية في بلباو أصدرت أخيرا مذكرة تعتبر اللغة الباسكية اللغة الإلزامية في بلاد الباسك، وتعتبر التلاميذ الإسبانيين غير المنحدرين من أصول الباسكية أجانب على غرار المهاجرين غير الحاملين للجنسية الإسبانية.

استنفار أمني إسباني

على امتداد الأيام الماضية قام أفراد الحرس المدني الإسباني وخبراء المتفجرات بعمليات تمشيط وتفتيش واسعة عن عبوات ناسفة زرعها فريق كوماندوز تابع لمنظمة إيتا الانفصالية الباسكية على طول السكة الحديد الرابطة بين مدينتي سرقسطة وبرشلونة بالشمال الشرقي لإسبانيا، ما يعني أن «إيتا» المنظمة الحاملة للواء استقلال بلاد الباسك عن التاج الإسباني، مصممة على المضي في استراتيجيتها المسلحة والانفصالية على رغم دعوات الملك الدون خوان كارلوس الأول عشية أعياد الميلاد الأخيرة إلى الحفاظ على وحدة الأراضي الإسبانية.

وكانت أجهزة الحرس المدني الإسباني قد أفشلت الأسبوع الماضي مخططات لإيتا كانت ترمي إلى تنفيذ سلسلة تفجيرات سواء في محطة القطار الرئيسية بالعاصمة مدريد، أو على بعض خطوط السكك وتمكنت من اعتقال شخصين شمال البلاد كانا في طريقهما نحو العاصمة محملين بأكثر من خمسين كيلوغراما من المتفجرات. وبحسب وسائل الإعلام الإسبانية والموقع الإلكتروني للحرس المدني الإسباني على شبكة الإنترنت فإن هدف إيتا كان تحويل أعياد السنة الميلادية إلى مأتم حقيقي.

وكشفت التحريات أن هناك عبوات ناسفة قد تم وضعها على طول السكة الحديد بين مدينتي سرقسطة وبرشلونة وبالضبط بالقرب من بلدة «سامبر كلندة» بمقاطعة «ترويل»، ويعتقد الخبراء الذين يركزون بحثهم على مسافة تتعدى 12 كلم أن الانفصاليين قد تمكنوا من وضع متفجرات تحت خط السكك الرابط بين المدينتين المذكورتين، ما تطلب من قوات الحرس المدني مجهودات كبيرة سواء على مستوى الأفراد من خبراء وعسكريين أو على الآليات المستعملة في عمليات التمشيط.

ونتيجة حال الاستنفار توقف القطار الرابط بين سرقسطة برشلونة والذي يغطي مسافة أكثر من 500 كلم علاوة على عزوف المواطنين على الركوب في القطارات وتفضيل الحافلات للسفر.

بروكسل تدق ناقوس الخطر

وكان تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي في بروكسل عن الإرهاب قد أشار الاثنين الماضي إلى أنه على رغم تعرض «إيتا» لضربات موجعة في السنتين الأخيرتين عبر تفكيك الحرس المدني الإسباني للعشرات من فرقها المقاتلة واعتقال عدد من قادتها، فإنها تبقى قادرة على تنفيذ عمليات ضخمة ومؤثرة.

ومن المعلوم أن منظمة «إيتا» الجناح العسكري لحزب باتاسونا المحظور تطالب ومنذ عقود باستقلال بلاد الباسك عن إسبانيا، وتراهن على العمليات التخريبية/ العسكرية والاغتيالات لإجبار مدريد على فتح مفاوضات بشأن تقرير مصير ساكني هذا الإقليم الذي يعتبر من أغنى أقاليم البلاد اقتصاديا وماليا، والذي يتميز سكانه بطابعهم الانفصالي، لكن السلطات المركزية في مدريد ترفض ذلك وبقوة.

وكانت مشكلة الباسك والنزعات الانفصالية التي يعاني منها عدد من المناطق الإسبانية محور الخطاب الملكي الذي وجهه ليلة أعياد الميلاد العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس إلى الشعب الإسباني، إذ ركز وبطريقة غير مسبوقة على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الإسبانية «حتى نترك للأجيال اللاحقة إسبانيا موحدة ومتعددة وغنية الثقافات» وفق ما جاء في الخطاب الملكي.

الانفصال التربوي واللغوي

وبالإضافة إلى القلاقل التي تضعها منظمة «إيتا» في وجه الحكومة المركزية في مدريد، فقد أضيفت للتوتر الأمني والسياسي في بلاد الباسك قلاقل تربوية وثقافية وتعليمية تصب جميعها في تعميق الهوة الانفصالية بين الشعب الباسكي وباقي الشعوب الإسبانية، إذ أقدمت المصالح التربوية لحكومة بلاد الباسك الإسباني أخيرا على توزيع مذكرة تعتبر فيها جميع التلاميذ القادمين من المناطق الإسبانية الأخرى أجانب لا فرق بينهم وبين من لا يحملون الجنسية الإسبانية أصلا، وذلك فيما يتعلق بإدماجهم في المنظومة التعليمية الباسكية.

وكان لإصدار هذا القرار الكثير من ردود الفعل سواء في الأوساط التعليمية أو النقابية أو السياسية في مدريد والتي نعتت الخطوات الباسكية بأبشع النعوت من قبيل التطرف والنازية والأصولية والبربرية وغيرها.

وتزامن هذا السجال مع إجراء إلزام السلطات الباسكية التلاميذ والطلبة كافة في السلكين الابتدائي والثانوي بتلقي نسبة 80 و100 في المئة من تعليمهم باللغة الباسكية، وهو ما سيحرمهم من تعلم اللغة الإسبانية الكلاسيكية المعروفة باســـم «القشتــالية - El astallano»، واعتبرت أنخليس ايزتويتا وزيرة التعليم في الحكومة المستقلة لبلاد الباسك أن هذا الإجراء يتماشى مع النموذج اللغوي السائد في الإقليم.

إسبانيا... غاضبة

وفي رده على قرار بلباو عاصمة الباسك وصف رئيس الحكومة اليمينية الإسبانية خوسي ماريا أثنار إجراءات الحكومة الباسكية بأنها بربرية ومرعبة وأنها جزء مما أسماه الانحرافات التي تعلمها البعض. في حين تأسف وزيره في الداخلية انخيل أسيبيس من هذا القرار لكون حكومة الباسك ستحرم من خلاله الأطفال الإسبانيين المزدادين في بلاد الباسك من تعلم لغتهم الأم، في حين أنها تقدم المنح والمساعدات للطلبة المحسوبين على منظمة ايتا. أما وزير الداخلية الإسباني السابق خايمي مايور أوريخا فقد اعتبر الإجراء شتيمة وقذفا مجانيا وأنه مشابه لما كان يقوم به النازيون. من جهته وصف المدعي العام للدولة في مدريد خيسوس كاردينال الإجراء الباسكي بأنه لا دستوري وعنصري وفيه مس بالمساواة التي يضمنها الدستور الإسباني.

أما رد فعل الأحزاب السياسية فقد تزعمه الحزب الاشتراكي العمــــالي الباســــكي - (PSE) Partido socialista de EuskadiA الموالي لمدريد والذي يعتبر فرعا للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، فقد أعلن رفضه للسياسة التربوية التي تنتهجها الحكومة الباسكية التي يسيطر عليها القوميون الباسك، وطالب باستقالة وزير التربية في هذه الإقليم محل النزاع، وهكذا فقد اعتبرت المكلفة بالقطاع التربوي في الحزب الاشتراكي الباسكي ايزابيل ثيلا «أن من قاموا بهذا الإجراء يذهبون عكس مجرى التاريخ وعليهم بالتالي التخلي عن مسئولياتهم. مضيفة أنه في الوقت الذي يجب فيه العمل في المجال التربوي في انسجام مع المجتمع فإن حكومة الباسك تبني أسوارا اصطناعية مع جيرانها شأنها في ذلك شأن أرييل شارون. من جهته أكد زعيم فرع الحزب الشعبي في بلاد الباسك كارلوس ايتورغايس «أن على حكومة إيباريتشي القومية المتشددة أن تبادر إلى سحب المذكرة وتطلب الاعتذار من الشعب الإسباني.

اللغات تضع إسبانيا على كف عفريت

وفي الوقت الذي تعالت فيه الأصوات المنددة داخل إسبانيا، فقد تشبثت الحكومة المحلية في بلباو بقرارها «السيادي»، وهكذا فقد أكدت مستشارة الشئون التربوية في بلاد الباسك ردا على إعطاء وزيرة التربية الإسبانية بيلار ديل كاستيو بسحب هذه المذكرة مبررة ذلك بقولها «إن المذكرة غير مقبولة تماما لأنها تمس بالمبادئ الدستورية في إسبانيا وبمساواة المواطنين الاسبان أمام القانون»، وبأن «الموضوع ديموغرافي صرف وأن حكومتها متمكنة مما تقوم به، وأنها ستواصل عملها في هذا الاتجاه في غير اهتمام بالأكاذيب التي يروجها دعاة اليمين المتطرف».

وللإشارة فإن استخدام اللغة الإسبانية في إسبانيا يقتصر على الوسط «القشتالي» والجنوب الأندلسي باعتبار أن اللغة الإسبانية حلت «إحلالا وبالقوة» محل اللغة العربية بعد سياسة «الأسبنة والتنصير» التي قادها القشتاليون ضد سكان الإقليم بعد خروج العرب من الأندلس في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول العام 1492، أما باقي المناطق الإسبانية الأخرى فتعرف استخدام لغاتها المحلية، كاللغة الباسكية والتي كان يسميها العرب خلال حكمهم إسبانيا باللغة البشكنجية في بلاد الباسك (بلاد الباشكنج) بأقصى شمال البلاد، أو اللغة الغاليسية الجنيقية في غاليسيا (جنيقيا) بالشمال الغربي، أو اللغة الكتلانية في إقليم كاتالونيا بالشمال الغربي لإسبانيا، وتستخدمها هذه المحافظات لغاتها المحلية بالموازاة مع استخدام اللغة الإسبانية، إلا أن الخطوة الباسكية هذه تعتبر الأولى من نوعها، وهو ما يثير التساؤل عن مستقبل الوحدة الإسبانية خلال السنة الجديدة 2004 التي ستكون محكا قويا للمطلبين: مطلب مدريد باستمرار في الاتحاد وتقوية التاج الإسباني، أو مطلب الانفصال وخصوصا لدى الباسكيين الذين يعتزمون تنظيم استفتاء لتقرير مصير العلاقة بين الحكومة المركزية وبلاد الباسك

العدد 550 - الإثنين 08 مارس 2004م الموافق 16 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً