العدد 599 - الإثنين 26 أبريل 2004م الموافق 06 ربيع الاول 1425هـ

المرأة في الأحكام الأسرية بين الموضوعية والإجرائية

ورشة عمل المجلس الأعلى للمرأة ...

عرض واقع المرأة في الأحكام الأسرية الموضوعية منها والاجرائية، وتوعية المرأة بحقوقها الموضوعية في هذه الأحكام، وبالقواعد المقررة في القوانين الاجرائية المنظمة كانت أهم اهداف ورشة العمل التي نظمها المجلس الأعلى للمرأة بالتعاون مع جامعة البحرين في فندق الخليج في الفترة (25 - 26 ابريل/نيسان الجاري) وقد حملت عنوان «واقع المرأة في الأحكام الأسرية: الموضوعية والإجرائية».

تحدث في الورشة عدد من القضاة والقانونيين الذين استعرضوا حقوق المرأة في الأحكام الأسرية في البحرين طبقا للمذهبين السني والجعفري، وقدموا عرضا عمليا ونموذجا تطبيقيا للحقوق المقررة في أحكام الأسرة باستعراض تجربة المملكة المغربية في هذا الشأن.

أول المتحدثين كان قاضي المحكمة الكبرى الشرعية - الدائرة السنية - فريد يعقوب المفتاح الذي بدأ كلامه مؤكدا مكانة المرأة في الإسلام وتكريم الإسلام لها وجعلها شقيقة للرجل مستدلا على ذلك بالكثير من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة كقول الرسول في الحديث الصحيح «إنما النساء شقائق الرجال»، ثم تطرق المفتاح للحديث عن الحقوق التي حددها الاسلام للمرأة في إطار الحياة الزوجية التي شاء الإسلام أن يشيدها على أساس معادلة دقيقة عادلة تتوازن فيها الحقوق مع الواجبات لكل من الطرفين «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف»، من بين هذه الحقوق حق اختيارها لشريك حياتها، وحق النفقة بما يتناسب مع وضعها الاجتماعي من جهة وقدرة الزوج المالية من جهة أخرى، وحق حسن المعاشرة ومبادلتها الثقة والحب والاحترام لملء كل أبعاد العلاقة المادية والأخلاقية والغريزية والجمالية بين الزوجين، وحق الحضانة أو تربية الولد هذا عدا عن حقها في الميراث وهو الحق الذي اعتبره المفتاح واحدا من أكثر القضايا اثارة للجدل، التي يلجأ اليها خصوم الاسلام للطعن فيه، إذ يشاع بينهم ان الاسلام ظلم المرأة واستهان بها حين جعل ميراثها نصف ميراث الرجل، لكن المفتاح يرد على هذا الكلام قائلا «إن الإسلام لم يجعل ميراث المرأة نصف ميراث الرجل كقاعدة عامة (...) فالمرأة قد تأخذ نصف حصة الرجل في بعض الحالات وقد تأخذ قدرا مساويا في احيان اخرى، وقد تأخذ الثلاثة أرباع أو الثلثين».

ثم استعرض المخارج التي وضعها الشارع لتمكين الزوجة من تخليص نفسها من نير الزوج، إذا كرهت الحياة معه لأي سبب كان، من بينها اشتراط المرأة أن يكون الطلاق بيدها، والخلع أي أن تفتدي المرأة نفسها بأن ترد للرجل ما أخذته من صداق مقابل تطليقها، بعدها تطرق المفتاح للحديث عن حقوق المطلقة التي تتضمن الحصول على المهر كاملا إذا كان مدخولا بها ونصفه اذا لم يكن مدخولا بها، ونفقة العدة والمتعة او المال الذي يدفعه لها الزوج إن فارقها بسبب كرهه لها الى غير ذلك من الحقوق.

أخيرا أشار المفتاح الى بعض الضمانات الشرعية لحقوق المرأة الزوجية التي تؤكد ما أعطاه الله لها من مكانة سامية وقدر عال.

ومن بين المحاضرات التي ألقيت تلك التي ألقاها رئيس المحكمة الكبرى الجعفرية الشيخ ناصر العصفور الذي أكد أن الشريعة الإسلامية تنظر إلى المرأة والرجل على انهما متساويان شرعا مدللا على ذلك بالآية الكريمة «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض»، وقال: على رغم ذلك فإن «هناك خلاف فقهي بالنسبة إلى تولي المرأة بعض المهمات المحددة كالافتاء والحاكمية السياسية، عدا عن مسألة قوامة الرجل» لكنه أكد أن القوامة لا تعني التسلط والاستبداد من قبل الزوج بل هي مسئولية يمارسها في إطار المعاشرة بالمعروف، وهي المعادلة التي لا تتحقق الا بمراعاة التوازن في الحقوق والواجبات بين الزوجين.

بعدها أستعرض بعضا من حقوق المرأة في فترة ما قبل الزواج، كما استعرض مسألة الولاية للرجل على المرأة في هذه المرحلة مشيرا الى ان لا ولاية لغير الأب والجد على المرأة البكر أما غير الباكر فلا ولاية لأحد عليها.

أما فيما يتعلق بضمان حقوق المرأة الشرعية فقد أكد العصفور ان الاسلام اعطى للمرأة حق اشتراط ما تشاء على الرجل شرط عدم مخالفة شروطها لما هو ثابت في القرآن الكريم والسنة النبوية وعدم منافاته لعقد النكاح.

وفيما يتعلق بتطليق المرأة لنفسها وهو الحق الذي يضمنه المذهب السني للمرأة فقد أشار العصفور الى ان المذهب الجعفري لا يعطي للمرأة هذا الحق لكنه بدلا من ذلك يعطيها حق تضمين عقد الزواج شرط ان تكون وكيلة في تطليق نفسها في الحالات التي تتفق عليها مع زوجها، وهو الأمر الذي يرى العصفور أنه كفيل بحل مشكلة تعنت الزوج الذي ينوي الاضرار بالزوجة. ثم أسهب العصفور في الحديث عن موضوع الطلاق معددا أنواعه ودواعيه وحقوق المرأة في حال حدوثه.

أخيرا اختتم العصفور حديثه بالاشارة الى قيام المرأة بالاعمال المنزلية المتعارفة وهو الأمر الذي يعتبره من المرتكزات في الاذهان إذ إن الرجل قد لا يقدم على الزواج من امرأة لو علم امتناعها عن ذلك في الغالبية، في الوقت الذي لا يطالبها الشرع فيه بذلك، لكن العصفور يرى ان لا مانع من تنازل المرأة لحفظ المعاشرة بالمعروف التي لا تختص بالجانب المادي بل تمتد الى العلاقة الانسانية.

من بين المحاضرين تحدثت المستشارة بالمجلس الأعلى ورئيسة المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء الاستاذة زهور الحر التي تناولت في محاضرتها الحديث عن التجربة المغربية مع قانون الأسرة وآليات استخدام الحقوق المقررة فيه تشريعا وتطبيقا، مستهلة كلامها بتأكيد أن هذا الحديث يجب أن ينطلق من آليات المسار التشريعي والسياق العام الذي جاءت فيه هذه الحقوق، مركزة في محاضرتها على محطات أساسية يجب الوقوف عندها، ووضعها في سياق التاريخي.

تحدثت الحر أولا عن وضعية المرأة ومسار حقوق الانسان في المغرب إذ أكدت التزام المغرب منذ حصوله على الاستقلال بالمصادقة على الكثير من الاتفاقات الدولية في مجال حقوق الانسان وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين (...) ويحضر موضوع المرأة - كما تشير الحر - في قلب هذه الحركة الحقوقية ليكون الناتج اطارا قانونيا يضمن للمرأة حقوقها السياسية والمدنية، الأمر الذي أوصل المرأة الى الوظائف العليا والى الكثير من مواقع صنع القرار، كما أن هذه الحركة التقنينية توجت بإصدار قانون للأحوال الشخصية تحت اسم مدونة الاسرة، تحقق فيه انسجاما تاما وتزاوجا فريدا بين مقتضيات الشريعة الاسلامية وبين القيم الانسانية الكونية.

بعدها عددت الحر المرتكزات الاساسية لهذه الحقوق وهي:

- المرجعية الوطنية الاسلامية: إذ يعتمد هذا القانون على فلسفة مستمدة من الشريعة الاسلامية مع إعمال آليات الاجتهاد لإيجاد حلول لمستجدات العصر في ظل الشريعة.

- المرجعية الدولية: فالمغرب عضو في المنظومة الدولية وقد صادق على الكثير من المواثيق والاتفاقات الدولية، ولذلك فإن قانون الاسرة يضمن الكثير من نصوص الاتفاقات الدولية المنسجمة مع هوية المغرب واصالته منها الاتفاق الدولي لحقوق الطفل واتفاق الغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

- اعتبار التحولات الاجتماعية وضرورة مسايرة القانون للمستجدات ومواجهة تحديات العصر: وهو الأمر الذي خلق هوة بين ما هو مقنن في التشريعات وما هو معاش على أرض الواقع، ما أدى الى بروز الكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية كظاهرة العنف المادي والمعنوي ورفض الآخر والإغراق في الذاتية، وتبدو هذه التحولات واضحة في التغيرات التي طرأت على تركيبة الأسرة وعلى تغير الأدوار والنمو الديمغرافي وظاهرة الهجرة المكثفة من البادية الى المدينة، وعلى العلاقات داخل الاسرة.

- اعطاء الاسرة مكانة الصدارة: فهذا القانون يتناول مشكلات الاسرة بصورة شاملة باعتبار دورها الفعال في تنمية المجتمع ولتفادي خلق التضارب او التعارض بين مصالح أفراد الاسرة.

وأشارت الحر الى ان الاصلاحات التي تضمنها قانون الاسرة أقرت تغيرات عميقة وجذرية من أجل النهوض بالمجتمع وجعله مجتمعا حداثيا معاصرا بمرجعيته وأصالته المتطورة. بعدها تحدثت عن ميزات وخصائص هذا القانون فذكرت أنه من حيث الشكل اعتمد صوغا قانونيا حديثا باستخدام لغة بسيطة ومفهومة واستبعد كل العبارات ذات المدلولات غير البريئة التي تحمل بين ثناياها مضامين تعكس مفهوم الدونية والتراتبية واللامساواة بين أطراف العلاقة الزوجية، أما من حيث الموضوع فقد تميز بالكثير من الأحكام الجديدة التي تضمن توفير حماية ادارية وقانونية وقضائية لأفراد الأسرة.

بعدها تحدثت الحر بشيء من التفصيل عن آليات حماية حقوق الأسرة على مستوى التطبيق التي يأتي على رأسها إقرار المساواة وتحقيق التوازن بين حقوق الزوجين وواجباتهما، وتدعيم دور القضاء في معالجة مشكلات الأسرة، وركزت في حديثها على موضوع الطلاق كأحد المداخل الأساسية لإصلاح أوضاع الأسرة إذ أشارت الى أن مدونة الاسرة تركز على اخضاع عملية الطلاق للرقابة القضائية الصارمة، وعلى وضع قيود شرعية للطلاق تحد من استعمال هذا الحق الذي يصفه الرسول بأنه أبغض الحلال الى الله، كما وضعت آلية واضحة للاجراءات المتبعة أمام المحكمة، أو لإنهاء العلاقة الزوجية منها:

1- خلق مسالك جديدة مثل الطلاق بالاتفاق، التطليق للإخلال بأحد شروط العقد، التطليق للشقاق.

2- وضع ضوابط للحد من استعمال هذا الحق وذلك بسلوك عدة مراحل للحصول على الطلاق.

كما تحدثت الحر عن السلطة الممنوحة للقاضي في تطويع النص عن طريق الاجتهاد في التأويل والتفسير واعطاءه صلاحيات مهمة وجعل الكثير من التصرفات مقيدة ومتوقفة على الإذن القضائي وخاضعة للمراقبة القضائية، كما ترك للقاضي هامشا واسعا في استعمال سلطته التقديرية في الكثير من القضايا الاسرية.

اليوم التالي تناول الكثير من المحاضرات الأخرى التي عرضت المزيد من الأحكام المقررة في القوانين الاجرائية المنظمة عموما، بعد انتهاء المحاضرين فتح المجال لطرح الاسئلة والمداخلات التي بدأها أحمد العطاوي الذي توقع ان يكون الحديث عن واقع الحال وما يجري في المحاكم بدلا من طرح الصورة المثالية للأحكام، وأيدته في ذلك الكثير من المشاركات إذ ذكرت إحداهن ان هناك هوة عميقة بين التعاليم الدينية والممارسات العملية، بسبب الخلاف في تفسير هذه التعاليم، وتساءلت عن سبب عدم وجود قانون موحد للأحوال الشخصية، كما أبدت الكثير من الحاضرات استياءهن من قلة وعي المقبلين على الزواج بحقوقهم وواجباتهم وتساءلن عن امكان وجود آلية معينة لتوعية هؤلاء الأفراد.

عدم تطبيق احكام الشريعة سواء من قبل الأفراد، أو من قبل الجهات المعنية التي توجد بها قوانين صريحة لمعاقبة مخالفي الأحكام الشرعية أدى الى خلق واقع اسري ونسائي يؤسف له - بحسب تعبير كثير من الحاضرات - لا يمكن توجيه اللوم فيه لطرف معين، وان كانت الأعين تتجه مباشرة الى الجهات القضائية والقانونية التي تغض الطرف عن كثير من حالات الظلم الواقع على المرأة والانتهاكات التي تمارس بحقها.

أوراق ورشة العمل طويت بكثير من التنظيرات الأطروحات والعروض المثالية التي لا تجد لها تطبيقا على أرض الواقع، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: الى أين تأخذنا هذه الأطروحات؟ وماذا بعد توصيات المجلس الخمسة عشرة؟! على ضوء المناقشات التي تمت خلال أعمال ورشة عمل «واقع المرأة في الاحكام الاسرية: الموضوعية والإجرائية» تم التوصل الى التوصيات الآتية:

- إصدار دليل موحد خاص بالقوانين الإجرائية المنظمة لقوانين الإجراءات أمام المحاكم الشرعية وقانون المرافعات لتنفيذ الأحكام الشرعية واختصاصات المحاكم والمذاهب المطبقة والقوانين المتعلقة بأحكام الأسرة.

- إضفاء صفة الاستعجال على الاحكام الخاصة بالمرأة والطفل والاسرة في القضايا الشرعية وزيادة عدد دوائر المحاكم الكبرى والاستئناف الشرعية.

- ضرورة تطبيق وتفعيل احكام قانون الإجراءات أمام المحاكم الشرعية.

- إخضاع الأحكام الشرعية لرقابة محكمة التمييز وذلك بإنشاء دائرة شرعية تتبع هذه المحكمة.

- تفعيل التوصية الخاصة بتخصيص المراكز الاجتماعية كمقر للقاء الوالدين بأطفالهم في حالة الانفصال، وفقا لبرنامج الزيارات الذي تم اعداده لذلك.

- إصدار دليل موحد لحقوق المرأة الشرعية وتعريف الطرفين بها.

- تعديل وثيقة الزواج بما يضمن شروط الطرفين فيها.

- إعادة النظر في معايير النفقة وتخصيص محاكم لتنفيذ الأحكام الشرعية.

- إنشاء مكتب إرشاد لتوعية الطرفين المقبلين على الزواج، والمتزوجين والمطلقات والتوعية بحقوق الميراث.

- إعادة النظر في سن الحضانة والإلحاق بالوالدين.

- إعادة النظر في قضايا الولاية والعضل والإكراه في الزواج واتخاذ التدابير المؤقتة لحين إصدار قانون لأحكام الأسرة.

- تفعيل قانون الإسكان فيما يتعلق بحماية حق المرأة المساهمة في الإنفاق في المشروع والوحدة الإسكانية.

- توسيع مفهوم الضرر ليشمل الضرر بمعناه المادي والمعنوي والتيسير في القواعد الخاصة بإثبات الضرر.

- انشاء معهد عالي لتأهيل وتدريب القضاة والدراسات القضائية.

- الاسترشاد بالتجارب الناجحة للدول العربية فيما يتعلق بأحكام الأسرة

العدد 599 - الإثنين 26 أبريل 2004م الموافق 06 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 12:28 ص

      ليس كل النساء تريد مساواة الرجل بالمرأة الرجال قوامون على النساء بما أنفقوا وبما فضل الله بعضهم على بعض .هذه لاية واضحة أن االله ميز في قضاءه وخلقه بين الرجل والمراة جسم المرأة يختلف عن الرجل - التفكير عتد المرأة يختلف عن الرجل - الشعور النفسي يخنلف عن الرجل الكثير من الأعمال لا تستطيع المرأة فعلها يقوم بها الرجل وكذلك الرجل منها الرضاعة التربية وتحمل تربية طفل رضيع يجب حماية المراة نعم بقوانين ولكن الله سبحانه وتعالى حماها ةلا يوجد أفضل وأعلى من الله سبحانه وتعالى .في حماية المرأة .

اقرأ ايضاً