أثارت تصريحات وزارة الكهرباء والماء التي طالعت الصحف بها القراء منذ الصباح ضجة أكبر من تلك التي أحدثها الانقطاع يوم أمس الأول، إذ استنكر فريق منهم كون الخلل الذي قطع الكهرباء لساعات ولأكثر من مرة في اليوم الواحد عن الكثير من القرى والمدن ناتج من محطة جديدة، معتبرين أنه مصاب أكبر من لو كان المصدر محطة قديمة، فيما راح فريق آخر يصر على معرفة السبب الذي يجعل مناطق دون أخرى تحتل نصيب الأسد في الانقطاعات، مستنكرين ألا تطال الانقطاعات الشركات والفنادق والقصور، وتقتصر على منازل المواطنين من دون أن تراعي وجود الأطفال والمسنين الذين لا طاقة لديهم لاستيعاب برمجة الانقطاعات، وجدواها ماداموا قابعين في الحر والظلام. .. نبرة السخط ظلت، بل وعلت طوال يوم أمس، ونشطت مطالبات بتحقيق الوعود الزائفة في صيف يخلو من الانقطاعات، قابلتها مطالبات أخرى بالحصول على تعليل منطقي لاستمرار الانقطاعات في مناطق دون غيرها... إلى ذلك، أكد آخرون أن مصالحهم شلت طوال صباح أمس الاول، واضطرت عدد من رياض الأطفال إلى إرجاع الأطفال إلى منازلهم جراء الحر الشديد، في الوقت الذي خسرت الدكاكين الصغيرة بعضا من بضاعتها، واضطرت إلى إهداء اللحوم البيضاء والحمراء التي فسدت جراء انقطاع الكهرباء إلى القطط عوضا عن بيعها على المستهلكين... والسؤال: كم من الباعة لديه هذا الضمير الحي؟ وكم منهم سيغمض عينيه عن الفساد الذي أضر باللحوم ليعيد تجميدها من جديد مستبدلا القطط بالمستهلكين... وفي هذا السياق ينبثق سؤال أكبر تضل فيه الإجابة طريقها ولا تستطيع الوصول، وهو: من يحمي المستهلك من انقطاعات الكهرباء ومن الاستغفال؟! حكايات كثيرة ظلت الناس تتناقلها طوال يوم أمس جوهرها الانقطاعات، وهذه سليمة رضي "67 عاما" التي تعيش في مجمع 128 في مدينة عيسى تظل حبيسة الحر حتى تعود لها الكهرباء بعد قرابة الساعتين من الانقطاع، فهي لا تعرف كيف تطلب ابنها على الهاتف لتطلب منه مهاتفة طوارئ الكهرباء "الذين أصبح ردهم على المكالمات ضرب من ضروب التمني، تماما كما كان العاملون على خط181 يفعلون بالمتصلين قبل المنافسة التي أصلحت الأوضاع وجعلت عامل البدالة يرد على المكالمة قبل انتهاء الرنة الأولى... ربما تحتاج بدالة طوارئ الكهرباء إلى منافس ليحفزها على تحسين خدماتها". على ذلك يعلق عبدالرحمن جمشير فيقول: "انقطعت الكهرباء فجأة عن بيتنا من دون البيوت المجاورة، خرجت لأعاين الخلل فلربما كان بسيطا فأصلحه، لكنه لم يكن كذلك، فالخلل ليس في العداد، بقيت أطلب أكثر من ساعة - واقسم بذلك - خط الطوارئ الذي كان يضعني على الخط لدقائق بحجة أن المخابرين مشغولين، وبعد الساعة رد احدهم ليخبرني أن عمال الطوارئ سيأتون في حدود ربع الساعة، ربع الساعة كانت ساعة ونصف، ظل خلالها أطفالي يحومون حولي ويصرخون فطلبت من زوجتي أن تأخذهم في السيارة على أن أتصل بها لتعود حال عودة الكهرباء". ويقول: "ربما لا نستطيع الاعتراض على الانقطاعات المبرمجة، فهذه خطط الوزارة، ما نريده هو الرد على شكاوى الناس عبر خط الطوارئ، وعدم حرقهم أكثر مما يحرقهم الحر". يقول سلمان محمد "قرأت في الصحف البحرينية الصادرة يوم أمس الرد الذي تذرعت به وزارة الكهرباء والماء لتبرير خطوة انقطاع التيار الكهربائي، ووجدت أن الأعذار التي تقدمت بها الوزارة غالبيتها لا تصلح لأن تكون مبررا للتقصير الكبير الذي وقعت فيه الوزارة في الأسبوعين الماضيين تحديدا. كما أننا لم نلمس وعدا قطعيا من الوزارة يفيد أنها ستتلافى هذه المشكلة في الأيام والأسابيع المقبلة، وهذه مؤشرات تدلل على أن هذه المشكلة لاتزال قائمة بوجود مسبباتها". على صعيد متصل يقول الاقتصادي حسين المهدي: "لاشك أن استمرار انقطاع الكهرباء في البحرين يؤثر بشكل مباشر على جميع القطاعات المستفيدة من الطاقة الكهربائية، خصوصا القطاعات التجارية والصناعية لارتباطهما بعجلة الاقتصاد، ناهيك عن تضرر قطاع الاستهلاك المنزلي للأفراد والأسر، ويستهلك القطاع التجاري 03 في المئة من الطاقة المنتجة في البحرين، ويشمل هذا القطاع أنشطة وفعاليات تجارية مهمة على رأسها تجارة التجزئة والجملة وقطاع الخدمات الشخصية، بالإضافة إلى القطاع المالي والمصرفي وقطاعات النقل والسياحة والسفر والمواصلات". مردفا "وفيما يتعلق بتأثر انقطاعات الكهرباء على القطاع الصناعي والذي يستحوذ على 02 في المئة من الطاقة المنتجة، فيشمل مختلف الصناعات التحويلية والإنتاجية بما في ذلك مجمل المؤسسات الإنتاجية في مختلف أوجه الإنتاج في المملكة". ويؤكد المهدي أن "المتضرر الأكبر والمتأثر المباشر من جراء تكرار انقطاعات الكهرباء هو القطاع المنزلي، ويبلغ نصيب هذا القطاع من استهلاك الطاقة الكهربائية أكثر من النصف".
إدارة الطلب
ويضيف "من المقترحات لإيجاد حلول ناجحة لمشكلة الانقطاعات المستمرة لعلها تكمن في ما يسمى في أدبيات الاقتصاد "إدارة جانب الطلب" على الطاقة الكهربائية بدلا من التركيز على "جانب العرض"، بمعنى تركيز الجهات المختصة على النهوض بمستوى وعي الأفراد والأسر البحرينية بضرورة المحافظة على الطاقة التي تستنزف الكثير من الموارد المالية والطبيعية، وذلك باتباع أساليب للمحافظة على الطاقة قد تكون بسيطة في الحقيقة ولكنها ذات أثر كبير، إذ تساعد على خفض معدلات الاستهلاك والطلب على الطاقة الكهربائية، ومثال على ذلك استخدام أجهزة كهربائية تستهلك كميات أقل من الطاقة. وأفضل مثال على ذلك استخدام مصابيح الهولينج ذات العمر الطويل والاستهلاك القليل من الطاقة، من ناحية أخرى تشجيع الأفراد والأسر وخصوصا الشباب على مشاركة بعضهم بعضا في النوم في محل واحد لتخفيف الضغط، بالإضافة إلى ذلك تثقيف الخادمات في المنازل بضرورة إطفاء الأجهزة الكهربائية في القاعات والغرف التي لا تستخدم، واستخدام مواد بناء حافظة للطاقة كالطابوق العازل للحرارة الذي أصبح استخدامه مشاعا في المجتمع البحريني، وأثبتت الدراسات أن هذه الإجراءات الناتجة عن رفع مستوى الوعي بين المستهلكين وفرت في كثير من الدول ما متوسطه بين 52 إلى 03 في المئة من حجم الطاقة قبل البدء بالدراسة، إذ تفيد الإحصاءات أن عدد الأفراد والأسر المستهلكة زاد بأكثر من 41 ألفا خلال السنوات الثلاث الماضية ليصل إلى 002 ألف مستهلك".
استحالة الاستمرار في الزيادة
ويشير المهدي إلى أن "الاستمرار في إنتاج طاقة جديدة لابد أن يقف عند حد معين في وقت ما، إذ أثبتت الدراسات عدم إمكان أية دولة مهما بلغت ثرواتها الطبيعية والمالية الاستمرار في مالا نهاية في زيادة إنتاجها من الطاقة الكهربائية لتلبية متطلبات القطاعات المنزلية، الصناعية والتجارية، لأن هذه الطلبات تزداد بمعدلات تفوق معدلات الإنتاج من الطاقة، وبالنسبة إلى البحرين فإن البيانات المتوافرة تؤكد أن الطلب يزداد بأكثر من الثلث مقارنة بالعرض وذلك على المستوى السنوي، فلو افترضنا أن الطلب يزداد بمئة كيلووات فإن العرض لا يستطيع مجاراته لأنه لا يرتفع إلا بنحو الثلثين فقط". وعن تأثير انقطاعات الكهرباء على القطاع الاقتصادي وهروب رؤوس الأموال إلى خارج البحرين، أوضح المهدي "نحتاج إلى أرقام دقيقة عن ذلك، ومن جانب آخر فإن غالبية الصناعات الكبيرة تعمل في حال الطوارئ لوجود محطات خاصة بها".
رفع مستوى الوعي
وبخصوص ما أثارته وزارة الكهرباء والماء من أن سبب انقطاع الكهرباء يعود إلى وجود خلل في التوزيع، أكد المهدي "ضرورة رفع مستوى الوعي في مختلف مناطق البحرين بأهمية استخدام الأساليب التي تساعد على ترشيد الاستهلاك بين المقيمين والمواطنين على حد سواء من ناحية، وبين الشرائح ذات الدخل المرتفع ومثيلاتها من الشرائح المتوسطة من ناحية أخرى". في الوقت الذي أكد فيه الاقتصاديون مرارا وتكرارا أن استمرار انقطاعات الكهرباء تؤثر بالسلب على الاقتصاد المحلي والاستثمار الأجنبي ويجعل المستثمر يفكر في خيارات أخرى قريبة غير البحرين، تظل تصريحات المسئولين الواعدة بصيف بلا انقطاعات عالقة في الأذهان ليضيفوا حولها النكات والدعابات المستنكرة، ويجدها رسامو الكاريكاتير مادة دسمة طوال الصيف، وتبقى الساحة تحت إمرة الوزارة التي لا يجد الكثير منا تصريحاتها مقبولة بالمقارنة مع الحر والظلام
العدد 665 - الخميس 01 يوليو 2004م الموافق 13 جمادى الأولى 1425هـ