العدد 715 - الجمعة 20 أغسطس 2004م الموافق 04 رجب 1425هـ

هذا الخليج الهش الذي لا يملون دفنه

المحتضر على مدى عقود (1)

الوسط - عبدالجليل عبدالله 

20 أغسطس 2004

ربما تتوجب إعادة النظر في الأراضي التي منحتها الدولة كعطايا وهبات إلى الوزراء وعلية القوم... فالبلد أصبحت تضيق بالناس وبضع خطوات في أي اتجاه تؤدي إلى ملك خاص... ربما من الحكمة أيضاً أن تسترجع الدولة ما عند الآخرين الذين يرى الناس أن عليهم كف أيديهم التي أتت على نحو 90 في المئة من الأراضي العامة فيما 10 في المئة في طريقها إلى التملك من دون مقابل.

إزاء هذا الواقع يتنامى شعور لدى الناس بالحاجة إلى قانون يحكم ليحفظ الأراضي العامة ويسخرها باتجاه المصلحة العامة كونها العليا ويصون أراضي المملكة من التصرف بها أو وضع اليد عليها بسبل هي موضع جدل قانوني... لذلك أيضاً برزت في الآونة الأخيرة مطالب بإيجاد هذا القانون حماية لما تبقى من الاراضي واحترام المادة 11 من الدستور التي جمدت أمام وهب الأراضي وضع اليد عليها فيما نصها على الورق أن الثروات الطبيعية جميعها ومواردها كافة ملك للدولة تقوم على حفظها وحسن استثمارها بمراعاة مقتضيات أمن الدولة واقتصادها الوطني.

بإسقاط المادة الدستورية على خليج توبلي تحديداً نجد أن الدولة ساهمت بشكل كبير في تدمير ثروة بحرية لا تعوض بقيمة وربما البحرينيون عموماً ومرتادو البحر خصوصاً يعلمون أن خليج توبلي كان يزخر بثروة سمكية هائلة بفضل التنوع الفطري والبيولوجي الذي جعله موقعاً للأبحاث لكثير من البيئيين والاختصاصيين. ويذكر الناس أن مساحة خليج توبلي في العام 1956 كانت 24 متراً مكعباً قبل أن تلتفت إليه الأنظار لتحرر عطايا وهبات في أراضٍ بحرية. تاريخياً بدأ التصرف في خليج توبلي في منتصف الثمانينات أو نهايتها وهو ما تبينه بعض الشواهد أما المستفيدون فهم الكبار والمقربون والوزراء ولأن مساحات الأراضي البحرية التي استملكت من دون مقابل كانت مغرية باشر من حولت بأسمائهم إلى دفن مساحات ضخمة في الخليج وفقد الوطن هذه الثروة الكبيرة غير أن أحداً ممن ملكوا الأراضي لم يقم في المقابل بإقامة مشروع وطني يخدم الوطن أو ينتفع منه العامة، وإذ تحول الأراضي التي لم يدفع فيها المالك من جيبه ديناراً إلى قسائم سكنية تباع بملايين الدنانير وتسجل هنا أسماء من استفادوا وبكم باعوا في حين بقيت القرى المجاورة كتوبلي والكورة وغيرهما تغرق في فقرها ولم تطل المنطقة استفادة عامة كإنشاء مدن سكنية على رغم الحاجة الماسة للأهالي ولا تسجل في هذا الجانب مبادرة الدولة بتعويض الأهالي جرّاء فقدهم للخليج الذي يرتزق منه الصيادون بتخصيص أراضٍ مقابل الضرر أو تعويضهم مادياً.

غير أن ما يجهله كثيرون أن خليج توبلي «10 كليومترات حالياً» لن يكون له وجود بعد عشر سنوات من الآن ما لم تعدل السياسة المنتهجة فما تبقى من خليج توبلي مملوك حالياً لأشخاص من دائرة الكبار وبالطريقة ذاتها وستتحول مياهه إلى قسائم تجارية على الغالب. على رغم وجود الكثير من القوانين والقرارات التي تحمي الخليج أبرزها القانون الصادر في العام 1995 فإن ملاك الأراضي منذ ذلك التاريخ يقومون بعمليات الدفن باستصدار رخص من جهات رسمية تسمح لهم بالردم. والحاصل أن هذه الجهات تفضل مخالفة القانون بمنح مثل هذه الرخص مقابل عدم الاصطدام مع الملاك أصحاب النفوذ ومن الواضح أيضاً أنها لا تملك حق الرفض بقوة القانون وهو ما يجعل القانون فاقداً لهيبته وسيادته.

أحد المستفيدين من الأراضي المغمورة بالمياه حالياً جاء بأوراقه إلى «الوسط» بعد أن نشرت خبراً عن جرافات ليلاً تقوم بدفن أجزاء من خليج توبلي لحسابه الخاص كما أوضح القائم على العملية... المستفيد المعني أخلى مسئوليته القانونية وحملها وزارة الأشغال التي سمحت له في العام 2000 بدفن أرض بحرية في الخليج بموجب رخصة دفن مقيدة تحت رقم 008/16/1999 مساحة الأرض تبدو خيالية نوعاً ما فبلغة الأرقام يملك الوزير 48 ألف و578 متراً مكعباً أي ما يعادل نصف مليون قدم. وتولت إحدى الشركات دفنها مقابل 150 ألف دينار ثم باعها في الفترة الزمنية ذاتها بعد تحويلها إلى 200 قسيمة تجارية بمبلغ مليون ونصف المليون دينار. ولم يصب هذا المبلغ لخدمة المصلحة العامة أو مصلحة الدولة في حين أن مساحة الأرض بعملية حسابية أخرى يمكن أن تضم 150 وحدة كشاكلة بيوت الإسكان كان يمكن أن يحل مشكلة السكن لكثير من العوائل، وهو ما يطرح سؤالاً عن أحقية الوزراء في العطايا والهبات كونهم موظفين برواتب عالية يتجاوز دخلهم السنوي 50 ألف دينار المستفيد المعني قال في زيارته لـ «الوسط» انه ليس الوحيد الذي ملك ودفن أراضي في خليج توبلي كي يستهدف لأن القائمة تطول وأن مجلس بلدي المحافظة الوسطى سيلقى عناءً إن شرع في حصر الأراضي ولتصحيح أوضاعها. ويبدو حديث الوزير واقعياً لأن أكثر من أرض بحرية استملكت ودفنت بالطريقة ذاتها في المقابل لا يتحفظ رئيس البلدي إبراهيم حسين على الأراضي العامة المستملكة لكنه يتعشم أن تقوم الحكومة باسترجاع الأراضي البحرية (غير المدفونة) المملوكة لآخرين للحفاظ على بضع أمتار هي مساحة خليج توبلي.

وزارة البلديات والبيئة أبدت في رخصة الدفان الممنوحة للوزراء عدم اعتراضها على دفن الأراضي وهو ما اعتبره عضو المجلس البلدي عباس محفوظ مخالفة صريحة للقانون ذلك أن الموافقة على أي طلب لدفن الخليج من أية جهة لا يتفق مع قانون منع الدفاع والتعمير في خليج توبلي وسواحله الصادر في العام 1995 وأيضاً قرار وزارة البلديات والمجلس البلدي القاضي بوقف استصدار تراخيص للدفن أو التعمير مطالباً الدولة باستملاك الأراضي المغمورة بالمياه وإلغاء تملك الآخرين.

يتفق اقتصاديون على أن سياسة تمليك العام من الأراضي سياسة خاطئة تلحق الضرر بالبلد والناس وخصوصاً أن مساحة البحرين لا تتحمل الكرم الكبير في تمليك الأراضي للغير، فالباحث جاسم حسين يؤكد أن كل كليومتر مربع يضم ألف شخص في بلد مساحته الإجمالية 718 كليومتراً وتشهد نمواً سكانياً جعلها الرابعة عالمياً في الكثافة السكانية. يرى حسين أيضاً أنه من الخطأ تمليك الأراضي بلا مقابل، وهو أمر لا يخدم الاقتصاد الوطني بل يصب في الجيوب الشخصية ويسبب ارتفاع أسعار العقارات لأن المتملكين يقومون عادة بالمضاربة بالأراضي وتداولها ما يرفع الأسعار والخاسر في المقام الأول الوطن والمواطن إذ لا مردود اقتصادياً يرتجى ولا مقابل يدفع للاستملاك

العدد 715 - الجمعة 20 أغسطس 2004م الموافق 04 رجب 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً