أصبحت العاصمة الألمانية برلين من وجهة نظر أندية السينما أكثر ثراء. بتاريخ التاسع عشر من أغسطس/آب زاد عدد أندية السينما في هذه المدينة ناديا جديدا لكنه متميز ويعود الفضل في تأسيسه إلى مبادرة قام بها عدد من الفنانين السينمائيين الألمان وبمشاركة مخرج الأفلام العراقي عدي رشيد. اسم النادي الجديد: نادي السينما برلين/ بغداد. لكن هذا النادي ليس له مقر، ليس في برلين وليس في بغداد، وأعضاؤه قد يجتمعون في أي مكان، انه ناد يلتقي تحت مظلته معشر الفنانين والأفراد الذين يرغبون بالمساهمة في إرساء قاعدة للتعاون السينمائي بين أوروبا والعراق وتحديدا: تزويد العراقيين بأفلام أوروبية للتعويض عما فاتهم خلال العقود الماضية حين كان النظام السياسي صاحب القرار في نوعية الأفلام التي يشاهدها العراقيون. وهكذا فإن الأفلام التي تنبذ الحروب وتطرح قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان كان محظور عرضها. ولأنه بسبب حرب العراق، ظهرت موجة اهتمام واسعة في أوروبا على وجه الخصوص لمعرفة كل شيء عن هذا البلد وعن شعبه. وفي الأشهر التي تلت إعلان نهاية المعارك الرئيسية وحتى اليوم فإن الأنباء التي ترد إلى أوروبا من العراق لا تتحدث سوى عن أعمال العنف الدامية.
شاءت الصدف أن يحضر في مثل هذه الأيام مخرج الأفلام العراقي عدي رشيد في مدينة برلين إذ يعمل في تجهيز أول فيلم عراقي صور بعد الحرب ويحمل عنوان: «تحت المجهر» وهذا أول فيلم تم تصويره في العراق منذ نحو أربعة عشر سنة. لذلك يستدل أن السينما العراقية كادت أن تدخل عالم النسيان وهناك حاجة ماسة إلى انطلاقة جديدة لكن السؤال: كيف؟ فجأة وجد عدي رشيد حوله في برلين من يشاطره التفكير حول مستقبل جديد للسينما العراقية ومن دون خطط مسبقة أو الشروع في مناقشات أكاديمية نشأت فكرة عفوية. على صفحة الإنترنت الخاصة بنادي السينما برلين/ بغداد www.filmclub-berlin-baghdad.de تم توجيه دعوة عامة إلى حضور حفل تأسيس نادي السينما الجديد في مطعم (أوست شتراند) بحي فريدريشهاين واشترطت الدعوة على الراغبين في الحضور، أن يأتي كل منهم بثمن طعام العشاء العربي والأهم بفيلم أوروبي وإذا أمكن أن يتضمن ترجمة باللغة الإنجليزية وذلك على صحن دي في دي لغرض جمع كمية معتبرة من الأفلام الأوروبية تمهيدا لنقلها إلى العراق في أول خطوة من نوعها لإقامة صلات مع السينمائيين العراقيين. وجاء في الدعوة أيضا أنه سيتم بحث سبل التعاون مع السينمائيين العراقيين لذلك من المحبذ لو جاء فنانون وفي جعبتهم بعض الأفكار. ولأن مثل هذه المبادرة ستحصل على اهتمام أكبر فيما لو تبناها أحد الفنانين الألمان المعروفين فإن المخرج السينمائي الألماني توم تيكفر لم يتردد في تحمل رعاية المبادرة وأخذ على عاتقه الترويج لأحدث ناد سينمائي في برلين. وقد صنع تيكفر المولود في العام 1965 بمدينة فوبرتال شهرته السينمائية في ألمانيا والولايات المتحدة من خلال فيلم (لولا تركض) الذي حاز في العام 2000 على جائزة الفيلم الألماني وفيلمه الأخير «المحارب والقيصرة» العام 2001 الذي عرض في ألمانيا والولايات المتحدة.
وراء المبادرة إحدى العاملات في قطاع السينما الألمانية ماري شتاينيمان والصحافي الألماني كلاز غلينفينكل بعد أن أطلعهما عدي رشيد على حال العدم التي وصلت إليها السينما العراقية تحت الحصار الذي فرض على العراق بعد غزوه الكويت العام 1990 ووجود رغبة كبيرة عند العراقيين لاسيما الطلبة والمثقفين في التعرف على الأفلام الأوروبية وخصوصاً التي حالت الحرب دون أن يشاهدوها. وقالت ماري شتاينيمان في تصريح خاص لهذه الصحيفة إن هدف المبادرة هو عقد صلات مع السينمائيين العراقيين والتوصل إلى سبل تقديم المساعدة لهم وفقا للإمكانات المتاحة. وأضافت ماري شتاينيمان قولها: تبين لنا أن هذه المبادرة التلقائية كانت في محلها إذ زاد عدد الحضور ونوعية الأشخاص الذين جاءوا وبحوزتهم أفلاماً على صحن دي في دي ليهدونها إلى نادي السينما برلين/بغداد عن توقعاتنا. ففي أمسية الافتتاح التي تحدث فيها عدي رشيد عن مشكلات السينما العراقية وسط مجموعة من السينمائيين الألمان تم جمع 250 فيلماً فيما بلغ عدد الحضور 220 شخصا. في إطار الفكرة طلب المنظمون التركيز على أفلام شارلي شابلن والمخرج الألماني راينر فاسبيندر وزميله المخرج المعروف فولكر شلوندورف والمخرج السويدي بيرغمان وكذلك المخرج الإيطالي أنتنيوني وغيرهم من الذين أثروا السينما الأوروبية إضافة إلى مجموعة أفلام العميل السري البريطاني جيمس بوند. كلاز غلينفينكل يعرف مشكلات العراق جيدا. وقد أسس هذا الصحافي الإذاعي مشروع إذاعة (تليفون أم أم) الذي يجري تحضير برامجه منذ يوليو/ تموز الماضي وتبث في العراق وهكذا أقام جسرا بارزا بين برلين وبغداد. وقال كلاز غلينفينكل: إن هدفنا هو أن تلعب الثقافة دورا مهماً في مساعدة العراقيين في حياتهم اليومية وأن يعيروا أهمية لاهتمامات أخرى في الحياة بعيدا عن العمليات العسكرية والصراعات الداخلية. وأضاف غلينفينكل: الملاحظ أن الطلبة والفنانين العراقيين لديهم اهتمامات كبيرة للتعرف على الثقافة الأوروبية وتبادل الخبرة معها. وقد توصل غلينفينكل إلى هذه الحقيقة بعد مناقشات طويلة أجراها مع مثقفين عراقيين. يرى المخرج الألماني توم تيكفر أنه بوسع السينما القيام بدور يخدم السلام ومن خلال منح العراقيين أملاً بالمستقبل بمساعدة الفن السينمائي. الملاحظ أنه بعد غزو العراق انتشرت داخل المدن الكبيرة في العراق دور صغيرة تعرض أفلاماً خلاعية. فيما كان تداول هذه الأفلام يجري سرا أبان العهد السابق إلا أن البعض استغل فرصة انهيار نظام البعث ليفسر الحرية بحسب مشيئته. وهكذا بدأ الإقبال على هذه الأفلام يشكل خطرا اجتماعيا وتحديا للأطراف الإسلامية التي استخدم بعضها العنف لإغلاق هذه الدور.
قال عدي رشيد إنه درس هذه الفكرة مطولا وهو مسرور لأن المبادرة تحققت على الأرض وحصلت على اهتمام واسع في طول وعرض ألمانيا. فقد عرض التلفزيون الألماني بعد إعلان تأسيس نادي السينما برلين/بغداد شريطا عن المناسبة في نشرته الإخبارية الرئيسية. وتتوقع ماري شتياينيمان أن ترد في القريب مجموعة كبيرة من الأفلام الأوروبية من مختلف المناطق الألمانية والأوروبية. حين تحدث عدي رشيد عن مشكلات السينما العراقية والسينمائيين العراقيين تطرق إلى الرقابة الصارمة التي كان النظام السابق يفرضها على الأفلام وقال في هذا الصدد: كان من المستحيل أن تحصل السينما العراقية على استقلاليتها. كان النظام يصادر كل فيلم يأتي من الخارج ويقص منه ما لا يتفق مع سياسة النظام. لكن خطر الرقابة مازال موجودا حتى بعد انهيار نظام صدام حسين، إذ يلعب الإسلاميون المتطرفون دور الرقيب الجديد في ظل عدم توافر الأمن والاستقرار في العراق. بالنسبة إلى عدي رشيد فإن الأمر يعتبر حياة أو موت للثقافة العراقية. موجة العنف التي تجري داخل العراق استهدفت جميع مراكز الثقافة والحضارة وقد تم تفجير قنابل في ثلاث دور للسينما في بغداد. من وجهة نظر المخرج توم تيكفر فإن المبادرة فرصة رائعة لتدعيم التبادل الثقافي بين ألمانيا والعراق خصوصاً في مجال السينما إذ كل طرف لا يعرف شيئا عن الآخر. على رغم أن الجانب الألماني يصر على استقلالية المبادرة وأن يقتصر العمل بها من خلال مساهمات المهتمين إلا أن عدي رشيد يريد عرض المشروع الألماني العراقي على وزير الثقافة العراقي والحصول على دعم منه للنشر لضمان الحصول على مكان آمن في بغداد لعرض الأفلام التي يقدمها أعضاء نادي السينما برلين/بغداد
العدد 719 - الثلثاء 24 أغسطس 2004م الموافق 08 رجب 1425هـ