العدد 560 - الخميس 18 مارس 2004م الموافق 26 محرم 1425هـ

كربلاء... ملحمة تتجدد

دعونا نقف لحظات رائعة عند الملامح الإسلامية الإنسانية العظيمة، المستوحاة من القرآن الكريم التي هي أساس ثورة كربلاء المتجسدة في شخص الحسين (ع) وأهل بيته الأطهار. فسنستفيد منها في واقع حياتنا الدينية منها والدنيوية لإصلاح ما أفسده الدهر فينا نحو الطريق المستقيم في الوصول إلى الله عز وجل في القول والفعل... عسانا في ذلك أن نحقق خلافة الله في الأرض.

1- لم يفرق الإمام الحسين (ع) في ثورته الرسالية بين كبير وصغير، بين غني وفقير، بين أبيض وأسود، بدليل أنه في معركة كربلاء حينما سقط جندي زنجي مقتولا أقبل الحسين نحوه وقبله في خده، وفعل الصنيع نفسه حينما سقط أيضا ولده علي الأكبر، هذا المثال الرائع يقودنا إلى معنى قرآني عظيم يتمثل في قوله تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (الحجرات:13).

2- كان أساس ثورته الكربلائية (الإصلاح في أمة جده) كما عبّر بذلك (ع)، أي إصلاح سياسي واجتماعي وديني وثقافي، بمعنى تغير جذري في الأمة على جميع المستويات ومختلف الفئات وكافة المجالات، وذلك من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا أيضا يقودنا إلى معنى قرآني مهم تشير إليه الآيات الكريمات في قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» (آل عمران:110).

3- كانت قاعدة انطلاقة كربلاء الأولى السير على منهج إلهي رسالي ديني ثابت عبر الأزمان، وعبر الأجيال، لا يتغير بتغير الأزمنة ولا الأمكنة ولا التأريخ، أليس هو القائل (ع) أما سمعتم جدي رسول الله (ص) يقول: (حسين مني وأنا من حسين). هذا المعنى اليوم يبرزه العلماء بصورة قاعدة ارتكزت عليها ثورة كربلاء وهي أن الإسلام محمدي الوجود والبدء حسيني البقاء. بمعنى أنه لولا ثورة الحسين بكل أبعادها الإلهية الرسالية الدينية التربوية الصالحة لكل زمان ومكان ولكل أمة وجيل في العالم لما بقي للإسلام وجود بالصورة التي نراها اليوم.

4- برزت في ثورة كربلاء جوانب مهمة جدا اعتبرها العلماء أساسا وقاعدة لكل شيء في الحياة لمن فتح بصره وبصيرته لهذه الحقيقة. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: العلاقة الأخوية العظيمة ذات الوشائج الرائعة والصلات الحميمة التي نفتقدها اليوم في عالمنا المعاصر بسبب التطور التكنولوجي العولمي الزائف، تلك العلاقة الأسرية التي تمثلت في احترام الأخ لأخيه، الحنو عليه، حبه، مساعدته، العيش معه بقلب واحد وروح واحدة كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، هذا المعنى العظيم تمثل في شخصية العباس بن علي بن أبي طالب أخ الإمام الحسين عليه السلام، إذ كان الذراع الأيمن لأخيه نشآ في بيت واحد فكان يناديه سيدي ومولاي. وكذلك العلاقة بين الحسين (ع) وأخته العقيلة زينب (ع).

5- برز جانب عظيم جدا في ثورة كربلاء علّم العالم الإيمان الإلهي، الثبات الرباني، القوة، التربية الروحية، الصمود المستمد من النور الإلهي والإخلاص لله تعالى في القول والفعل، تمثل هذا الجانب في شخصية الإمام الحسين (ع) إذ انه وفي حمى وطيس الحرب لملاقاة الأعداء يوم العاشر وإذا به يجمع أهل بيته للصلاة والدعاء، ومخاطبا أخواته من النساء ومنهن زينب: «... يا أختاه! تعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده. أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولهم ولكل مسلم في رسول الله أسوة حسنة...». ومن دعائه (ع) عندما هجمت الخيل على معسكره: «اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة. كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عما سواك فكشفته». ودعائه أيضا: «اللهم متعالي المكان عظيم الجبروت شديد المحال غني عن الخلائق عريض الكبرياء قادر على ما تشاء قريب الرحمة صادق الوعد سابغ النعمة حسن البلاء، قريب إذا دعيت محيط بما خلقت...».

6- جاءت ثورة كربلاء لتبين للعالم الصراع السرمدي بين قوى الخير والشر، بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، بين النور والظلام، بين الأمل واليأس من خلال المنهج القرآني في شخصية الحسين (ع) وأهل بيته الأطهار.

7- كشفت ثورة الحسين عليه السلام الأقنعة عن الوجوه، من خلال الفئتين المتناقضتين في الخير والشر، فئة الحسين وأهل بيته وصحابته وممن أسلموا على يديه، وفئة مقاتليه، فكانت ثورته اختبارا لشخصيات الناس في أي مجتمع يوجد فيه الصراع بين الخير والشر، إذ كشفت من الإنسان الصادق، والمنافق، والمؤمن، والكافر، وما إلى ذلك إلا بلاء من الله عز وجل لكل الفئتين مصداقا لقوله تعالى: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون» (الأنبياء:35).

8- ثورة الحسين تقول للعالم وفي أي زمان ومكان وفي أي ظرف لا للعملقة السياسية الخائنة، ولا للبهرجة الإعلامية الزائفة، وإنما عليكم التسلح بالإيمان، الصبر، وقول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله بالمال والأهل والأولاد والنفس مهما كان الثمن. وذلك في سبيل منهج الله ورسول وآل بيته الأطهار.

9- ثورة الحسين (ع) تبين لنا معنى عظيما أبرزه لنا قوله تعالى: «اعلموا انما الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينة وتفاخر بينكم في الأموال والأولاد» (الحديد:20). ويبرزه كلام أبيه الإمام علي أمير المؤمنين (ع) في قوله: «الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر»، و«الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». فثورة كربلاء لا يوجد فيها ركون للدنيا ولا لمتاعها الزائف الزائل بل هي تسابق للعمل الصالح، للشهادة في سبيل الله، للمبادئ، لحرية الإنسان وكرامته، ثورة على الظلم والفساد.

10- من بين عمق العناصر الكربلائية السالفة الذكر يظهر لنا عنصر فعال يشكل دعامة أساسية لثورة الحسين (ع) الذي لولاه لما بقي الصمود والثبات والإيمان وهو الدور الذي قامت به المرأة الإسلامية بالفكر العقلاني الواعي الإلهي، والعاطفة الصادقة الجيّاشة، والإيمان القوي ذي المنبع الرباني الهادف، المرأة في واقعة الطف أخذت حيزا مهما وذلك لما لعبته من أدوار متعددة، وأشكال مختلفة ساهمت بشكل منقطع النظير في إبراز مكانة المرأة في الإسلام، وأنها جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع، ولها في الحقوق والواجبات مثلما للرجل، وتستطيع أن تفعل ما يفعله الرجال وربما أكثر، هذه المرأة تمثلت في عقيلة الطالبيين السيدة زينب (ع)، في عفتها وصبرها وبلاغتها وأخلاقها وإيمانها.

11- واقعة الطف صنعت من العالم على رغم دياناته المختلفة ومذاهبه المتعددة منذ قرابة 14 قرن من الزمن على مرور هذه الواقعة أبطالا من الرجال والنساء والأطفال والمسنين، شخصيات متميزة ذات عبقرية فذة، جنودا إلهية، مثقفين، موسوعيين ذوي عقول متنقلة، جيوش جرارة تستطيع أن تزلزل المعتدين بإيمانها الإلهي الكربلائي المحمدي الرسالي الواقعي التربوي من الدروس التي تعلمتها وتتعلمها الأجيال قرنا بعد قرن، أليست ثورة الحسين (عِبرة وعَبرة)؟

تهاني خليل النيسر

العدد 560 - الخميس 18 مارس 2004م الموافق 26 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً