يحمل المحامي هيثم المالح سبعين عاما من العمر وهو يتابع مسيرته بوصفه واحدا من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في سورية، ويتولى رئاسة جمعية حقوق الإنسان، وهي واحدة من ثلاث منظمات أهلية تأسست في سورية خلال السنوات الماضية، كان لها دور في اثارة موضوع حقوق الإنسان ورصد الخروقات التي تقع عليها.
«الوسط» التقت المحامي المالح في مكتبه بدمشق والذي هو مقر جمعية حقوق الانسان في سورية واجرت معه الحوار الآتي:
كيف يمكن اليوم اختصار القول في واقع حقوق الإنسان في سورية؟
- منظمات حقوق الإنسان منظمات حديثة في سورية، وكذلك مفهوم حقوق الإنسان هو مفهوم حديث، وفي المستوى القانوني توجد ضمانة لحقوق الإنسان، لكن على المستوى الواقعي والعملي ليس هناك بعد شيء، ما هو قائم عمليا هو قانون الطوارئ وحال الطوارئ التي أعلنت منذ العام 1963، واستنادا اليها يتم اغتيال كل القوانين التي يمكن أن تكون حامية لحقوق الإنسان بما فيها الدستور السوري الذي صدر 1973، وفيه ضمانات كثيرة لحقوق الإنسان، لكن هذا الدستور مع الأسف الشديد وبوجود حال الطوارئ المعلنة يتم تعطيله، وإضافة إلى حال الطوارئ المعلنة، هناك قانون أنشأ جهاز المخابرات العامة، وتنص المادة 16 منه على أن أي موظف في الإدارة يرتكب أية جريمة في أثناء تأديته لمهماته لا يمكن محاسبته عليها إلا إذا وافق مدير الدائرة، وهذا يعطي الجريمة صفة قانونية ويعطي حصانة لمرتكبي الجرائم في نص القانون.
نص قانون إنشاء المخابرات العامة زائد حال الطوارئ يعطيان الأجهزة الأمنية صلاحيات لا حدود لها في انتهاكات حقوق الإنسان، وليس هناك غطاء على رأس أي إنسان في سورية لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية، والانخراط في العمل السياسي والاجتماعي، وحتى في العمل الاقتصادي هناك خطورة التدخل فيه والاستيلاء عليه من قبل الجهات المتنفذة لأنه لا يوجد قانون يحكم، وفي الحال التي ينعدم فيها وجود القانون تكون كل الأبواب مشرعة للانتهاكات.
دعنا نقف عند أمثلة محددة عن الانتهاكات، مثل الانتهاكات المتصلة بالحقوق السياسية؟
- كما هو معروف عندنا أعداد كبيرة من المعتقلين، ومنهم معتقلون في سجن صيدنايا، وقضى بعضهم أكثر من عشرين سنة في الاعتقال لأسباب سياسية، وإن كانت السلطة تزعم أنه جرت محاكمات عسكرية أو محاكمات مدنية لهؤلاء، أو صدرت أحكام ضدهم، فان هذه الأحكام لا ترقى إلى مستوى المعايير الدولية وبالتالي لا يمكن الوثوق بصحة هذه الأحكام الصادرة فيما إذا كانت هناك أحكام، وهذه نقطة، والثانية، ان بعض المعتقلين انتهت محكوميتهم ومازالوا في السجون في ظل حال الطوارئ، بمعنى أنه تم الاحتفاظ بهم على رغم انتهاء مدة الحكم.
وجرت حديثا اعتقالات كثيرة، كما في حال المجموعة التي اعتقلت في داريا، والتي لم تقم بأي عمل مناوئ للسلطة، بل كل ما قاموا به تنظيف شوارع المدينة، ومطالبة المواطنين أن يكونوا منضبطين مع القانون، طالبوهم ألا يرتشوا، وألا يدخنوا الدخان الأميركي، كانت النتيجة أنهم حوكموا، وصدرت بحقهم أحكام ما بين ثلاث وأربع سنوات، وإن كان أفرج عن بعض منهم حديثا، لكن مازال أربعة منهم باقين في السجن، كذلك الطلاب الذين اعتقلوا في حلب ودمشق دفاعا عن مصالحهم، وقد أفرج عن البعض منهم ولايزال اثنان في السجن وسيحالان إلى المحاكمة كما قيل، وبين المعتقلين في سورية ذنبه استعمال جهاز الكمبيوتر، أو الاتصال بالإنترنت وارسال بعض المواد المستخرجة من الإنترنت الى اصدقائه، ما جعله يساق إلى محكمة أمن الدولة، كما في حال عبدالرحمن الشاغوري، وعلى رغم انب موكله، فلم استطع حتى الآن مقابلته على انفراد، هذه كلها انتهاكات لحقوق الانسان تستمر السلطات في ارتكابها من دون ضوابط، وسط مزاعم أن هناك قوانين تبرر ما يحصل، أي قوانين تحمي هذه الانتهاكات.
هناك جمعيات عدة متخصصة في حقوق الإنسان في سورية ما هو إمكان فعلا التشارك بين هذه الجمعيات الحقوقية للعمل من أجل حقوق الإنسان؟
- توجد ثلاث منظمات لحقوق الإنسان على الساحة، منظمة لجان الدفاع الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية التي يرأسها أكثم نعيسة والذي اعتقل أخيرا، وتوجد جمعيتنا، وهناك فرع للمنظمة العربية لحقوق الإنسان التي أقيمت أخيرا برئاسة محمد رعدون، والاخيرة حديثة التأسيس جدا، لم تحصل حتى الآن على أي ترخيص أو أية موافقة من جهات مسئولة، كذلك لجان الدفاع عن حقوق الإنسان التي يرأسها أكثم نعيسة، لم تحصل على أية موافقات من الدولة، الجهة الوحيدة التي تعتبر مغطاة بحصانة قانونية هي جمعيتنا، نحن قدمنا طلب ترخيص للوزارة ومضت المدة القانونية، وكان على الوزارة أن تجيبنا إما بالإيجاب أو الرفض فلم تجاوبنا، واعتبرت الجمعية محصنة طبقا لنص القانون، الوزارة بعد مضي مدة أبلغتنا قرار رفض ترخيص الجمعية، أقمنا دعوى على وزارة الشئون الاجتماعية والعمل، ونحن الآن مع الوزارة في القضاء، نحتكم إلى القضاء وننتظر الحكم وإنشاء الله الحكم في صالحنا طبقا للقانون، نحن نعتقد أننا محصنون من الناحية القانونية وعملنا عملا قانونيا والدولة لا ترى هذا الرأي، وهذا يعني اننا في خلاف والخلاف مطروح على الفضاء. نحن نتبنى طريقة عمل واستراتيجية مختلفة عن طريقة عمل المنظمات الاخرى، نحن نتبنى مخاطبة المسئولين ومخاطبة الدولة بكتب وبرسائل وبرقيات، وهذا لا يدخل في برنامج المنظمات الأخرى، المنظمات الأخرى تكتفي بإصدار تقارير وبيانات، نحن عملنا أوسع قليلا، نخاطب رئيس الجمهورية ونخاطب الوزراء المعنيين في كل المشكلات، تقريبا نتلقى أجوبة. الدولة تخاطبنا باعتبارنا جمعية حقوق الإنسان في سورية، وردتنا رسائل من القصر الجمهوري، يخاطبنا فيها باسم جمعية حقوق الإنسان في سورية، وبما أن رئيس الجمهورية يخاطبنا فهذا اعتراف رسمي بالجمعية، وعندنا صور عن الكتب المرسلة، هذه الاستراتيجية تضع المسئولين أمام مسئولياتهم. طريقتنا ومنهاجنا مختلف عن منهاج المنظمات الأخرى، ليست بين المنظمات الحقوقية اي تنسيق، لكن إذا تطلبت الاوضاع وجود تنسيق ليس لدينا مانع من التنسيق، لكن في الوقت الحاضر ليس هناك من تنسيق.
إلى أي مدى تجد بصفتك رئيس الجمعية تجاوبا من قبل المسئولين السوريين إزاء ما تطرحه الجمعية بصدد انتهاكات حقوق الإنسان في سورية؟
- نحن حتى الآن قمنا بأكثر من عمل وخاطبنا المسئولين في الدولة وحصلنا على نتائج إيجابية في بعض الحالات، أنا خاطبت مرة وزير الداخلية من أجل أحد المعتقلين، وتم الإفراج عنه بعد أسبوع من خطابي، وخاطبت رئيس الشعبة السياسية اللواء غازي كنعان كما خاطبت وزير الداخلية من أجل موضوع آخر يتعلق بمصادرة منزل من قبل الأجهزة، أيضا انتهى الامر وفق المطالب التي حددتها في الخطاب، واسترد الرجل منزله. في بعض الحالات نصل إلى نتيجة، وفي بعض الحالات لا نصل إلى نتيجة، والدولة لا تسمع كل شيء ولاتعمل كل ماهو مطلوب منها.
أحب أن أتوقف عند مشكلة الأكراد الاخيرة، وقد وصلنا فيها إلى نتائج لا بأس بها، وحركتنا مع الدولة في هذا الميدان حركة مجدية لا بأس بها، وكما تعلم ذهبنا باعتبارنا وفدا مشتركا من الجمعية ومن لجان احياء المجتمع المدني إلى القامشلي، وأنت كنت موجودا التقينا في يوم الجمعة مع المحافظ، كان متوترا، ومتوقعا أننا أتينا لإشعال الحريق في المنطقة، طبعا عندما أدرك أن الأمور ليست كما توقع، بالعكس تماما نحن قمنا بعمل عملا جيدا، في اليوم التالي، يوم السبت اتصل بي وقال أريد ان القاكم، وعندما ذهبت اليه ثانية مع نشطاء آخرين، رأينا اللواء هشام اختيار رئيس المخابرات العامة، والرجل قال بالحرف الواحد، خاطبني لي شخصيا، قال: عندما علمت بأنك هنا أكبرت هذه الخطوة كثيرا، واعتقدت أنك أتيت بمفردك. أجبته لا أنا لست وحدي، نحن مجموعة أتينا معا من الشام، الشيء الذي عملنا نحن كان محل استحسان، ثم طالبناه بمطالب محددة، بينها الإفراج عن الذين لا علاقة لهم بأعمال العنف التي حدثت، لأن عملية الاعتقال كانت كبيرة، وتسليم الجرحى إلى أسرهم لمعالجتهم، طالبنا بتأجيل افتتاح المدارس خوفا من حدوث مشكلات، طالبنا بوضع مشكلة الأكراد في الجنسية على النار، والإسراع في حلها، لأن هذه المسألة هي السبب الأساسي للاحتقان. وقد وعد باستجابة بعض المطالب ومن جملة ما قاله الرجل، سنبدأ بالإفراج عن المعتقلين، وفعلا أفرجوا عن أعداد كثيرة، ووافقوا على تسليم الجرحى إلى أسرهم. كذلك أجلوا افتتاح المدارس، وهشام اختيار قال بالحرف الواحد اننا نحن سنمنح كل كردي موجود على الأرض السورية منذ أكثر من عشر سنوات، ويثبت ذلك الجنسية السورية، وعلمنا حديثا أن آلاف من الأكراد حصلوا على الجنسية السورية، وحصلت إفراجات كثيرة، وإن كان هناك بالمقابل اعتقالات، وعلى كل الأحوال، نحن نتأمل أن تحل المشكلات بشكل سلمي وسياسي معقول
العدد 637 - الخميس 03 يونيو 2004م الموافق 14 ربيع الثاني 1425هـ