شهر رمضان المبارك فرصة تنفض فيها النفس الانسانية شيئا من أدرانها وتتوجه الى الغاية من خلقها، تتوجه الى بارئها سبحانه وتعالى. فشهر رمضان المبارك يشبه طريقا نظيفا مهيأة للوصول الى رحاب الله عندما تتحول النفس الانسانية فيه الى نور يشملها والى عالم آخر غير هذا العالم. والحديث مع الشيخ جمعة توفيق مرزوق بشأن شهر الغفران والرحمة شهر رمضان المبارك حديث يستمد قوته من صلته بالواقع الشديد التأثر بالشهر الفضيل، إذ يؤكد الشيخ هنا أن شهر رمضان ما لم يتحول من فكرة الى سلوك وما لم يكن له حضوره الكبير في شخصية وسلوك الفرد المسلم فانه يفقد أهميته... نفرد هنا اللقاء:
لماذا أولى الله سبحانه وتعالى شهر رمضان كل هذا الاهتمام من دون سائر العبادات؟
- ان لكل عبادة من العبادات فضلاً، فما من عبادة الا وقد اهتم الله سبحانه وتعالى بها وجعل لها مكانة، فالحج مثلا جعل له مكانة والحج يختلف عن سائر العبادات باعتبار المكان والزمان. فالصيام له وقت زمني أما الحج فله زمان ومكان فلا نستطيع أن نقول إن الله سبحانه وتعالى فضل شهر رمضان على غيره من سائر العبادات، لكن اذا كان هناك من أمر يذكر فهو التساءل عن الحكمة من قول الله سبحانه في «أن كل عمل ابن آدم له الا الصوم فانه لي وأنا أجزي به»، ويرى بعض العلماء أن الصيام سر بين الرب وعبده فقد يقول فلان من الناس أنه صائم ولا يظهر عليه هذا الصيام، وقد يقول أنا مفطر لأنها عبادة سرية ولذلك نقول إن الله عز وجل أبهم الأجر على الصيام وان كانت هناك بوادر كالعتق من النار وتكفير الذنوب، ومن صام رمضان وقامه احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه لكن الصيام أو الأجر الحقيقي مبهم، فالأجر الحقيقي للصيام هو عند الله سبحانه وتعالى على اعتبار أنه سر بين الخالق والمخلوق.
وما الفرق بين تعامل المسلمين والصحابة مع الشهر الفضيل، وتعاملنا نحن اليوم معه؟
- لقد كان السلف الصالح (رض) يفرحون أشد الفرح لقدوم شهر رمضان المبارك، وورد في الأثر أن الكثير من الصحابة والتابعين يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، فاذا جاء شهر رمضان وهم الذين تخرجوا من جامعة محمد (ص) عبدوا الله عز وجل حق العبادة فيه حتى اذا انصرف، وجدت أن قلوبهم متفطرة لفراق هذا الشهر العظيم، لذلك منّ عليهم الله سبحانه وتعالى بجائزة وهو العيد، فالعيد يفرح به الصائمون ولذلك فعندما يصومون ويقومون يفرحون بهذه الجائزة ونجدهم بعد ذلك يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يتقبل منهم شهر رمضان وأولئك كانوا يفرحون بلقاء الله وكانوا أيضا يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ولذلك أصبح الأمر عندهم أمراً ايمانياً يقينياً وفرحاً بلقاء الله ولكن في هذا الزمان نلاحظ أن الكثير من الناس عندما يقبل شهر رمضان يتضجرون لأن شهر رمضان اشتهر بأن فيه العطش والجوع والثقل، حتى رأينا من الناس من يأخذ اجازة فيه، لكن هناك استعدادُ آخر كما هو حاصل في الأسواق كالاستعداد الغذائي وكأن شهر رمضان شهر حرب يجب أن يستعد له ولجوعه وهذا أيضا استعداد خاطئ، ولكن ماذا لو أن الانسان استعد لشهر رمضان فحزب مصحفه وهيأ مسجده وفكر كيف ينظم وقته في رمضان إذ إن هناك استعداداً فقهياً لشهر رمضان، وكثير من الناس يغفلون عنه وهو أن يعرفوا أحكام الصيام فنحن كطلبة علم في البحرين ومشايخ نجد أن الهواتف لا تتوقف في شهر رمضان، لذلك نحاول في هذا الزمان أن نعيد الناس الى ما كان عليه سلفنا الصالح فأنشأنا الكثير من المحاضرات والندوات والمواعظ في المساجد من أجل أن يكون هناك استعداد صحيح. نحن نحتاج الى أن نستغل الشهر الفضيل وان نعرف مقدار وأهمية هذه الفرصة فاذا عرفنا ذلك سيكون لدينا استعداد جيد،. ونلاحظ أن الله سبحانه يسر السهر في شهر رمضان وهذه نعمة عظيمة جدا لم يلتفت لها الناس، فالله سبحانه وتعالى لم يسهل السهر من أجل مشاهدة التلفزيون وانما من أجل أن نعبده حق العبادة، كما كان حبيبنا (ص) يقوم من الليل - تقول عائشة - حتى تتفطر قدماه، فتقول له يا رسول الله أتفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيقول أفلا أكون عبدا شكورا.
هناك فكرة مفادها أن الإعلام شكل وسيلة من الوسائل المهمة للتأثير على خيال وتفكير المسلمين، حتى في عهد النبي (ص) فان الرسول عندما كان يقول حديثا ما كانت تتناقله الشفاة، اذ كانت وسيلة اعلام بسيطة لكنها مؤثرة جدا، ولكن في هذا الزمن ومع انتشار وسائل الاعلام لا نجد هذا التعاطي والاستفادة، فهل من خلل منا نحن في طريقة التعامل؟
- في رأيي الخاص أن وسائل الاعلام لا تقوم بدورها على الوجه الأكمل وذلك لعدة أسباب أولها أن الاهتمام بالبرامج الدينية اما ان يكون موسميا وهذه المواسم على اعتبار أنها مواسم دينية ففي الحج وشهر رمضان يهتمون بنشر الاسلام وما يتعلق بالاسلام. والقضية الثانية انه لو عرض شيء يتعلق بالاسلام ومفاهيمه ننظر حتى في توقيت عرض هذه الحلقات اذ ان هناك عرضاً سيئاً للحلقات، وقد أخبرني أحد تلامذتي أنني رأيت حلقتك عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، والسؤال من سيرى هذه الحلقة في هذا الوقت من الليل؟! أو بعد صلاة الفجر مباشرة أو حتى عند الساعة السادسة او السادسة والنصف وقت غير مناسب لأن الجميع ذاهبون الى أعمالهم، واذ عرضت في شهر رمضان عرضت وقت الافطار فأما ان الناس يأكلون في بيوتهم واما أنهم يصلون في حين أن البرامج التي يركزون عليها كالفوازير والحلقات الرمضانية التي تعد وتدفع لها المبالغ الضخمة تعرض في أوقات مناسبة جدا ومؤثرة وفي وقت يجتمع فيه الناس، بينما لو نظرنا الى الاعلام في عهد النبي (ص) لوجدنا النبي (ص) يقول «بلغوا عني ولو آية» والأمر كان يتناقل، في حين أن المصحف وقد اجتهد الصحابة كثيرا في نسخه وتوزيعه وهو منتشر، وكذلك التفاسير كلها موجودة بآلاف الطبعات، لكن السؤال من الذي يقرأ، فالوسيلة الاعلامية الموجودة والمؤثرة والقوية هي الوسيلة المرئية والمسموعة والشريط الاسلامي له دور لكن ليس كالمرئي لذلك يقول الرسول (ص) في الحديث «ليس المخبر كالمعاين» فالشيء الذي أنت تراه يؤثر فيك أكثر من غيره.
وهل تمت الاستفادة من شهر رمضان المبارك كمدخل من مداخل الدعوة لله سبحانه وللإسلام؟
- هناك محاولات لبعض الدعاة بنشر بعض المحاضرات والكتيبات التي تبين القيمة الصحية والاعجاز العلمي والطبي الموجود في الصيام، هناك الحديث المشهور «صوموا تصحوا» وهناك عيادات في أوروبا تعالج بالصيام، ولكن هذا الموضوع يرجع الينا نحن فربما نكون مقصرين في هذا الجانب، اذ علينا تبيان الفوائد الصحية للصيام، وغير المسلم عندما ينظر من الوهلة الأولى للصيام يظن أن هذه أمة تعذب نفسها شهرا كاملا لأنهم لا يعرفون المقاصد الشرعية. وشهر رمضان - حقيقة - فرصة كبيرة للرجوع إلى الخالق عز وجل وفيه أشياء كثيرة عظيمة منها أن المسلمين عرفوا قيمته ولذلك هم تعبدوا فيه وهناك ناحية نفسية إذ إن شهر رمضان معسكر تدريبي ايماني. لذلك أقول ان العمر يمضي والله سبحانه وتعالى جعل لنا حياة وخلقنا لطاعته ولا أحد يعلم متى سيموت فكم من أناس صلوا معنا العام الماضي واليوم هم ليسوا معنا، وأذكر هنا أن أحدهم وكان كبيرا في السن وكان وقت السحور قال لأبنائه أرى أنني أفطر مع أناس ليسوا بأهلي، فقالوا هذا لكبر سنك أو ما شابه، والرجل كان صائما ومعروفا بدينه وورعه فلما أذن المؤذن رفع التمرة فتوفي، فلذلك نحن نقول اللهم أعد شهر رمضان علينا وليس أعدنا على شهر رمضان
العدد 770 - الخميس 14 أكتوبر 2004م الموافق 29 شعبان 1425هـ