طالما اشتكت المنظمات الأهلية (الجمعيات) من عقبات الاتصال بين بعضها بعضا على رغم صغر المساحة الجغرافية للبحرين! فهل العائق هنا نفسي أم جغرافي تفرضه طبيعة التشرذم للكثير من مقار الجمعيات من جهة وعدم استقرار كثير من المقرات إلا بشكل نسبي؟
إن العامل الجغرافي وإن لم يكن متجسدا لكن تأثراته تمتد لتلقي بظلالها على العلاقة «شبه القطيعة» بين الكثير من الجمعيات، فالبعيد عن العين بعيد عن القلب كما يقال، والعلاقة بين البعدين الزماني والمكاني لا تحتاج إلى دلائل كثيرة، فيكفيك التأمل في هذه الصحراء العربية التي شكلت حاجزا بين الشعوب العربية في التعاطي بين قضاياها المشتركة على رغم التقدم التكنولوجي، الامر الذي يجعلنا نركز على المساحة المكانية بقدر التركيز على المسافة النفسية حيث العلاقة طردية، فكلما بعدت المسافة المكانية زادت في الاتساع المسافة النفسية. وإذا كانت الصحراء العربية لعبت دورها في الفصل بين الشعوب فصحراء الداخل لا تقل عنها أثرا، ويمكنك قياس تأثيرها بالتبصر والتأمل فيما وصل إليه راهننا العربي من تشرذم و شقاق.
ومما يؤسف له أن تتحول مقرات الجمعيات والمؤسسات الأهلية إلى ما يشبه حال الخيام المتناثرة في الصحراء لا تهزها للنهوض سوى الأخذ بالثأر (بمعناه السياسي)، وهو الامر الذي كنا نأخذه على المؤسسة الرسمية حيث سيطرة معايير المذهب والعرق والطائفة. بل إن بعض الجمعيات خلقت لها مناطق نفوذ وسيطرة، وهو الأمر الذي يقف عائقا إلى جانب الكثير من العقبات الاخرى في وجه ترسيخ قيم التسامح والشراكة والتكامل. والأخطر أن تتراكم الظنيات وسوء النوايا لتتحول إلى حقائق ثابتة ومعايير للتواصل والقطيعة مع هذا الطرف أو ذاك. وهو الأمر الذي يزيد من حال التمزق ويؤدي إلى مزيد من الهدر في الجهود والطاقات... وفي خاتمة المطاف لاشيء مثمر للناس أو البلد أو المؤسسات.
إن السؤال المطروح هو: كيف؟ وليس: لماذا؟ التي لا نصل معها إلى نتيجة سوى التراشق والتخوين، فكيف إذن المخرج من هذا الوضع والتخلص من هذا الوهن؟ خلال زيارتي لإمارة الشارقة حديثا جذبني بناء لم تبهرني روعة بنائه ودقة تصميمه التي جمعت بين أصالة المكان وحداثة الروح ولاضخامة مساحته بقدر ما شدني إليه الفكرة والمعنى. لم يكن ذلك مجمعا تجاريا أو متنزها وإن لم يحل ذلك من دون وفود بعض القاطنين بالقرب منه لممارسة رياضة المشي والجلوس على الحشيش الأخضر والاستمتاع بروعة المكان، غير أنه كان مجمعا سكنيا حوى مختلف الجمعيات والفعاليات الأهلية والثقافية في إمارة الشارقة. وتخترق هذا المجمع قناة بحرية قسمت المجمع إلى ضفتين في إيحاء جميل عذب، مفاده أن الكل هنا مهما اختلفوا في توجهاتهم وبرامجهم وأولوياتهم، فهم مثل هذا الماء الجاري يصب في بحر واحد ومصلحة واحدة.
إن انتماءهم الأساس هو لهذا البحر الذي هو للجميع، كل يغرف من خيره، وقد جهز هذا الموقع بمختلف الإمكانات التي تعين على ان تمارس هذه المؤسسات الأهلية دورها في المجتمع. وتمنيت حينها لو كان بالإمكان أن تتوافر للمنظمات والجمعيات الأهلية في البحرين مثل هذه الميزة.
من أبرز فوائد هذا الصرح إذا تيسر تحقيقه في البلد أن يسهم في تضييق الهوة الفاصلة بين الجمعيات من جهة والمؤسسة التنفيذية من جهة أخرى، فالتقارب المكاني لاشك سينعكس على الواقع النفسي وهو ما يثمر تقاربا في الرؤى وتآزرا في التوجه وتلاحما في الموقف بين مختلف الأطراف مع المحافظة طبعا على خصوصية كل موقف وضمان حرية كل رأي، لكن الاختلاف على أساس من تفهم الموقف ضمان من الاختلاف العبثي المدمر، أضف أن توفير البيئة المناسبة للعمل الأهلي يعطي لمؤسسات المجتمع المدني دورها ويسهم في خلق بيئة مستقرة سياسيا، ويزيد من فاعلية الممارسة الديمقراطية ويؤكد مدى جدية الطرف الرسمي في دعم بناء مجتمع مدني مستقر يمارس حقوقه في ظل القانون وسيادة الدولة، ويعزز من فرص المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار من خلال التواصل وتبادل وجهات النظر بشأن المواقف المشتركة، فتكون الخطوات التي تنطلق من هنا وهناك مبنية على حسابات جذب المصالح ودرء المفاسد. وفي حال توافر مناخ سليم كهذا لاشك أنه سيكون مناخا جاذبا لمزيد من الاستثمارات والمشروعات التنموية، الأمر الذي ينعكس على الأداء الاقتصادي للبلد ويوسع من مصادر الدخل ويسهم في توفير الكثير من فرص العمل وبالضرورة يمتد تأثيره على المجتمع.
هذه العوائد ربما تكون أكبر من ذلك إذا ما وضعناها في سياق التغيرات التي تشهدها المملكة ومنها اختيار البحرين نموذجا للاصلاحات في المجتمع العربي وما يترتب عليه من استحقاقات سياسية وقانونية، ومنها توسعة رقعة المشاركة الشعبية وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني التي تحولت في العرف السياسي الدولي إلى شريك في العملية السياسية بدلا من ان تكون خصما «معارضة فقط»، والاقدام على تأسيس مثل هذا الصرح اسهام فعلي من الحكومة في السير قدما نحو تجذير الاصلاح السياسي.
إن المجتمعات المعافاة سياسيا في عالمنا المعاصر تقاس بمدى شيوع الحرية التي تسمح بحرية التنظيم والتأسيس للجمعيات التي يعبر الفرد من خلالها عن اهتماماته وقضاياه ويسهم من خلالها في خدمة وطنه في المجالات المختلفة.
وتفعيل دور المنظمات الاهلية ومؤسسات المجتمع المدني ليست مسئولية السلطة التنفيذية وحدها وإن كانت تتحمل الجزء الاكبر لغياب الكثير من الآليات القانونية التي تعين على ذلك، غير ان القطاع الخاص إن لم يكن ملزما أخلاقيا بدعم مثل هذه المشروعات فهو ملزم بحكم المصلحة التي يمكن ان تعود عليه. وبدلا من أن تنصب كل الجهود في القطاع الخاص على مساعدة الفقراء فقط ودعم الجهات ذات المنفعة المحدودة فقط، إلا ان دعم مشروعات ذات امتداد أفقي أوسع ونظرة مستقبلية أبعد هو أجدى من المنظور الاقتصادي؛ ذلك لأن في استقرار المجتمع وسيادة مناخ الأمن الاجتماعي والسياسي والنفسي ضمان لجذب الاستثمارات وزيادة حركة عجلة التنمية، الأمر الذي يعد باقتصاد أنشط. من هنا فإن هذه الدعوة كما هي موجهة للسلطة التنفيذية بحكم الالتزام السياسي واستحقاقات المرحلة، هي دعوة للقطاع الخاص للاسهام في تعزيز هذا المناخ الآمن الذي ينعم الآن بفضله فالمسئولية أخلاقية وواقعية لهذا القطاع. وأعتقد أن مثل هذه المشروعات ليست أكثر كلفة من مئات الآلآف من الدنانير التي تنفقها الشركات على الإعلانات التي تستفيد منها شركات الإعلان حتى أكثر من الشركة المعلن عنها.
أملنا في أن تتبنى الجمعيات الأهلية هذه الفكرة لأنها هي المعنية في المقام الأول والأخير، ولم تنطلق هذه الفكرة إلا من أجل تعزيز حضورها ليس الصوري فقط بل والمتفاعل مع هموم الوطن وقضايا المواطن البسيط الذي يشكل الغالبية الصامتة في وطني. كما أن أملنا أن تجد التبني لها من قبل مجلس النواب الذي تحولت فيه ديوانيات بعض النواب إلى جمعيات أهلية غير رسمية مستقلة، وهو الأمر الذي ليس في مصلحة النواب، وليس في حال تطبيق الفكرة منّة من السلطة التنفيذية والقطاع الخاص على الجمعيات، فهما المستفيدان -السلطة و القطاع الخاص- أكثر من غيرهما في حال استقر المجتمع وتوافرت آليات الممارسة الديمقراطية
العدد 585 - الإثنين 12 أبريل 2004م الموافق 21 صفر 1425هـ