إن ما يدعوني إلى طرح هذا الموضوع هو الواقع المرير بمعنى الكلمة، هذا الواقع المترجم عن إدارة المناهج في وزارة التربية والتعليم، التي توصف على لسان بعض روادها بالمقبرة، لا لشيء سوى كونها مقبرة برؤيا العين ورائحة التراب ووجود الحشائش والنباتات الصحراوية، حالها حال مقابرنا! والأدهى من ذلك الواقع الفعلي لهذه الإدارة، التي هي حتى من حيث مسماها الخاطئ - كما سيتضح لنا بعد قليل - تعيش مرحلة قد يراها البعض أنها نحو التصحيح، في حين أنها لا تضيف إلى واقعها المرير إلا مرارة، ولا تزيد إلى مسارها إلا انحرافا...
إن ما يحز في نفس كل مهتم وملاحظ، حال بعض مقررات المرحلة الثانوية في محتوياتها تحديدا، وفي طريقة تأليف - إن سميناه تجاوزا تأليفا - محتويات بعض المقررات، التي تجعل من التعليم شيئا والتعلم شيئا آخر.
سمعنا من طلاب أحد الصفوف أنهم بينما كانوا يدرسون موضوع ما مع مدرسهم في كتابهم الجديد، انتبهوا إلى أنه ورد في كتابهم هذا كائنات حية مجهرية (دقيقة) من العوالق يزيد طولها على مترين!، وأن الطلاب حين انتبهوا لذلك انفجروا في الضحك، فتذكرت على الفور ذلك اليوم الذي تم استدعاء عدد من مدرسي أحد التخصصات بمناسبة طرح كتاب تم «تعديل» محتواه وإخراجه في صورة معدلة كما يفترض أن يكون، وكيف أن من بين الأمور التي انتبهت إليها هذا الخطأ الفادح الذي حاولت مناقشة إحدى اللواتي كن يبدين وجهة نظرهن في الكتاب، وكيف أن هذا الخطأ يبين خللا في الاستراتيجية التي تم «التعديل» وفقها، فما كان منها إلا المنع والصد والرفض لأية مناقشة في هذا الجانب، وأن ما هو موجود في الكتاب صحيح ولا يحتاج إلى أي تصحيح.
في إحدى المرات قال لي أحد الذين كانوا من المدرسين الأوائل إنه رصد الأخطاء الموجودة في أحد محتويات الكتب العلمية وتم تسليمها إلى المعنيين في إدارة المناهج من اجل تصحيحها في الطبعة اللاحقة، وإنه تفاجأ من زيادة الأخطاء على ما كانت عليه!
وفي موقف آخر عندما كنت أدرَّس طلابي، واستعنت بشفافية لصورة عرضتها بالعارض فوق الرأسي، وكانت مأخوذة من مرجع أجنبي يتم تدريسه في الجامعة، كانت هناك فقرة تقول باللغة الأجنبية إن هناك بعض الأمور التي سيتم التطرق لها في الفصل المقبل، فانتبه أحد الطلاب إلى أن هذه الفقرة نفسها موجودة في كتابهم الذي أدرسهم إياه، أي أن هناك ترجمة حرفية من دون أدنى فهم باقتباس الفقرة مع هذه الجملة وترجمتها حرفيا! وما كان من الطلاب حين انتبهوا إلى ذلك إلا الاستغراب والضحك من واقع المحتويات وطريقة التأليف! عجبي من هذا الواقع الذي تعيشه إدارة المناهج عندما يصل الأمر إلى أن الطلاب هم من يضحك في النهاية على أخطاء فئة من الناس، كان الأجدر بها عدم تخطي ما يفترض أن يضعوه في الاعتبار.
وما يجب أن يُلتفت إليه في أمر هذه المحتويات، أنه عندما يُحصر المعنيون في زاوية حرجة حيال محتويات المقررات الدراسية، فإن ردهم الوحيد هو أن الكيفية التي يتعامل بها المدرس مع المحتوى وتذليله للصعوبات، بالإضافة إلى الأساليب التي ينتهجها وطرق التدريس، هي ما يحدد نجاح هذا المحتوى وملاءمته، في حين أنهم ينسون أو يتناسون أن السبَّاح لا يستطيع السباحة وهو مكتوف اليدين، والمبصر لا يستطيع الرؤية وهو معصوب العينين، فكيف بالمدرس تذليل ما هو عسير وغير قابل للفك؟! وهنا يكون المدرس واضع المنهج، وهو المتحكم في المحتويات والمصحح والمدقق لها، ومن كان يجدر بهم أن يشاركوه في ذلك، ليسوا سوى عثرة في طريق التعليم. نسمع بين فينة وأخرى أن هناك توجها لتغيير بعض الكتب بحيث يتم تعديلها وتطويرها لتكون مناسبة وتعكس الصورة التي يفترض أن تكون عليه محتويات مقرراتنا الدراسية، فأين إدارة المناهج من الأطراف التي يفترض أن تشارك في هذا الأمر؟ عندما تم تعديل بعض الكتب الدراسية وإخراجها بشكل آخر خدعت أطراف كثيرة، تبين بعد ذلك أنهم لم يضيفوا شيئا متميزا للمحتوى، ولم يتناولوه بطريقة علمية، فقط قاموا بإدخال أشكال وصور ليس إلا، وبقيت المحتويات في صورتها المتخلفة في العرض، وبأسلوب واحد تقريبا هو أسلوب الحفظ لا غير.
عندما ننظر بموضوعية نجد أنفسنا أمام خيار واحد لا غير، وهو أن يتم إشراك من لهم اليد والخبرة والتخصص في أمر هذه المحتويات، وبالكيفية والوقت المناسبين، بدلا من أن يتم ذلك في نهاية المطاف في استبيان أو جلسة شكلية لا تقدم بل تؤخر!
ياسين جعفر حبيل
العدد 667 - السبت 03 يوليو 2004م الموافق 15 جمادى الأولى 1425هـ