«برلمان شبابي»، هو عنوان المشروع الذي تقدمت به المؤسسة العامة للشباب والرياضة، ولكن هذا المسمى يحمل في مترادفاته معنى التجمهر أو التجمع الشبابي، ولأنه برلمان فهذا يعني أنه منبر لوجهات النظر المختلفة، ولأنه شبابي فمن الطبيعي أن الصفة الغالبة عليه أنه يعالج قضايا شبابية ويطرح أبعادا مختلفة تتلاقى في أطرافها أحلام وتوجهات الشباب. غير أن هذا الكلام لا تتفق عليه جميع الشرائح الشبابية، فالبعض منهم وهم الذين دون الثامنة عشرة من أعمارهم - ولنسمهم تجاوزا شباب - وهم الذين يقتصر عليهم المشروع معنيون أكثر من غيرهم بهذا البرلمان، لذلك يبدي أكثرهم حماسا تجاهه، بينما الآخرون المتجاوزون لهذه السن القانونية تتدافعهم أفكار وتوجسات شتى، فالقابلون بهذا المشروع على علاته يرون فيه منطلقا لحل كثير من القضايا الشبابية العالقة واضعين ثقتهم فيمن هم دونهم سنا، ولكن الآخرين الرافضين ينحون باللائمة على المؤسسة العامة ناظرين اليها نظرة تحمل الكثير من الشك والريبة، وهم هنا يطرحون حقهم المشروع في الانتقاد، محللين الأسباب التي دفعت بالمؤسسة العامة للاقتصار على هذه الفئة العمرية فقط، مع أن الشباب فوق الثامنة عشرة أكثر خبرة ودراية وحضورا؟! وفي التحقيق التالي تسليط وإضاءة على الكثير من زوايا هذا المشروع الشبابي...
الفئة العمرية دون الثامنة عشرة وهم طلاب المدارس الاعدادية والثانوية تلقى هذه الفكرة ترحيبا كبيرا لديهم وان كانت آراؤهم يبدو عليها الكثير من الخوف والتردد، فتقول خولة نبيل طالبة بالمرحلة الاعدادية مثلا «في احدى الحصص الدراسية قالت لنا المدرسة يوما إننا غير مؤهلات لنكون عضوات في هذا البرلمان الشبابي الذي تزمع المؤسسة العامة للشباب والرياضة طرحه، فسألناها لماذا؟، فقالت إننا لا نملك حتى استقلاليتنا عن أهلنا فليس لنا عمل غير الدراسة ولازلنا نتلقى مصاريفنا من آبائنا، فبالتالي سنظل غير قادرات على اتخاذ أي قرار يمكن أن يكون في صالحنا، ولكن هذا الكلام مردود عليه فاننا ومنذ علمنا بفكرة هذا المشروع وعن عزم المؤسسة باتخاذ عضو واحد من مجلس طلابي لكل مدرسة، أبدينا حماسا كبيرا للقيادة وأخذ البعض منا في محاولة الحصول على عمل جزئي كما أننا نحاول ما أمكننا أن نتواجد في جميع فعاليات المجتمع لاكتساب الخبرة اللازمة، وأعتقد أننا ربما تعثرنا في البداية ولكن من المؤكد أننا سنكون على قدر المسئولية». اذا هناك حالة من الاستعداد لم تكن موجودة من قبل أفرزها طرح هذا المشروع.
وهذا ما يجعل حامد محمود الناصر الطالب بالمرحلة الثانوية يقول «البرلمان الشبابي أشبه بالحلم الجميل الذي من الصعب تحققة ، حلم يشعرنا أنه متى ما تحقق فسيعمل على ترسيخ الحرية المسئولة في نفوس الشباب بعيدا عن التهور والإنزلاق في التصرفات اللامسئولة، وذلك بتدعيم منظومة القيم والأخلاق وتعزيز الولاء للوطن والتفاني والإخلاص له، أضف الى ذلك أنه سيكون منبرا لأصوات تدافع عن حقوق الشباب الجامعي في الحصول على وظيفة ملائمة وسكن لائق وعيش كريم. هذا فيما لو تحقق طبعا، ولكن هل بالمقدور تحقيقه ؟!»
وهذا السؤال أثار اعترافا لدى ندى حسين أحمد الطالبة في المرحلة الثانوية فهي تقول «لقد اكتشفت شيئا مهما بخصوص هذا البرلمان الشبابي وهو أننا لن نستطيع العطاء بالصورة المطلوبة، وليس السبب ذلك راجعا إلى كوننا صغيرات في السن وانما المسألة متعلقة بكوننا كثيرا ما نظرنا الى أنفسنا نظرة فوقية أي غير ملمة ذلك الالمام بكل ما يشغل الشباب من قضايا، فنحن حتى في مدارسنا غير مستطيعات خلق اتحاد طلابي لنا، والمدرسون يمارسون هيمنة كبيرة علينا، فكيف نستطيع اذا أن نكون أعضاء في هذا البرلمان الشبابي وقادرات على اتخاذ قرارات جريئة وحاسمه؟!».
الطلاب الجامعيون ممن تجاوزوا هذه السن القانونية، يبدو أن لديهم لبسا أو معرفة بسيطة بهذا المشروع، فهم قد أبدوا قبولهم به، فهل أنهم يضعون ثقتهم في هذه الفئة العمرية الأقل من أعمارهم؟
تقول دلال عبدالله حسن،اعلام وعلاقات عامة بجامعة البحرين «نحن بحاجة فعلا لوجود برلمان شبابي، فهذا البرلمان الحالي ولا أقصد الشبابي بالطبع، بعيد في طرحه عن مشكلاتنا التي نراها تتراكم دون حل يوما بعد يوم. وأرى أن هذه الحال تستلزم تواجد هيئة معنية بنا نحن الشباب، هيئة يقوم بادارتها مجموعة من الشباب، الممتلكين للمؤهلات لتشكيل حلقة وصل بيننا وبين البرلمان الموجود حاليا».
ويقول صادق جعفر الشعباني، خدمة اجتماعية «وفقا لمجال الحرية الممنوحة لهذا البرلمان الشبابي، أعتقد أنه سيتحرك نحو النهوض بطموحاتنا وسيكون قادرا على طرح مشكلاتنا الشباب بحرية وجرأة ، فهو أي البرلمان الشبابي ستتوافر لديه آلية للإتصال عبر مختلف القنوات سواء المؤسسات الحكومية أوالخاصة كالأندية الرياضية والجمعيات الثقافية والتربوية والمعاهد ومراكز البحوث، الأمر الذي يعني وقوفه على برامجها وخططها المحفزة للشباب. وأشير هنا أيضا الى نقطة في غاية الأهمية، فوجود برلمان شبابي معناه مد الجسور بينه وبين الجمعيات الشبابية المتفرقة وتوحيد أهدافها وتطلعاتها كي تصب جميعها في خدمة ومصلحة الشباب، وهذا الأمر بلا شك سيعطي البرلمان الشبابي بعدا اجتماعيا وتربويا موازيا فيما أتصور لدور المدارس والجامعات في بناء الأجيال».
بل أن الأمور قد تصل الى حد الحماس فيقول محمد يوسف، إعلام وعلاقات مثلا «هناك الكثير من الأمور العالقة التي تحتاج لوجود برلمان للشباب يعمل على معالجتها، فنحن مثلا الطلاب الجامعيين نعاني من المتاهات الكثيرة التي نصادفها في طريقنا حتى نستطيع الوصول لأحد المسئولين بالجامعة، لكي يساعدنا في معالجة إحدى المشكلات الأكاديمية، فلا أحد يعلم مقدار المعاناة التي نعايشها كل يوم، بدءا من الحصول على موعد أول من قبل السكرتيرة الى الموعد المائة وعدم تحققه كذلك مشكلة تزايد الحوادث المرورية المروعة، التي حصدت أرواح الكثير من الأبرياء بسبب طيش بعض الشباب المتهورين، فحبذا لو أنشئت حلقة إتصال بين برلمان الشباب ووزارة الداخلية، للتطارح في فكرة سن قوانين رادعة للمتهورين من السواق، مع تكثيف الحصص التدريبية في السياقة ووضع معايير للنجاح في الإمتحان تكون أكثر تشددا». وحتى عواطف حبيب المرزوق، تكنولجيا تعليم، عندما رفضت هذا المشروع لم تشر الى الفئة العمرية وانما رفضته بسبب من سقف الحرية النازل كما تتصور فتقول «أعتقد أننا لسنا بحاجة لبرلمان جزئي يمثل الشباب في حين أننا لا نعيش التجربة البرلمانية الحقيقية في المجتمع ، فالبرلمان القائم اليوم ليست لديه تلك الصلاحيات الكبيرة التي تخوله لممارسة سلطته التشريعية، فكيف لنا أن نؤسس لبرلمان شبابي، يمثل شريحة الشباب ويدافع عن حقوقهم ويناقش مشكلاتهم، فأتصور أنه وفي ظل غياب الصلاحيات فإن هذا البرلمان لن يكون ذا جدوى أو فائدة لا على المستوى الإجتماعي أو الأكاديمي.
بينما نجد لدى أعضاء الجمعيات الشبابية معرفة وتركيزا في آرائهم على الفئة العمرية، ويأسا كبيرا من أن يقدم أي شيء، فتقول العضو بملتقى الشباب البحريني فرح عبدالله العوضي: «لا أشعر أن هذا البرلمان ستكون له تلك الأهمية، لأن الفئة التي تمثله لا تملك حق اتخاذ القرار، لذلك لا أعتقد أن قراراتهم ستكون دقيقة ، بل سيكونون قلقين لأنهم صغار السن، وغير قادرين على تحديد خطواتهم، ولكني بالمقابل لا أعتقد أن في وجود هذا البرلمان تأثير على الجمعيات الشبابية لأن من شروط العضوية الفاعلة في هذه الجمعيات أن يكون سن العضوية من 18 سنة فما فوق، وذلك بعكس البرلمان الشبابي الذي يحدد العضوية من سن 12 الى 18 فالمؤسسة العامة تسعى الى أن يكون أعضاء هذا البرلمان مستقلين ويمثلون فئتهم العمرية لا أن يشاركهم من هم أكبر منهم سنا، من أعضاء الجمعيات الشبابية» فيتأثرون بتفكيرهم وتوجهاتهم، والسبب الآخر المحتمل هو أن الجمعيات الشبابية لها حضورها وفاعليتها في المجتمع وقد يطغى هذا الحضور أيضا على حضور وفاعلية البرلمان في حال مشاركتنا فيه نحن أعضاء الجمعيات الشبابية. كما ترى مي علي سلطان عضو آخر بملتقى الشباب البحريني «أن المؤسسة العامة اقتصرت في الدخول الى هذا البرلمان الشبابي على من هم بين 12 الى 18 سنة، واعتبرت ذلك شرطا رئيسيا، وقد خاطبتنا بقولها إننا بصفتنا جمعيات شبابية لا نخدم هذه الفئة فكيف يقحمونا في هذا البرلمان، والحال أن مملكة البحرين وقَّعت اتفاقات عالمية تنص على أن الأفراد من سن 12 الى 18 هم من الأطفال والأشبال وليسوا شبابا، وهو الأمر الذي دفع بالجمعيات واللجان الشبابية للمطالبة بتغيير مسمى البرلمان الشبابي وهو الأمر الذي يطرح حاليا في المؤسسة، فقد طرحت في مشروعها فكرة أن تقتصر الفئة العمرية من سن 12 الى 18 ولكن ضمن الطلبة المعينين في مجالس المدارس، وذلك بعكس فكرتنا التي نسعى من خلالها الى جعل هذه الفئة العمرية كأعضاء حقيقيين في برلمان شبابي أشبه بالبرلمان الحقيقي يقوم بعقد اجتماع أسبوعي يناقش فيه القضايا المطروحة على جدول الأعمال وهو ما لا تسعى اليه المؤسسة».
والفكرة نفسها والتصور ذاته لدى العضو بجمعية الشباب الديموقراطي أمل علي حسن التي تقول «أستطيع القول أني ومنذ عرفت بأن هذا المشروع مشروع للمؤسسة، لم أتفاءل به، فهو كغيره من المشروعات مسيطر عليه من قبل المؤسسة، فكأنما المؤسسة تعرض الموضوع فان وافقنا عليه فبها، والا فان المشروع سيخرج للنور برضانا أو بغيره، فالرأي الأول للمؤسسة وليس للشباب، والا فقد كان باستطاعة المؤسسة أن تكوّن برلمانا شبابيا متميزا ولكن بأسلوب آخر وليس بهذا الأسلوب، فتقدم الفرصة للجمعيات واللجان الشبابية ليتقدموا باقتراحاتهم ومناقشة الموضوع بصورة دقيقة وشاملة. ونحن نشعر حقيقة أن هناك تهميشا وابعادا لنا عن هذا البرلمان، كما أننا نشعر باستهانة بنا، اذ كيف يؤخذ برأي من هم أصغر منا ومن هم دون الثامنة عشرة من أعمارهم، والحال أن هؤلاء مر
العدد 556 - الأحد 14 مارس 2004م الموافق 22 محرم 1425هـ