العدد 595 - الخميس 22 أبريل 2004م الموافق 02 ربيع الاول 1425هـ

الإسلام دين الرفق والرحمة

الوسط - محرر صفحة إسلاميات 

22 أبريل 2004

الكتيب الصادر عن جمعية الإصلاح ضمن سلسلة إصدارات مشروع العلم النافع (21) لسماحة الشيخ يوسف القرضاوي، تحت عنوان «الإسلام دين الرفق والرحمة لا العنف والنقمة» واحد من الكتيبات والإصدارات النافعة، المختزلة والمعمقة في آن، المعمقة من حيث طريقة وزاوية التناول على رغم سهولة أسلوبه وطرحه وهو ما دأب عليه الشيخ القرضاوي في سهولة الأسلوب الذي يتناول فيه جل الموضوعات التي يبحثها ويطرحها.

يتقصى فضيلته في الكتيب المذكور وبكثير من التحليل ظاهرة العنف والمبررات التي تلجأ اليها جماعات العنف، بعد أن يقدم الإسلام في صورته السمحة التي تفيض بالرحمة الخالصة بالإنسان بل وسائر الموجودات. ننشر في «إسلاميات» جانبا من الكتيب.

فقه جماعات العنف

وإذا كان هذا هو موقف الإسلام في دعوته إلى الرفق واللين، وإلى الرحمة والرأفة، وذمه للعنف والقسوة، فلماذا ظهرت جماعات العنف في بلادنا الإسلامية وما الأساس الشرعي الذي تستند إليه، ولاسيما أنها تنتسب إلى الإسلام؟

ونقول هنا: إن العنف الذي تمارسه بعض الجماعات، التي تنتسب للإسلام، إنما هو إفراز لفلسفة معينة، تتبناها هذه الجماعات، وثمرة لفقه خاص له وجهته ومفاهيمه وأدلته، التي تستند إليها هذه الفئة من الناس.

ومن نظر إلى جماعات العنف، القائمة اليوم في عالمنا العربي مثلا: وجد لها فلسفتها ووجهة نظرها، وفقهها الذي تدعيه لنفسها، وتسنده بالأدلة من القرآن والسنة، ومن أقوال بعض العلماء.

صحيح: أنها تعتمد على المتشابهات وتدع المحكمات، وتستند إلى الجزئيات وتهمل الكليات، وتتمسك بالظواهر وتغفل المقاصد، كما تغفل ما يعارض هذه الظواهر من نصوص وقواعد، وكثيرا ما تضع الأدلة في غير موضعها، وتخرجها عن سياقها وإطارها، ولكن على أية حال: لها فقه مزعوم يبرر العنف، ويروج لدى بعض الأغرار من الشباب، والسطحيين من الناس، الذين يقفون عند السطوح، ولا يغوصون في الأعماق، أساسه فقه الخوارج قديما، الذين كانوا يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، كما صحت بذلك الأحاديث.

العنف الداخلي

بدأت هذه الجماعات العنف: في داخل أوطانها أنفسها، أي العنف ضد الأنظمة الحاكمة.

فعلى أي أساس بررت ذلك وأجازته: من الوجهة الشرعية، في نظرها على الأقل؟

مبررات جماعات العنف ومدى اعتبارها

إن فقه جماعات العنف، يقوم على أن الحكومات المعاصرة: حكومات كافرة، لأنها لم تحكم بما أنزل الله، واستبدلت بشريعته المنزلة من الخالق: القوانين التي وضعها المخلوق، وبهذا: وجب الحكم عليهم بالكفر والردة، والخروج من الملة، ووجب قتالها حتى تدع السلطة لغيرها. إذ كفرت كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان.

ويؤكد فقه هذه الجماعات: كفر هذه الأنظمة الحاكمة بأمر آخر، وهي: أنها توالي أعداء الله من الكفار، الذين يكيدون للمسلمين، وتعادي أولياء الله من دعاة الإسلام، الذين ينادون بتحكيم شرع الله تعالى: وتضطهدهم وتؤذيهم. والله تعالى يقول: «ومن يتولهم منكم، فإنه منهم» (المائدة: 51).

والحكومات المعاصرة: تعارض هذه التهم بدعاوى مختلفة، منها: أنها تعلن أن دينها الرسمي هو الإسلام، وأنهم ينشئون المساجد لإقامة الصلاة، ويعينون الأئمة والخطباء والمؤذنين، ويؤسسون المعاهد الدينية، والكليات الشرعية، ويوظفون الوعاظ ومدرسي الدين في المدارس وغيرها، ويحتفلون برمضان وعيدي الفطر والأضحى، ويذيعون تلاوة القرآن في الإذاعات والتلفازات، إلى غير ذلك: من المظاهر الدينية، التي تثبت إسلامية الدولة بوجه من الوجوه.

كما أن بعض دساتير هذه البلاد يعلن: أن الشريعة مصدر رئيس، أو المصدر الرئيس للتقنين، وبعضها: يعتذر بضعفه أمام قوى الضغط الغربي، وبعضها وبعضها.

فتوى ابن تيمية

كما تعتمد جماعات العنف: على فتوى الإمام ابن تيمية في قتال كل فئة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع الإسلام، كالصلاة أو الزكاة، أو الحكم بما أنزل الله: في الدماء والأموال والأعراض، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخره. وهو ما اعتمد عليه كتاب «الفريضة الغائبة» لجماعة الجهاد، وجعل هذه الفتوى: الأساس النظري لقيام جماعته، وتسويغ أعمالها كلها.

ويستدلون هنا: بقتال أبي بكر ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم، لمانعي الزكاة.

فكيف بمن يمتنعون عن تطبيق أكثر أحكام الشريعة، على رغم مطالبة جماهير الناس بها، وخصوصا العلماء والدعاة، بل هم أشد الناس خصومة لهؤلاء، وتضييقا عليهم ومعاداة لهم؟!

ونسي هؤلاء: أن الذي يقاتل هذه الفئة الممتنعة: ولي الأمر، وليس عموم الناس، وإلا أصبح الأمر فوضى!

وتعتمد جماعات العنف أيضا: على أن هذه الأنظمة غير شرعية، لأنها لم تقم على أساس شرعي من اختيار جماهير الناس لها، أو اختيار أهل الحل والعقد، وبيعة عموم الناس، فهي تفتقد الرضا العام، الذي هو أساس الشرعية، وإنما قامت على أسنة الرماح بالتغلب والسيف والعنف، وما قام بقوة السيف: يجب أن يقاوم بسيف القوة، ولا يمكن أن يقاوم بسيف القلم!

ونسي هؤلاء ما قاله فقهاؤنا من قديم: إن التغلب هو إحدى طرائق الوصول إلى السلطة، إذا استقر له الوضع، ودان له الناس.

وهذا ما فعله عبدالملك بن مروان، بعد انتصاره على ابن الزبير رضي الله عنه، وقد أقره الناس، ومنهم بعض الصحابة: مثل ابن عمر وأنس وغيرهما، حقنا للدماء، ومنعا للفتنة، وقد قيل: سلطان غشوم، خير من فتنة تدوم.

وهذا من واقعية الفقه الإسلامي، ورعايته لتغير الظروف.

وترى جماعات العنف كذلك: أن هذه المنكرات الظاهرة السافرة التي تبيحها هذه الحكومات: من الخمر، والميسر، والزنى، والخلاعة والمجون، والربا، وسائر المحظورات الشرعية: يجب أن تغير بالقوة لمن يملك القوة، وهي ترى أنها تملكها، فلا يسقط الوجوب عنها إلى التغيير باللسان بدل اليد، كما في الحديث الشهير: «من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه»، رواه مسلم.

ويغفل هؤلاء: الضوابط والشروط اللازمة لتغيير المنكر بالقوة، التي قررها العلماء.

وبعض هذه الجماعات تنظر إلى المجتمع كله: أنه يأخذ حكم هذه الأنظمة التي والاها ورضي بها، وسكت عنها، ولم يحكم بكفرها، والقاعدة التي يزعمونها: أن من لم يكفّر الكافر: فهو كافر!

وبهذا توسعوا وغلوا في «التكفير»، وكفروا الناس بالجملة.

وعلى هذا: لا يبالون من يقتل من هؤلاء المدنيين، الذين لا ناقة لهم في الحكومة ولا جمل: لأنهم كفروا فحلت دماؤهم وأموالهم.

كما يرون بالنظر إلى الأقليات غير المسلمة: أنهم نقضوا العهد، بعدم أدائهم الجزية، وبتأييدهم أولئك الحكام المرتدين، وأنظمتهم الوضعية، ورفضهم الشريعة الإسلامية. وبهذا لم يعد لهم في أعناق المسلمين عهد ولا ذمة، وحل دمهم ومالهم. وبهذا استحلوا سرقة محلات الذهب: من الأقباط في مصر، كما استحلوا سرقة بعض المسلمين أيضا.

وهم يرون: أن السياح وأمثالهم، الذين يدخلون بلاد المسلمين بتأشيرات رسمية، وترخيصات قانونية، والذين يعدهم الفقهاء «مستأمنين» ولو كانت دولهم محاربة لمسلمين، يرون هؤلاء مستباحي الدم، لأنهم لم يأخذوا الإذن من دولة شرعية، ولأن بلادهم نفسها: محاربة للإسلام، فلا عهد بينهم وبين المسلمين. والواجب: أن يقاتل هؤلاء ويقتلوا، فلا عصمة لدمائهم وأموالهم!

وكذلك يقول هؤلاء عن الدول الغربية - التي يقيم بعض هؤلاء فيها - وقد أعطتهم حق الأمان، أو حق اللجوء السياسي: لمن طردوا من بلادهم الأصلية، فآوتهم هذه الدول من تشرد، وأطعمتهم من جوع، وآمنتهم من خوف، يقول هؤلاء بكل جرأة وتبجح: إن هذه الدول كلها كافرة، محاربة للإسلام وأمته ويجب أن نقاتلهم جميعا حتى يُسلموا فيسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ولما سئل بعضهم عن إقامته في هذه البلاد، قال: إنها كدورة المياه، نستخدمها للضرورة، على رغم نجاستها.

وهؤلاء الكفار: دماؤهم حلال، وأموالهم حلال للمسلمين، بنصوص الدين.

ويذكرون هنا آيات وأحاديث: يضعونها في غير موضعها، فإذا واجهتهم بغيرها من الآيات والأحاديث، التي هي أكثر منها وأظهر وأصرح، قالوا لك: هذه نسختها آية السيف!

هذا هو فقه جماعات العنف باختصار، الذي على أساسه ارتكبوا ما ارتكبوا من مجازر تشيب لهولها الولدان، وتقشعر من بشاعتها الأبدان: ضد مواطنيهم من مسلمين وغير مسلمين، وضد السياح وغيرهم من الأجانب المسالمين.

وهو بلا ريب: فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتوره الخلل والخطل: من كل جانب ويحتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنية: لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد عليهم فيما أخطأوا فيه: في ضوء الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة.

ظاهرة العنف إسلامية أم عالمية؟

وهنا يحق لنا أن نسأل عن العنف: هل هو ظاهرة إسلامية؟ أم هو ظاهرة عالمية؟ فبعض أبواق الإعلام الغربي - ومن يدور في فلكها في ديارنا - تريد أن يبرز الإرهاب، وكأنه مقصور على المسلمين، أو كأن جنسيته إسلامية، وخصوصا بعد حوادث 11 سبتمبر/ أيلول، وهذا خطأ فاحش، بل ظلم مبين.

لقد وجدنا العنف في أقطار ودول شتى: في أنحاء العالم. لقد وجدناه في كل القارات: في ايرلندا، وفي اليابان، وفي أميركا نفسها، وفي الهند، وفي «إسرائيل». فماذا ألصق بالمسلمين وحدهم دون غيرهم؟ إنه الإعلام الغربي والأميركي والصهيوني، الذي يكتم الحق، ويشيع الباطل، ويقولون على الناس الكذب وهم يعلمون

العدد 595 - الخميس 22 أبريل 2004م الموافق 02 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً