العدد 595 - الخميس 22 أبريل 2004م الموافق 02 ربيع الاول 1425هـ

الرسالة تبقى وحيا وشريعة ومنهجا

في ذكرى رحيل نبي الأمة

ألقى سماحة السيد محمد حسين فضل الله خطبة صلاة الجمعة للأسبوع الماضي وخصص الخطبة الأولى لذكرى رحيل نبي الأمة محمد بن عبدالله (ص)، وجاء في الخطبة:

في الثامن والعشرين من شهر صفر كانت وفاة نبيّنا محمد، رسول الله (ص)، على أشهر الروايات، ونحن لا نتذكره في مناسبة وفاته وولادته فقط، بل نعيش معه في كل صلواتنا وصلاتنا عليه ودعائنا الله بأن يصلّي عليه ويسلّم كما صلّى على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، وهو (ص) ليس مجرد شخص نتذكره، ولكنه عقل بنى لنا عقولنا، وقلب ينبض في قلوبنا، ودين يحيط بكل حياتنا، وحركة تسير بنا إلى الله تعالى وتقرّبنا إليه، فنعيش مع الله كما عاش رسول الله معه في آفاق التوحيد، فلا نرى مع الله أحدا، ولا ندعو معه أحدا، ونعيش في كل ألطافه ورحماته وعطاياه وكرمه ونعمه.

وعندما نعيش مع رسول الله (ص)، فإنَّ عيشنا معه لا يفصلنا عن عيشنا مع الله، لأنه جاء إلينا رسولا من الله، أعطانا الرسالة، وهو الصادق الذي جاء بالصدق وصدّق به، ولكنَّ الله تعالى قال له: إنك لن تخلد في الحياة الدنيا، لأن الله لم يجعلها دار خلود، فأنت بشر في جسدك وكل بشر يموت: «كل نفس ذائقة الموت» (آل عمران: 185). هؤلاء الذين ينتظرون موتك من المشركين ويشمتون بموتك، فهل يخلد هؤلاء من بعدك؟ قد يموتون قبلك وقد يموتون بعدك... وفي هذا إيحاء لكل الناس الذين قد يعيشون السلبية مع بعضهم بعضا، فإذا مات من يختلفون معه شمتوا بموته، وكأنهم مخلّدون من بعده.

ويؤكد الله تعالى لنا حقيقة، وهي أن حياة الرسالة لا ترتبط بحياة الرسول، فالرسول يموت جسدا، ولكن الرسالة تبقى وحيا وعقيدة وشريعة ومنهجا وحركة، لأن الرسالة من الله الذي أراد لرسوله أن يكون شاهدا ومبشّرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، جاء ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور بالقرآن والرسالة كلّها: «وما محمَّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل» وقد نزلت هذه الآية في واقعة «أحد» عندما جُرح النبي (ص)، وقال بعض الناس: لقد مات رسول الله، وبحث البعض عمّن يتوسّط لهم عند أبي سفيان، وقال الصادقون المؤمنون بالإسلام وبرسالته: إن كان محمد قد مات فإن ربّ محمد لم يمت، فتعالوا لنقاتل على ما قاتل عليه ولنموت على ما مات عليه «أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا» (آل عمران: 144) لأن الله مستغنٍ عن كل عباده، وقد قال في كتابه: «يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. إن يشأ يُذهبكم ويأتِ بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز» (إبراهيم: 19-20) قال للكون كن فكان، وقال للناس كونوا فكانوا، فالله لا تنفعه طاعة من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه.

من وصاياه (ص) لأمته

نحن نعيش ذكراه في ذكرى وفاته. كيف كان النبي (ص) في الأيام التي سبقت وفاته؟ مرض مرضاَ شديدا كما يمرض البشر، ولكنه كان يريد أن يوصي أمته في القضايا الأساسية، وخصوصا في وصاياه الأخيرة، حيث نجد أنه في خطبته التي خطبها في «منى» في حجة الوداع، يؤكد الأسس التي ينبغي لنا أن نأخذ بها.

قال رسول الله (ص) في هذه الخطبة: «اسمعوا قولي وأعقلوه عني، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا (وكان يوم عيد الأضحى) في شهركم هذا (في شهر ذي الحجة) في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم في منى ألا هل بلَّغت، اللهم اشهد، فمن كان عنده أمانة وكان النبي (ص) نبي الأمانة والصدق فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها... أيُّها النَّاس، إنَّ الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يُطاع في ما سوى ذلك مما تحتقرون من أعمالكم... اتقوا الله في النساء، واستوصوا بهنَّ خيرا... ألا هل بلَّغت اللهم اشهد، فلا ترجعُن بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض، فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، اللهم هل بلّغت اللهم فاشهد... أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة... فلا يحلّ لامرئ مال أخيه إلا بطيب نفسه... أيها الناس إن ربّكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، ألا هل بلَّغت، قالوا نعم، فقال: «فليبلّغ الشاهد منكم الغائب».

وهذه قاعدة وضعها رسول الله (ص) توجب على كلِّ إنسان يشهد موعظة أو حكما شرعيا أو شرح آية، أن يبلِّغ من لم يتعلّموا الحكم أو الآية، أو من لم يستمعوا إلى الموعظة. ومعنى ذلك، أن على كلِّ مسلم أن يتحمّل مسئولية كل ما يعرفه عن الإسلام، فيبلّغه لمن حولـه، لأن المسلم لابد أن يكون داعية لله، معلما للناس في كل شيء.

وفي كلمة له (ص) بدأ ينعى فيها نفسه: «أما بعد أيها الناس، فإنه قد حان مني خفوق من بين أظهركم، فمن كان له عندي عِدة فليأتني أعطه إيَّاها، ومن كان له عليّ دين فليخبرني به. معاشر الناس، ليس بين الله وبين أحد شيء يعطيه به خيرا أو يصرف عنه به شرا إلا العمل. أيها الناس لا يدّعي مدّعٍ ولا يتمنّى متمنٍّ»... على طريقة البعض الذي يقول إني أستطيع أن أفعل كل شيء وأهل البيت (ع) يدبّرون لنا الأمر يوم القيامة، في الوقت الذي يقف عليّ (ع) وهو في أعلى مواقع العصمة ليناجي ربه ويقول: «فهبني صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك، وهبني صبرت على حرّ نارك فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك»... «والذي بعثني بالحق نبيا، لا ينجي إلاّ عمل مع رحمة، ولو عصيت لهويت».

وفي سيرة النبي (ص) أنه كان في مرضه الذي توفي فيه، وكان إلى جانبه عمه العباس بن عبدالمطلب، وعمته صفية بنت عبدالمطلب، وابنته فاطمة (ع)، فالتفت (ص) إليهم وهو يقول: «يا عباس بن عبدالمطلب، يا عمّ رسول الله، اعمل لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفيَّة بنت عبدالمطلب، يا عمّة رسول الله، اعملي لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد، يا بنت رسول الله، اعملي لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئا»

العدد 595 - الخميس 22 أبريل 2004م الموافق 02 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً